
قصة بقلم:
نسرين طرابلسي*
nasrine-tr@hotmail.com
www.nasrine.info
(1)
كلما
كتب الملعون قصيدة جيدة، تصدعت في داخلي الكلمات وانهارت الحروف. كجرفٍ
يأتي، تحركه هزة باطنية فيعيد تشكيل وجه الأرض.
تقترب القارات من بعضها، يتكلس وجه البحر في أصقاع بعيدة ويبتلع المد
أصقاعا أخرى. له خارطة خاصة لأطلس العالم، يعلقها على جدار مكتبه، يشطب
مدنا ويوسع حدود الأوطان. لا يتحرك من مكانه إلا ليملأ كوب الشاي الفارغ
ويُسقط فيه وريقات النعناع. وينكب على الكومبيوتر،
كأخطبوط بثمانية أذرع. يحادث أربعة أشخاص في وقت واحد ويتصفح كل
المواقع الالكترونية ليعرف ما الذي يكتبه الآخرون، ويترك ملفا فارغا ليسجل
جملاً تومض في مخيلته المزدحمة بالأفكار والصور وحين يثمل بالقصيدة وتترنح
في رأسه المفردات، يهيء لنفسه مخرجا فيتذرع
بإشارة مشغول ويتفرغ للكتابة.
كدودة بدينة يحفر في تربة الأفكار، وله خمسة قلوب ليحبّ ما يأتي على هيئة
نص فريد، ويلتهم ما يعترضه من أوراق. في محادثتنا الأولى، بدا متعجرفاً
عاجياً كبرج منذور لحراسة أفعوان ملتف حول صندوق الكنز.
ومع الأيام تكشفت عيوبه الجميلة، وطغى حضوره
على غموض المسافة، فتركته وحده يرتع بهيئة خضراء في قائمة المحظورين، نتحدث
بأصابعنا حتى يجف ريقها فننتظر ندى الصباح ليبللنا بعد ليل طويل.
كاد الأمر يتحول إدماناً، وخفت من تبعيتي. أردت
أن أتخلص من سطوته، دون أن أعلم أنه يقاوم اعتيادي...
وتعاهدنا ألا يحظرَ أحدنا الآخر.
(2)
ربيب
المنتديات. لم أغفل عن سخريته الفاقعة عندما أطلق عليّ هذا اللقب. تقبلته
برحابة، فبين الشباب لا مكان للكلفة والحساسية، والتحليلات السوداء استنادا
لنظرية المؤامرة. فأن يطلق علي لقبا ساخراً
وأتقبله بفكاهة يعني أن الجليد لن يتراكم بيننا ثانية.
لكنني أحجمت عن إطلاعه على عناوين المنتديات التي أدخلها، وبالتأكيد
أخفيت مجموعتي الفريدة من أسمائي المستعارة. فما
الذي سيفيدني إن أخبرته أنني أنا فارس الأحلام في منتدى شهد الليل، وسيف
القوافي في منتدى إلهام، والواثق في مرآة الثقافة، والزير سالم في منتديات
الشاب الوسيم؟
فليعرف بأنني أيهم عوّاد، أهتم بالثقافة وكفى.
فشيء جيد أن تعرف عن الآخر أكثر مما يعرف عنك.
"تأخذ منه ولا تعطيه". وهذا مشروعٌ، خاصة مع
النوع الذي يعطي دون حرص. يدخل منتديات محددة باسمه الصريح، ينشر، ينقد،
يحاور، ويدلي بدلائه الكثيرة في كلّ جبّ.
عندما صرتُ أتبعه أينما حلّ، أسجل نفسي باسم جديد وأكيل له المدائح، أدركت
بأني أصبحت مهووساً به ولا مجال للعودة إلى
الوراء.
(3)
عالم
الواقع فشل منذ الفضول الأول أن يجد على أرضه بقعةً فاضلة، فكيف يحدث ذلك
في العالم الافتراضي ويد الإنسان تعبث فيه؟
فليشنّ
حرباً على لصّ القصائد، في مدينتي لا يُعترف
بالانترنت كموثق للمنشورات، ولا يشكك قارئ بمصداقية صفحة في أشهر دورية
شعرية.
أولا
فكرت في الاختفاء، لكنه لم يفاتحني بالموضوع على مر الشهور، وبدا أن
المطبوعة الشهيرة لا تصل إلى قريته النائية.
شيء
واحد كاد يُفسد مخططي، أحد المتحمسين الأغبياء كتب عن إبداعي الشعري مقالة
نقدية في منتدى الفكر الثاقب، حيث يعتبر صديقي أحد الأعضاء النشطين.
والمصيبة أنه ضمّنها مقاطع من قصائدي.
كان
كلامه أثناء حوارنا يتساقط، يتعاقب، يهرول،
يلهث، يكاد يتوقف ثم ينبض ثانية من أثر الصدمة. تماسكت
وأكدت له في اليوم الأول أنني لا أعرف من هو وضّاح المسفر، حلّفني: ألم تعش
معي لحظات القصيدة كلمة كلمة؟ ألم أعرض عليك كل
ما أدخلته عليها من تعديل؟
ابتعدت أسبوعا ثم التقيته مؤكداً: "يبدو أن
غريمك شاعر مشهور ولن يصدقك أحد". طالَبَني بدواوينه.
بعد شهر من الصراعات الالكترونية، ناداني مدير التحرير في مجلتنا: "عليك
الرد بحزمٍ على الافتراءات"، وأضاف بنبرة تليق برجال الأعمال: "المجلة
ستدعمك".
كان
كافياً أن أعرض مخطوطات المراحل المختلفة لقصائدي بخط اليد مؤكداً بخجل
أنني لم أدخل بعد عصر الانترنت.
وبقي صديقي ممتناً أنني لم أتخل عنه في محنته.
واعداً أن ألا يُطلع أحداً غيري على قصائده
الجديدة حالفاً أبداً مقاطعة النشر الالكتروني. لاعناً
لصوص المنتديات.
*نسرين طرابلسي
- قاصة سورية / دمشق