
مقال
توفيق أبو شومر
عن القصة السورية
ظلتْ
كتبُ التاريخ تفخرُ بتحرير العبيد ، ومنع الاتجار بالرقيق ، وسنِّ
قوانين وتشريعات الحرية ، وأصبح شعار العالم منذ قرنين الحرية
والمساواة والعدل ، ورفعتْ الثورات العالمية الكبرى شعارات الحرية
والمساواة ، وأنامت البشر على وقع شعارات الحرية، وجعلت الناس
يحلمون بالحرية، وهم يعيشون أبشع أنواع العبودية .
ولم
يلتفت كثيرون إلى علاقة العبودية بتكنولوجيا الألفية الثالثة، وهرب
كثيرٌ من الباحثين من الربط بينهما لسبب وجيه ، وهو أن التكنولوجيا
جاءتْ كثمرة من ثمار الحريات ، فكيف تكون مُسبِّبة للعبودية ؟!
وسعد
كثيرون بالطفرة العلمية المتنامية فائقة السرعة ، لأنها حسب
اعتقادهم ستكون خادمةً لحياتهم ، مُسخَّرة لراحتهم ، حتى ولو كانت
حياتهم وحياة أبنائهم هي الثمن .
هكذا
إذن اعتاد عبيدُ الألفية الثالثة ، أن يتغنوا بحريتهم ، وهم يرزحون
تحت أقسى أنواع العبودية .
كلُّ
ما في الأمر أن أكثر البشر فرحوا باندثار تجارة الرقيق والعبودية
بمعناها التقليدي فقط..
والحقيقة أن العبودية لم تندثر ، بل ظهرتْ في صورٍ وأشكال جديدة
شتّى ، وغيَّرتْ أثوابها وماكياج وجهها فقط .
وصورها
.
تطورتْ
تجارةُ الرقيق وانتقلتْ من يد عصابات النخَّاسين التقليدية التي
كانت تقود العبيد مكبلين بالأغلال في قوافل لتنقلهم إلى الأسياد ،
لتصيرَ تجارةً عالمية مُرخصة ومسكوتٌ عنها ، بحيث صار في الإمكان
أن يُصبح سكانُ بلدٍ بأسره رقيقا ، لنخّاسٍ واحدٍ أو أكثر ، أو
لدولة من دول النخاسين أو أكثر، وصار مواطنو كثير من الدول يعيشون
عبوديتين ، عبوديتهم لحاكمهم المُستَبِد ، وعبوديتهم ، هم وحاكمهم
إلى الأسياد ونخاسي الألفية الثالثة.
وأصبحت
خيارات العبودية تتراوح بين ، أن يبيع الفرد حريته لرب عمله ، في
وطنه ، أم في وطنٍ آخر ، والفرقٌ بينهما ، هو الثمنُ ليس إلا .
وصارتْ
بعضُ الدول تُبيح لمواطنيها أن يبيعوا أعضاءهم وأجسادهم ، فهناك
دول اعتبرت أجساد أبنائها قطع غيار قابلة للبيع ، فأصبح بيع
الكُلى وقرنيات العيون وأعضاء بشرية أخرى فيها للموسرين الأغنياء،
مصدرا للدخل الوطني ، وأسمتْ بعضُ الدول هذه النخاسة البشعة تجارة
(السياحة الطبية) .
وهناك
دول أخرى جعلتْ البغاءَ مخزونها الاستراتيجي، وركيزة دخلها القومي،
بحيث صارت الأسرً فيها تدفع أبناءها إلى ممارسة البغاء كتجارة
مربحة ، وكعملٍ إضافي يُساعد الأسرة ويُنعش دخلها المالي ، وأطلقت
على هذا النمط من العبودية (الترفيه
الجنسي).
ولجأت
بعض الدول إلى إسعادِ مواطنيها باقتناء رقيق الخدم والحشم، فمنحتهم
رخص الاستعباد ، وأعطتْهم الحقَّ ليشتروا بأموالهم عددا من العبيد
من دول تصدير العبيد، التي تعتبر مواطنيها زائدين عن الحاجة،
فظهرتْ تسمياتهم الجديدة مثل: السائقين والمربيات والممرضين
والممرضات والطبّاخين والطبّاخات ، والمدرسين والمدرسات ، وأطلقتْ
على هذا النوع من الرقيق (العمالة
الوافدة لإنعاش الأسرة).
