| 
قصة بقلم : سها جلال جودت
حين يلد
رحم الأرض وردة ثمة أشواك يحتويها حامل الوردة الغصن.
وكيلا تتجرح أصابع الإنسان حين يريد قطفها يلجأ إلى المقص أو يتجنب أشواكها
بحيطةٍ وحذرٍ رغبة منه في احتوائها وشم عبقها.
عطر الوردة يبقى ويدوم
ورق الورد يذوي ويزول..."
-1-
حالما شاهدت جدتي حمرتي الياقوتية أطلقت أول زغرودة ارتعشت من رنينها خلايا
جسدي الناعمة،حملتني بين ذراعيها باسمة، قربت فمها من أذني،همست ببضع كلماتٍ
سمعتها وأحسست بها دونما فهمٍ أو إدراكٍ!
يومها قالوا :
- بكر العائلة أنجبت زوجته بكر البنات!
وجدتي التي كانت صعبة المراس شديدة في كلّ شيء طالبت أمي أن يكون فراشي لصيقاً
بفراشها،فأنا وردة روحها وحلمها الغافي من ترمل السنين التي صبرت عليها
بعنفوانٍ !
بعد أن مات جدي وتركها وحيدة ، اشتغلت خياطة كي ترد غوائل الفقر والحرمان عن
أولادها الصغار .
والوردة تتسلق جذع شجرة الكباد في فناء أرض الدار لتشاهد ضياء الشمس من أفقه
البعيد يُلقي تحية الصباح بعد أن ألقت جدتها تحية الفجر،والصلوات في مثل هذا
الوقت البديع كمطهرٍ عند نبع زمزم .
صاحت جدتي :
- وردة ... إياك والوقوع !
وانطلقت الزغرودة الثانية "ملاك الروح تفتقت ملامحها ولا بدّ من سقايتها بالزيت
الحلو والنشاء الصافي".
- جدتي ... طعمه ثقيلٌ ومرٌ ... سأتقيؤه !
- صبراً وردة ، لكل شيء وسيلة !
ومن وسائل جدتي في جلب عاطفتي نحوها سرد الحكايات،وحكايتها مع جدي لا تنفك
تسردها : "المرأة سند زوجها" ... "الرجل يجني والمرأة تبني".
يوم دخل والدي حاملاً بيده جريدة المدينة المحلية ... كان اسمي مع الأسماء
الناجحة في الشهادة الإعدادية. ولحظة رأت جدتي الخط الأحمر وقد وضعه أبي تحت
اسمي، أطلقت زغرودة ثالثة ثم قالت :
- لا بدّ من متابعة التعليم لنضمن المستقبل .
لكن الوالد الذي أعطى كلمة صاح غاضباً :
- أعطيت الرجل كلمة ، وكلمة الرجل لا تصبح كلمتين!
وإذاعة صوت العرب تقرأ أخبار انفصال الوحدة ووالدي يذرف الدموع بجنون طفلٍ
صغيرٍ وهو يردد :
- الله أكبر فوق كيد المعتدي .
حينئذٍ صاحت جدتي:
- توبوا إلى الله ... هذا فأل سيّىء !!.
انزويتُ قرب جدتي على سريرها الحديدي وأنا أمسح بحافة اللحاف دموعاً تنسل برقصٍ
واهنٍ،وهي في تسبيحها الروحي غارقة لا ينتشلها من شرودها سوى صوت المؤذن!
أرادوا أن يُرغموها على الزغاريد،رفعت سبحتها التي كانت في يدها اليمنى عالياً
وراحت تنقر بالسبابة بين كل حبة وأخرى من حباتها وهي تنظر إلى زينة الوردة وقد
ألبسوها البياض بعينين مغسولتين بنقاء الطهر والصلوات، وأم صبحي التي بدت مثل
غجرية قادمة من أدنى الشرق كانت تعقد حلقات "الدبكة" على ترانيم "الميجنا
والعتابا" وفمها مفتوح اندهاشاً أمام ظلال الراقصات المبتهجات، فالعريس ولدها !
وفي دارٍ بعيدة عن مكان شجرة الكباد وجدت وردة نفسها بين جدران غريبة عليها مع
رجلٍ سليط اللسان متعجرف لفق لها تهمة باطلة "وردة امرأة مسترجلة، كان الاختيار
غلطة العمر"!!.
ووردة التي تعلمت من جدتها أن في طاعة الرجل دخول الجنة،أرادت أن تدخل الجنة،
لكن الرجل مشغول عن دخول الجنة بمباذل الدنيا وفسادها،وحين سقطت خصلة من خصلات
شعرها الكستنائي على جبينها رفعتها بعصبية وهي ترد عليه، فصرخ غاضباً ولائماً :
- أفٍ منك ، أما قلت : - أنتِ لا تستحقين اسم وردة !!
- ولكن ؟
- لا أحب صوت المرأة الجهوري ... اسكتي .. !!
وعادت وردة إلى أهلها كسيرة الفؤاد، حسيرة النظرات،ذابلة الملامح،عادت لتجد
نفسها في بيتٍ نهض فوق منبت شجرة الكباد فتصرخ :
- جدتي ... عودي ، صوت أمي يُعذبني !!.
