انطلق
يجوب شوارع العاصمة الموغلة في القدم
والعراقة..دمشق..تلك المدينة الأسطورة, قال في نفسه
:
يا الله كم احب هذا
المكان...من لم ير الشام لم ير شيئا من ملكوت الله ...(وجهة نظر
).
مر في جولته
تلك بمنطقة يعشقها بأشجارها الطويلة المتكاثفة معا,أيكة مسحورة ,و التي يتراوح
لونها من الأصفر حتى الأحمر مرورا بالبرتقالي و درجاته , انه فصل الخريف,يوما
ما
قال نزار قباني وحده الخريف يشبهني ,هو قال في نفسه و أنا أشبه الخريف.
تناهت
إلى سمعه صوت أغنية يعشقها فرفع صوت الراديو حتى جلجلت في أنحاء سيارته
الصغيرة:
قالت يا ولدي لا تحزن الحب عليك هو المكتوب
لا بأس ما دام الحب
هو المكتوب.
بحياتك يا ولدي امرأة.....
تذكر عندما وقعت عيناه عليها
للمرة الأولى ..كان ذلك منذ سنة تقريبا , عندما أوفدته شركته لدراسة اللغة
الإنكليزية في معهد خاص ,كان ذاك درسه الثاني عندما - و بعد ابتداء الدرس
بدقائق
-
قرعت الباب المفتوح ..فاتجهت الرؤوس إلى هذه الطالبة المتأخرة ..أومأ لها
الأستاذ
بالدخول ...فتحركت بارتباك واضح إلى الداخل ..و هناك على مرمى نظر ..شعر بشيء
ما
..كأنه
ارتعاش اجتاح مفاصله ...لم يستطع أن يعرف ما الذي أثر به إلى هذا الحد في
تلك الغريبة.
عيناها سبحان المعبود
لا بد أن نزار قباني قد رآها في مكان
ما , فمن غير تلك العينان يستحق جملة كهذه ...ما أحلى عيناها..عندما تقدمت على
استحياء متجهة للمقعد المجاور له , و على محاذاته تماما كان قدره يشاكسه جالساً
على
مشاعره التي لم يستطع أن يفك رموزها حتى هذه اللحظة , استدارت إليه ..التقت
عيناهما
..تشابكت
لوهلة كانت كافية تماما لتغور طعنة نجلاء في فؤاده, ثم نزعت عينيها مرة
أخرى ..و تابعت اهتمامها بالدرس..دون أن تشعر بأنها استلت من عينيها شعاعاً و
شهرته
في وجهه ,شعاعا أشعل حرائق ملتهبة اكتسحت مشاعر من على يسارها و
أحاسيسه.
فمها مرسوم كالعنقود
لا تعليق
ضحكتها أنغام
وورود
بالتأكيد ضحكتها أحلى من ذلك كله, يحدث أن تستطيع أن تقرأ تفاصيل صمت
كائن ما لمجرد انبهارك به.
و الشعر الغجري المجنون ...يسافر في كل
الدنيا
يا لشعرها ..الكالح السواد ..الممتد على خصرها الرشيق...و هو يتمايل مع
رأسها مرافقا كل حركة تقوم بها..حتى إذا ما انهمكت في تدوين ملاحظات الأستاذ
,فمالت
بقامتها إلى الأمام لكي تكتب, أغار شعرها معها إلى الأمام متجاوزا كتفها و
ساعدها
بشغب ملحوظ , و جلس بحركة مشاكسة على منضدتها , فإذا بها تعيده إلى الوراء
ثانية
بحركة من أناملها العاجية ..حركة تسكنها نعومة الكون كله و أنوثته و تسكن أعمق
مشاعره حتى الآن.
ستفتش عنها يا ولدي في كل مكان..و ستسأل عنها موج البحر و
تسأل فيروز الشطآن
كان يزداد إعجابا بها مع كل درس يحضرانه..شئ ما في صمتها و
هدوئها يشده..شئ غامض فيها يسحبه لقاع التعلق بشدة لا هوادة فيها , و بمرور
أيام
كان يفيض تورطاً و يزداد غرقاً.
قال في نفسه يوماً ما أجملها....كأنها حورية
البحر..كأنها أسطورة بغموضها ..سأكلمها ..سأحاول أن أجد ذريعة ما لأكلمها
..سأطلب
منها شيئاً ما ..ربما كتابها.. أي شئ لا بد أن أكلمها.
لكن سماءك ممطرة و
طريقك مسدود مسدود
ما أن أذن الدرس بالانتهاء حتى لمت كتبها على عجل و اتجهت إلى
الباب و كأنها تهرب من شئ ما ..أما هو فقد ترك كتبه على طاولته كما هي و جرى
وراءها
,
كانت خطوات الفتاة سريعة كفهد..رشيقة كغزال , و هو يسارع خطواته بقلب مترقب
يكاد
لوقع دقاته المرتفعة أن يُسمع من حوله إيقاع لهفته.
لماذا هي على عجلة من
أمرها...تساءل في نفسه بينما لا يزال يحث خطواته وراءها.
فحبيبة قلبك يا
ولدي نائمة في قصر مرصود
من يطلب رؤيتها
من يدنو من سور حديقتها
يا ولدي
مفقود مفقود
و عند باب المعهد الخارجي , أبطأت هي الخطى , مما أثلج قلبه قليلا
,كان
ثمة سيارة حديثة هناك ,يقف إلى جوار بابها اليساري شاب وسيم برفقة طفلة صغيرة
لا تتجاوز السنتين من العمر,لها نفس العينان الساحرتان ,و ما أن لمحت الطفلة
فتاته
خارجة من باب المعهد , حتى جرت إليها بخطاها الحديثة العهد بالمشي رافعة يديها
الصغيرتين و هي تهتف بصوت شجي : ماما..... ماما