ولعلّ
أبشعَ أنواع العبودية ، حين يستعبدُ المُستعبَدُ عبدا ، فإنه يكون
أكثر طغيانا وسطوة من نخاسي القرون الفائتة ، وينطبق ذلك على كثيرٍ
من حكامِ الدول النامية والصغيرة والحقيرة ، فحكام تلك الدول
المًستعبدون أصلا من رؤسائهم في الدول الكبرى ، يقومون بما هو أبشع
من الاستعباد والاسترقاق القديم ، فهم يفرضون على شعوبهم المُسترقة
الإتاوات ، ويُجبرونهم أن يلتزموا بمبادئهم وأفكارهم لا يحيدون
عنها ، ويهددونهم بالموت إذا خالفوا مبادئهم ، فتصبحُ الدولة كلها
صورة من صور الحاكم ، فيصير التعليم مرآة من مرايا السلطان ،
وتصبح الفنون والثقافة ، أغنية من أغانيه ،
وتصير الوزارات والدوائر
والمؤسسات فرقا للمخابرات في بلاط الحاكم
، وبمرور الوقت يستمريء عبيد تلك الأوطان هذا الاستعباد ، ويتغنون
به باعتباره حرية وعدلا ، وهذا هو الأقسى !
ولعلّ
أبشع أنماط العبوديات ، تلك التي تغضُّ فيها بعض الدول النظر عن
تجارة الأطفال سواء أكانت التجارة بدفعهم لسوق العمل ، بعد أن
يتسربوا من المدارس ، أو بالادعاء بأن أسرهم لا تتمكن من تربيتهم
،حتى أن بعض الدول غضتْ الطرف عن التغرير بالأطفال وضمهم إلى
الأحزاب، بعد أن نوَّمتهم تنويما مغناطيسيا ولقنتهم مبادئها منذ
نعومة أظفارهم ، فجرَّعتْهم التطرفَ والعنف ، وهم أطفال لم يصلوا
سن البلوغ حتى أن بعض الأحزاب في دول كثيرة درَّبتْ الأطفال على
السلاح ، وعلمتهم القتل قبل أن يبلغوا سن الرشد ، ونظمتهم في
ميليشياتها كجنودٍ يُنفذون الأوامر، كما يحدث في بعض الدول
الإفريقية .
وفي
بعض الأوطان ما زالتْ الأنثى تخضع لعبودية الذكور ، فيزوجون البنات
الصغار قبل أن يبلغن سن الزواج إلى عجوزٍ هرمٍٍ ميسور ليسددوا
ديونهم .
وإذا
أضفنا إلى صورة عبودية الأطفال ، ما تقوم به الدولُ المحتلة
كإسرائيل من استعباد بطرقٍ شتّى ، كأن
تعمد إلى تجنيد الشباب الفلسطينيين ليخدموا الاحتلال باستخدام أقذر
الوسائل ، وما تقوم به قوات الاحتلال
أيضا من سجن الأطفال الصغار، وتعذيبهم وقتلهم ، فإننا نكون
قد رسمنا صورة أخرى عن رقيق الأطفال في ألألفية الثالثة .
ولا
ينبغي أن نمرّ مرور الكرام على عبودية العصابات المنظمة التي
ترعاها دولٌ كثيرة في السرّ ، وتعلن البراءة منها في العلن ، فهناك
عصابات كبيرة اختصت بترويج كل أنواع الإدمان ، بدءا من إدمان
المخدرات والمنشطات والعقاقير والأدوية غير المشروعة، وانتهاء
بإدمان أنواع الطعام والشراب والكساء ، وفرضت كثيرٌ من الدول على
عصابات الرقيق الحديثة أن تدفع مبالغ من المال لجيوب الحكام ، أو
لخزينة الدولة لجعل نشاطها شرعيا ، وجعلتْ المالَ المدفوع بمثابة
صك براءة من أفعالها ، وأصبح تعبير (تبييض الأموال) أو غسلها من
عار الرِّق أمرا مستساغا ومشروعا ، ومعترفا به في كثيرٍ من دول
العالم .
ونشطتْ
أيضا عصاباتُ الرقيق في الألفية الثالثة في ممارسة أنشطتها في
تفريغ الدول الفقيرة والصغيرة من أبنائها المبدعين ، واختطافهم
كرقيقٍ ونقلهم بطرقٍ أبشع بكثير من طرق قوافل العبيد البائدة ،
فأصبحوا يحشرونهم في سفنٍ صغيرة وحقيرة ، ويكومونهم فوق بعضهم
كبضائع ، ثم ينقلونهم إلى بلاد الأسياد الموسرين ، وهناك من
يستعملون سيارات نقل البضائع لتهريب قطيعٍ من العبيد ، بعد أن
يحشروهم في أكوام البضائع ، فإذا قُدّر لهم أن يصلوا ، وما أندر
وصولهم سالمين ! تبدأ مسيرتهم كعبيدٍ جُدد في بلاد الأغنياء ،
يعيشون مُطاردين ، ويسيرون خائفين ، وينامون فى رعب وخوف ، وقد
يقضون سنواتٍ طويلة في السجون ، أو تُجبرهم بعض الدول على العودة
مرة أخرى إلى أوطانهم عبيدا وطنيين !
والحقيقة التي لا يعترف بها كثيرون حتى الآن تقول :
نحنُ أحرارٌ فقط في اختيار السيد الذي يستعبدنا !