بيت الأرواح
تأليف :ايزابيل
الليندي
ترجمة : رشا
المالح
ولدت
إيزابيل الليندي في 8 أغسطس عام 1942 في بيرو، ونظرا لعمل والدها كدبلوماسي
فقد أكملت دراستها في كل من بوليفيا ولبنان وتشيللي، كما عملت صحفية في
بداية حياتها وقدمت برنامجا تلفزيونيا أسبوعيا. بدأت حياتها المهنية في
الصحافة منذ سن السادسة عشرة، وكانت صحفية سيئة بسبب إعادة صياغتها
المقابلات التي كانت تجريها تبعا لما تحب أن تكون عليه وتنسب لمن التقت به
الآراء التي كانت تود أن يقولها وقد صرح لها بذلك الشاعر بابلو نيرودا
والذي نصحها بالاتجاه نحو الكتابة، كما قدمت برنامجا تلفزيونيا اسبوعيا على
مدى سنوات.
وحينما تم الإطاحة برئيس تشيلي
سيلفادور الليندي «ابن عمها» الذي كان يمثل النظام الاشتراكي وذلك بمساعدة
القوات الأميركية، اضطرت إلى الهرب بعد مضي عام ونصف فقط، واستقرت مع زوجها
وطفليها في فنزويلا.
وهناك في عام 1980 بدأت بكتابة
رسالة مطولة لجدها الذي كان يحتضر، كانت تحكي عن ذكريات العائلة من خلال
نسائها. وهكذا تحولت الرسالة التي بدأتها إلى رواية حققت لها شهرة كبيرة أكدت
مكانتها في عالم الأدب.
ومن طقوس إيزابيل في الكتابة،
أنها تبدأ العمل على كل رواية في الثامن من يناير بعد إجراء بعض طقوس التأمل
التي تشمل إشعال الشموع.
وتقول عن نفسها: «أنا امرأة
سياسية تكتب التاريخ الخفي للحب والجنس والعواطف من دون اهتمام بالأسباب
الاقتصادية التي خلقت أحداث التاريخ، فهناك آخرون درسوا هذا الجانب لمدة تزيد
على 15 عاما. أنا مهتمة بما يحدث للناس، لأمي وجدتي وقريباتي، والنساء في
الشارع والأطفال، وهذا ما لم يدون أبدا في نصوص الكتب الرسمية».
وتذكر بأنها خلال غربتها في
فنزويلا أضحت الذكريات على جانب كبير من الأهمية، واكتشفت بأن جذور الإنسان
ترتبط بداخله وليس بجغرافية الأرض. وقد بدأت رسالتها لجدها بقولها بأن الناس
يموتون فقط حينما تنساهم وهي لن تنساه مطلقا.
وقد أصدرت حتى الآن عددا من
الروايات منها «بيت الأرواح» و«من الحب والظلال» و«ابنة الحظ» و«صورة عتيقة»
و«إيفالونا» وجدير بالذكر بأن الروايتين الأوليين قد حولتا إلى فيلمين
سينمائيين حظيا بشهرة كبيرة.
وتحكي في روايتها «عن الحب
والظلال» عن استبداد حكم الدكتاتور بينوشيه وجرائمه، وذلك من خلال قصة حب شاب
صحفي ومصور في ذات الوقت، الذي يكتشف بصحبة صديقته الجثث المخفية للذين قتلوا
من قبل المخابرات.
استلهمت إيزابيل موضوع رواية «بيت
الأرواح» من تراث عائلتي والدتها ووالدها، ويغطي الكتاب ثلاثة أجيال، ابتداء من
عام 1955 وإلى الأشهر المليئة بالقمع في تشيلي التي تبعت الانقلاب العسكري.
وأجواء الرواية الأسطورية وبعض شخوصها الأثيرية تّذكر القارئ بأجواء أدب غارسيا
ماركيز وأدب أميركا اللاتينية عموما والمعتمد على ربطه بين الواقع والأسطورة.
والرواية مسكونة بشخصيات متميزة
تهيمن على الآخرين حتى بعد رحيلها عن العالم ويمر أبطال القصة بأحداث مثيرة،
تظهر كيفية زرع بذور العنف واللإنسانية في الماضي لتكون سحابة داكنة من الأسى
في الحاضر.
وتذكر فيما يتعلق بشخصها بعد
استقرارها في كاليفورنيا وصدور عفو عنها مما أتاح لها زيارة الوطن عدة مرات،
«أدركت أنني غريبة في تشيلي، رغم تحدثي ذات اللهجة ومعرفتي برموزها، من المؤلم
مواجهة نفسي بتلك الحقيقة، فأنا غريبة أيضا في الولايات المتحدة وسأبقى كذلك
دوما، غير أن جذوري وانتمائي الآن يرتبطان إلى حد كبير بموطني وهو الكتابة».
وتحكي رواية بيت الأرواح قصة حياة
عائلة ترويبا، على مدى ثلاثة أجيال، تصف خلالها عواطفهم وطموحاتهم وعلاقاتهم
الأسرية وبالآخرين، إلى جانب مراحل التاريخ التي شاركوا فيها، ذلك التاريخ الذي
تحول إلى قبضة في يد القدر تغلبت عليهم جميعا.
