روايات خالدة
بلد الثلج
رواية :
ياسوناري كاواباتا

بقلم :رشا المالح*
يعتبر
الروائي ياسوناري كاواباتا أول أديب ياباني يفوز بجائزة نوبل للآداب عام
1968 ومعظم أعماله تبحث عن موقع ومكانة الرجل والمرأة في حضارة الإنسانية
وبطابع يغلب عليه الأسى، وتجمع أعماله ما بين جماليات اليابان القديمة
وحداثة الأدب في إطار الواقعية مع نفحة من السريالية.
كتب
كواباتا ما يزيد عن مئة أقصوصة التي كان يدعوها الكاتب لقصرها بحجم راحة اليد،
وهي عادة تتراوح ما بين صفحتين وثلاث صفحات، وتمثل روح فنه كما يقول مؤلفها.
ولد
هذا الأديب في أوساكا في كنف عائلة مثقفة. دخل عالم الوحدة في سن مبكرة حيث
توفي والداه وهو في الثالثة من عمره، وتوفيت جدته التي تولت رعايته مع أخته
حينما كان في السابعة.
وقد
حرمه اليتم من عيش مرحلة الطفولة العادية، ويرى بعض النقاد أن مأساة حياته
المبكرة قد شكلت خلفية أعماله المبنية على الفقدان والوحدة والأسى. وفي عام
1920 بدأ بدراسة الأدب في جامعة طوكيو إمبريال وتخرج بعد أربعة أعوام.
أسس
مع مجموعة من الكتاب الشبان مجلة «الأدب المعاصر» وكانت النقيض لمدرسة الكتابة
الواقعية المهيمنة في تلك الفترة على الأدب، مع الاهتمام بالأدب الأوروبي
المتميز.
حقق
نجاحه الأول في عام 1925 حينما نشر روايته القصيرة «راقصة إيزو»، ويتحدث فيها
عن تجربته الذاتية حينما شغف في شبابه براقصة لا يتجاوز عمرها الأربعة عشر
عاما، وتنتهي الرواية بالفراق.
كما
كتب عن الفتيات الصغيرات في عدد من رواياته مثل «الجميلات النائمات» عام 1961
و«بعد موت داندليون» وفي روايته «أساكوسا كوريندين» التي نشرت على حلقات في
إحدى الصحف عام 1930، بدأ يختبر أساليب جديدة مهدت للأدب الحديث.
وحينما تزوج عام 1931 استقر في المدينة العريقة كاماكورا شمال طوكيو، كما رفض
الاشتراك في الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1945 نشر إحدى أهم رواياته «صوت
الجبال» التي تستعرض وتحلل مجموعة من المصائب والمحن العائلية.
وفي
عام 1960 سافر إلى الولايات المتحدة وقام بجولة بين بلدانها وألقى محاضرات في
عدد من الجامعات. وعلى الصعيد الفكري والاجتماعي كان نشطا ومتحمسا حيث وقع مع
يوكيو ميشيما صديقه المقرب إلى جانب عدد من الكتابة عريضة تشجب الثورة الثقافية
في الصين.
في بداية أعماله اختبر تقنيات السريالية ليتحول مع مضي الزمن إلى الأسلوب
الانطباعي. ومن أعماله بعد الحرب العالمية الثانية روايته «بلد الثلج» التي
استغرقت كتابتها اثني عشر عاما لينشرها عام 1948 والتي اشتهر بها في الغرب.
وفي
عام 1972 انتحر كاواباتا بسبب حزنه على موت صديقه ميشيما الذي انتحر أيضا قبل
عامين من وفاة الأخير وبسبب تدهور حالته الصحية، علما بأنه انتقد فكرة الانتحار
خلال خطابه الذي ألقاه لدى تسلمه جائزة نوبل في كوبنهاغن.
وتتمحور
روايته «بلد الثلج» حول الوحدة، والحب المستحيل، ومأساة ضياع الجمال والحب خلال
التقدم في العمر، والحياة والعلاقات الإنسانية، إلى جانب أسلوبه الشعر الذي
تجاوز أسلوب الهايكو الياباني التقليدي.
