أدب

صفحة الأديبة رشا المالح الخاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

تداعيات

قصة

رشا المالح*

 

   بالأمس ، أسدل القلب على قصتها غلالة الحزن

فانزوت مع نفسها في الركن القصي من العلية

الذي ربما شاء القدر أن تكون أنيسها الوحيد

لأيام العمر الطويلة المتبقية

رمقته عيناها بانكسار واستسلام

فمن هي لتقاومه .. لتتصدى له

ليست سوى كائن بشري يؤمن بالقضاء والقدر

في ظلمة الداخل الساكنة

جلست متكورة على نفسها

كانت عيناها تتأملان عبر الكوة الوحيدة المتاحة لها

الحياة في العالم الخارجي

وعقلها يردد، لا يأخذ كل إنسان إلا ما كتب الله له

نعم رددتها الأعماق بكل جوراحها

بلوعة وألم وحرقة

رعد .. برق .. أعاصير

ومطر غزير حجب عنها

إطلالتها الوحيدة على المحيط

كانت ترتجف .. ترتعش

ولم تكن تدري أن عواصف ذاك الشتاء

إنما تنبثق من داخلها

كل ما هنالك أن فصولها لم تكن تتزامن مع الحياة

ففي حين كان برد الوحدة ينخر وحدتها

كان المحيط يستقبل فراش وبراعم الربيع

وحينما كانت في ربيع العمر لم يكن من حولها سوى الزمهرير

آه .. ثم آه .. ثم آه

صرخة مكتومة أفلتها القلب

ثم ارتعد

وحينما سكن .. عاد إليها خجلا مرتبكا

بدأ يهدىء من روعها

وهو يردد لنفسه، "يكفيها ما نالها من المحيط"

لا تحزني .. لا تشفقي .. لا ترثي لنفسك

بل عليك أن ترفعي رأسك عاليا

فكل لحظة من حياتك عشتها كان الصدق محورها

وهو وسام لا يناله سوى الأشراف

لا عليك من المحيط

فالصدق يخيفهم .. يهدد قناعاتهم .. يعري ذاتهم

المحيط اعتاد ... ألف ... أدمن

الكذب .. الازدواجية .. المخادع السرية .. الحياة ما وراء الكواليس

كل ذلك يمكنهم تجاوزه إن لم يدون بكلمات علنية

أو في السجلات الرسمية

الماضي .. الشباب .. العذرية .. الألقاب .. تجارب الحياة

زيا فضفاضا .. مهترئا .. أبدا لا يناسبك

فهم لا يدركون أنهم يحاولون إلباسك ثوبا غير ثوبك

فماضيك لا يعيش مع أشخاص أو أفراد أو أسماء أو أجساد

منذ طفولتك اخترت أو اختار الله لك نهجا مختلفا لحياتك

ومقاييسا مختلفة لعالمك

ثوبك .. معاييرك .. ماضيك

هم الحكمة .. الفهم .. الاقتراب من حقيقة الحياة .. الصفاء .. النقاء

البراءة التي لم تفارق عالمك .. الدهشة .. فرح الطفولة .. العفوية .. البدايات المتجددة

تلك الأصالة التي لم يستطع المحيط

على الرغم من جميع أسلحته أن يغتالها أو يشوهها

نعم ، دعي الدموع تنهمر

لا تخافيها .. لا تجافيها

فهي تطهرك .. تحررك من شوائبهم

ليس فخرا أبدا أن تكوني إنسانة

بلا تجارب .. بلا ماض .. بلا مواجع

يتحدثون عن صفحة الإنسان البيضاء

يتهافتون .. يلهثون .. ويفتشون عن المواد الخام

ظنا منهم بأنها مرفأ الأمان

لا عليك منهم

هؤلاء يعيشون على سطح الحياة

لا يدركون أو يعون جوهر الحياة

وبأن رسالة الإنسان في هذه الحياة

تتمثل في الحفاظ على الصحفة البيضاء التي ولدت معه

عبر مسيرته في الحياة

ظننت إلى حين في أحد مفاصل الحياة

أن الحب .. الارتباط .. الاغتصاب .. الغدر .. الخذلان .. الرحيل

يشوهوا الصفحة البيضاء .. وينقصوا من قيمتك .. رصيدك كإنسان

أبدا .. مطلقا .. وحتما

غير صحيحة تلك المقولات

فأنت تدركين الآن

بأن ما يسّود صحفة الإنسان

هو خداع الذات .. المقايضة لصالح الماديات .. الرضوخ لأفكار القطعان

ماذا أقول لك؟

هناك في الحياة الكثير من الورود

لكن الورد البديع .. الورد الجوري الذي يفوح بعبقه في الأرجاء

وحتى الرمق الأخير من حياته

هو الوردي البري الغجري الذي اكتسب عبقه من زخم الحياة.

دعيهم لحياتهم في البيوت الزجاجية

يعتاشون من الأسمدة الصناعية

ولك عبق نفسك دائما وأبدا

==========================

 *رشا المالح - سوريه/الإماراتٍ