وتدور أحداث الرواية في بداية
القرن العشرين في إحدى بلدان جنوب أميركا اللاتينية، وابتداء من طفولة كلارا دي
فالي، التي ستصبح فيما بعد زوجة وأما وجدة لقبيلة. وهي شابة دافئة وحساسة تميزت
منذ طفولتها بقدرتها على قراءة الطالع وتحريك الأشياء من مكانها بواسطة عقلها
وأيضا التنبؤ بالمستقبل.
بعد وفاة أختها روزا المفاجئ لدى
تناولها بالخطأ سما دس في الطعام بقصد قتل الوالد الذي كانت له نشاطات سياسية،
اعتصمت كلارا بالصمت لمدة تسع سنوات، رفضت خلالها جميع محاولات العائلة
والأطباء لحثها على الكلام.
وحينما خرجت عن صمتها كان
لإعلانها بأنها ستتزوج قريبا من خطيب أختها المتوفاة استيبان ترويبا، وهو شخصية
عنيدة وعصبية ويتمتع بطبع حاد ومتقلب، حكم عليه كبرياؤه بالوحدة طيلة حياته.
عاد استيبان وهو في الخامسة
والثلاثين من عمره إلى بلدته خاوي الوفاض من أحلام العثور على الذهب، وذلك
لزيارة والدته التي كانت تحتضر وللبحث عن زوجة أيضا، بعدما أضناه حزنه على
خطيبته روزا ذات الجمال الآسر.
بدأ حياته العملية في المزرعة
المهملة التي هجرها والده لدى إدمانه القمار. وهناك نجح في تحدي الجميع وأعاد
للمزرعة ازدهارها وبنى منزلا كبيرا لزوجته كلارا، التي أحبها حتى اللحظة
الأخيرة من حياته وربما بسبب عدم قدرته على امتلاكها أو الهيمنة عليها.
وفي المنزل الجديد الذي سمي
«البيت الكبير في الزاوية» طلبت كلارا باستمرار إضافة ملحقات له، لاستيعاب
ضيوفها الذين كانت ترعاهم من فنانين وفقراء، حيث بات اهتمامها الأكبر في الحياة
بعد أولادها، في حين انحصرت اهتمامات زوجها بالسياسة ومن ثم أبنائه.
كانت الابنة بلانكا تتمتع بشخصية
مستقلة متمردة، أحبت في صباها أحد أبناء العاملين في مزرعة والدها، مما آثار
حنقه عليها ووشم علاقته بها التي اتسمت بالغضب والاحتقار حتى المرحلة الأخيرة
من حياته.
أما الولدان التوأم وهما جيمي
ونيكولاس فقد توجا خيبة والدها، إذ اتصف الأول بالوحدة والصمت والإيثار وأصبح
طبيبا يساعد الفقراء وتعساء الحظ، أما الثاني فقد كان فتى عابثا تحول اهتمامه
لاحقا إلى الديانات الشرقية وغادر الى الهند وعاش فيها مدة من الزمن، وعاد
زاهدا متصوفا ولم يكن هاجسه سوى نشر مبادئ تلك الديانات وجمع أتباع له.
ومع تدهور الأوضاع المعيشية وتغير
الأوضاع السياسية، بات الجد استيبان أكثر حقدا على الشيوعية، في حين أصبح ابنه
جيمي صديقا مقربا لقائد الاشتراكيين. ويتحول أفراد العائلة إلى ممثلين لتحاشي
الصدامات العائلية، مع تحالف جانبي بين بعض أفرادها وذلك بسرية تامة للحفاظ على
السلام الخارجي للعائلة، وفي ذات الوقت ضحايا لسلسلة من المآسي والأحداث
التراجيدية، مما يضفي على المنزل عمقا إنسانيا ووجدانيا.
وفي الجيل الثالث، تأخذ ألبا ابنة
بلانكا غير الشرعية من حبيبها الثوري والشاعر الذي يتمتع بصوت شجي، اهتمام كافة
أفراد العائلة الذين أملوا جميعهم عليها أسلوب حياتهم. ورغم حظهم الوفير
وقدراتهم الخارقة ومواهبهم المتألقة، وارتباطهم القوي ببعضهم، فإن سكان هذا
البيت الكبير الذي تجول فيه أرواح الخير، لم يتمكنوا من تحصين أنفسهم أو الصمود
قبالة قوى العالم الخارجي والاستبداد الوحشي الذي طال كافة أفراد الأسرة بلا
استثناء.
وتنتهي الرواية بوفاة الجد بين
ذراعي حفيدته ألبا، حينما يتجلى له في الأشهر الأخيرة من عمره فداحة ووحشية
النظام الذي كان يدعمه بماله وروحه والذي جعله يفقد ابنه جيمي ويبعد عنه ابنته
كلارا وابنه نيكولاس.
===============
رشا المالح
rmaleh57@hotmail.com