تنتقل
هذه الرواية بالقارئ إلى المنطقة الجبلية المنعزلة غرب اليابان، حيث يعيش بطل
الرواية تجربة الانفصال عن الزمن لأشهر من خلال انهمار الثلوج في فصل الشتاء
الياباني.
ويقدم
كاواباتا في عمله مراحل تطور العلاقة بين شيمامورا الثري المحب للفنون العاطل
عن العمل والهارب من طوكيو وحياته الزوجية إلى قرية في بلد الثلج حيث يتعرف
خلال زيارته على ابنة معلم الرقص .
وهي
فتاة جميلة في عمر الزهور، يطلب منها والدها تسلية الضيف بالغناء والرقص بدلا
من الجيشا التي أصيبت بوعكة صحية. في البداية يرتكز محور الرواية على العلاقة
بينهما.
ومع
حلول الشتاء يغادر شيمامورا إلى طوكيو ليعود مجددا مع الربيع القادم. وهكذا
يستخدم المؤلف تبدل الفصول ليعكس التغيرات التي تطرأ على العلاقة.
تبدأ
المعرفة بينهما في فصل الربيع حيث تتفتح الحياة معلنة بداية جديدة في بلد
الثلج، لتأخذ صفة الصداقة حيث يرى شيمامورا في كوماكو الطفلة الشابة، بداية
جديدة للحياة ويشعر بأن من واجبه حمايتها في حين تسلم الفتاة جميع عواطفها لهذا
الرجل. ومع قدوم الخريف وتساقط أوراق الشجر، تبدأ مرحلة التباعد بينهما.
ومع
حلول الشتاء وهيمنة الثلوج تنسحب البرودة إلى قلب شيمامورا، ليستحوذ عليه
الاهتمام بيوكو الخادمة الجميلة التي تعمل في الخان الذي يسكن فيه والتي تتميز
بصوتها العذب وصفاء عينيها.
في
الزيارة الثانية له تكون كوماكو قد تحولت من طفلة إلى امرأة لتصبح جيشا
(ومعناها بالعربية محظية). وحينما تسأله: لم أتيت؟
يجيبها:
كي أراك. فترد عليه: أنت لا تعني ذلك أنا لا أحب سكان طوكيو لأنهم يكذبون دوما.
وهكذا بدت المرأة أكثر قوة واستقلالية في مشاعرها عما كانت عليه. مما يجعل حبه
لها يبدأ بالفتور.
ومع
حلول فصل الشتاء يصف كواباتا انتقال برودة وظلمة هذا الفصل إلى قلب شيمامورا،
ليتلاشى ما تبقى من مشاعر الحب التي كانت تجمع بينهما، لتصبح رؤية أحدهما للآخر
واقعية بحتة، فهو رجل مدينة وهي جيشا من الريف.
وأسوة
بالزيارتين السابقتين يبدأ في الشتاء بالتحول في علاقته العاطفية نحو الخادمة
التي يزداد حبه وتعلقه بها، والتي يرى فيها رمزا لبرودة العزلة التي تأتي إلى
بلدة الثلج.
تلك البرودة التي قتلت بذرة نبتة الربيع وبذا يفقد البطل أية مشاعر عاطفية
اتجاه الطفلة التي شهد نموها، أما كوماكو فقد فقدت مرحها وبراءة الطفولة التي
جذبته إليها فيما مضى.
وتنتهي
الرواية والعلاقة بين شيمامورا وكوماكو ليفقدا أي نوع من التواصل وبالتحديد بعد
موت يوكو التراجيدي خلال حريق يصيب الكوخ الذي تسكنه حيث بعد استغاثتها من
نافذة في الدور الثاني تدفعها النيران لرمي نفسها وتفارق الحياة.
وجدير
بالذكر أن هذه القصة قد قدمت كفيلم سينمائي في اليابان عام 1957 وحققت نجاحا
كبيرا، وما أثار دهشة النقاد هو الإقبال الكبير من الشابات في مقتبل العمر
لمشاهدة الفيلم.
وعلى
الرغم من أن هذا العمل يعتبر رواية قصيرة إلا أن أهميته تمثلت في تعدد مستويات
المعاني والرموز، مع الاختزال في السرد والتعبير والوصف.
===============
رشا المالح
rmaleh57@hotmail.com