فيردد والد وردة بصوتٍ تلوكه البحة بعد أن صبغ شعره البياض :
سلامٌ قولاً من ربٍ رحيمٍ*.
-2-
حين اشترى صبحي جهاز "فيديو" أدخل معه شريطاً لو رآه قوم لوط لصرخوا شامتين،
وحين قالت وردة :
- حرامٌ عليك فيه فساد وامتناع عن الحياء !.
زجرها شاتماً خشونة عواطفها، وبسفالة ردّ عليها:
- أنتِ لا تأتين إلا بالضرب !.
-3-
تنطفئ زغرودة الجدة .... تنام ملامح البشر ولا تستيقظ.... تصرخ وردة بصوتٍ
أنثويٍ جريحٍ: - (يس).
تردد الجدة : * قال من يحيي العظام وهي رميم*.
وتبدأ وردة في سرد الحكاية :" بين أقدام الأيام طحنت عجين الألم وأنا أقلدك ،
سخرَ مني بلؤمٍ طبقيٍ قائلاً:
- خياطة بدائية وزبونات " فلتانات".
فتذكرتُ أن لكل شيءٍ وسيلة،وحاولت أن أكون صورة مصغرة عن الزهراء،أو آسيا،أو
زوجة الراعي لأسقط من عينيه فما أنا سوى جاهلة!!!.
كان إخفاقي ذريعاً فقد احتوته مدينة بلا أسوار، مدينة عارية تشتت البصر وقد زاغ
بصره عني وفقدَ بصيرته نحوي فراح مثل قبرةٍ تنوح وهو يتهمني دون رحمةٍ أو خوفٍ
محدثاً الناس عني :
- وردة امرأة مطوقة بصمت الرجال !!.
حين بكى والدي على يوم الانفصال المشؤوم،بكت روح جدتي على عودتي كسيرة ،
ذليلة،كانت مدركة أني سأعود، سمعتها خلسة تُحدث والدي، وما كان من عادتي أن
استرق السمع، لكنه مصيري ولأنه مصيري فقد اقتربت من فتحة الباب ووضعت أذني :
- ناشدتك الله يا ولدي ... لا تتعجل ... عليك بالاستخارة .
فغالطها قائلاً :
- أبوه رفقة عمر، وفي رقبتي له دين ، وقد أعطيت الرجل كلمة !
- أتكون وردة بدل هذا الدين ؟!
وبحركة لم أشاهدها أشار على جدتي أن تلزم الصمت!!!
-4-
بين يديه أصبحت دالية بلا عناقيد حتى اكتوت حمرتي الياقوتية بسمرة محروقة ،
ذابلة !
يوم تعطل جهاز "الفيديو"،انعقدت في وجهه عقدة عابسة متشحة بحلكة كلامٍ لا
يرحمْ،ويوم عاد باكياً عقدت لساني الدهشة :
- أيبكي الرجل من أجل جهازٍ ما عادت قطعه المتناثرة في قارعة الطريق تصلح للعمل
؟
أمي تقول : الحكايات القديمة أصبحت بالية،وعلينا أن نتأقلم مع حكاياتِ هذا
الزمن في أوضاعها الجديدة ... ذنبي أني تركتك في أحضان الجدة تترعرعين !!
جدتي وأنتِ ترحلين كانت الأقدام تتعثر بخطواتها والأكتاف تنوء بحمل التابوت
الذي بدا متأرجحاً حينئذٍ قالوا:
- كأننا نحمل الطود بعينه ... ما زالت روحها متعلقة برائحة الورد!
بعد رحيلك أثخن العالم بالجراح،صار الزمن في خاصرة عيوني باهتاً أجوف،تحولت
حروفه المضيئة إلى نتفٍ من زجاجٍ متكسرٍ!! بعد أن صارت المرآة هاجس
المرأة،والمرأة هاجس الرجل ، والمال هاجس الجميع ......!!!
يوم ولادتي كانت اللفة بيضاء، ويوم زوجوني رغماً عني كانت البذلة بيضاء، ويوم
كفنوك،كفنوك بالبياض..! وفي صحراء ملتهبة تركوني وحيدة ، كنت سأضيع ! ثمة رجلٌ
لا أعرفه جاءني حاملاً بيده عصا يضع عمامة على رأسه سألني :
- عمّ تبحثين ؟
أجبت وأنا أرتجف من شدة الخوف :
- عن الخلاص !
- ممن ؟
- من ظُلم ِ مَنْ فقدَ النخوة !
ويظهر من فقدَ النخوة فجأة ، يدور حولي ثم يختفي، يدور ويختفي،فأصرخ، تبرق
السماء بلا رعدٍ،أحاول الهروب من تطويقه فأسمع الرجل يتلو،ويلقي بعصاه، فإذا هي
سلحفاة كبيرة تنقض على عنقه لتخمد أنفاسه!"
بعد هذا الحلم، اتخذت وردة قراراً في مواجهة المصير!! |