مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 بقايا الثلث

 قصة بقلم : وائل أحمد الحوراني

 أدبيات

         ما أطول هذا النهار ، قالها متذمرا وهو يرتشف آخر قطرة قهوة من قعر الفنجان ويأخذ نفسا عميقا من سيجارته التي شعر بحرارتها تحرق أصابعه النحيلة وعيونه معلقة لمدخل المكتب منتظرا وصول المحاسب ، ألقى عقب سيجارته داخل فنجان القهوة وتناول أحد الملفات المكدسة أمامه وبدأ بتدقيقها دون انتباه ، تفكيره مشتت ما بين حسابات الدائرة وحساباته الشخصية ، ألقى بالملف جانبا وتناول ورقة بيضاء وراح يوزع راتبه ما بين البقالة وإيجار المنزل وطلباته ، جل تفكيره منصب على الشيك الذي حرره لصاحب البيت واستحق الدفع هذا اليوم , انفرجت أساريره بدخول المحاسب وحقيبته ، أين أنت يا رجل ؟ لم كل هذا التأخير ؟ الصبر يا أبو خليل الساعة لم تتجاوز الثانية عشرة بعد ، ما بك يا رجل الصبر
أحصى الأوراق النقدية عدة مرات رغم أنها ثلاث ورقات فقط ،" خمسين ، مية ، مية وخمسين " وقع هنا بسرعة ، أمامي عدة مكاتب أطرقها ...
عرج في طريق عودته لدكان أبو العبد متسائلا عن حسابه ، قلب الرجل دفتره وهو يشكو الناس وأنهم ما عادوا كسابق عهدهم والأدهى أنهم يختفون في نهاية الشهر ، ثلاثون دينار ، أخرج ورقة نقدية ودفعها تجاهه ساهما ، أعاد إليه الباقي وهو يردد: "الله يخلف عليك يا بو خليل يا ريت كل الناس مثلك ".
قابلته زوجته بعاصفة طلبات ، اكتبيها على ورقة وسأحضرها مساء اليوم عند عودتي ، دعيني أنام الآن قليلا ،" والغدا يا بو خليل" ؟؟ لا بأس عندما استيقظ ، أغمض عينيه ليستيقظ تفكيره وحساباته التي لا تنتهي في مثل هذا اليوم من كل شهر ولم يشعر الا ويد زوجته تهزه بعنف وصوتها يجلجل في أرجاء المنزل : " الساعة ستة قوم تناول لقمتين يا زلمة انت من الصبح علحم بطنك "
أين البصل ؟؟ مليون مرة قلت لك العدس بدون بصل لا يؤكل ، نظر لأبنائه وتذمرهم قائلا " احمدوا ربكم غيركم مش ملاقي اللقمة " الحمد لله اللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال .
أين الورقة التي سجلت بها طلباتك ؟" والله نسيت شوية ما بتلبس الا وبتكون جاهزة "، خرج من باب منزله قاصدا صاحب البيت الذي ينتظره لامتصاص ثلث الراتب وسيحاول تأجيل إيجار هذا الشهر، الأهم الشيك الآن إن تأخرت للغد سيقدمه للشرطة فأبو مخلوف معروف بجشعه وقلبه لا يعرف الرحمة ، هذا إن كان عنده قلب أصلا ، أفكاره التي لم تنقطع تطرق بوابات القلق مع قبضته التي تهوي على الباب الخشبي ليأتيه صوت أبو مخلوف الأجش ليشعل مخاوفه التي لا تنتهي كلما وقف أمام هذا الباب
الحمد لله أخيرا الشيك في جيبي ، جاءت جملته مع ارتفاع يده تلقائيا لجيب قميصه العلوي ، تناول الشيك وبدأ في تقطيعه وهو يتجول في أنحاء السوق وكلما وجد صندوق قمامة كان يلقي بجزء من الشيك في جوفه ، توقف أمام بائع الخضار وتناول الورقة التي كتبتها زوجته ، طماطم ، خيار ، كوسة ، زهرة ،باذنجان ،"هلا هلا تفاح انجنت المرة" ، يا الله كم هي مبذرة ألا تعلم بأن هذه الأشياء مرهقة بالنسبة لنا لكن لا بأس الطماطم ضرورية ولا داعي لبقية الأغراض ، غدا بإذن الله سأسدد فاتورة الكهرباء وسيتبقى معي ثلث الراتب ، "الحمد لله مستورة والي برضى بعيش ".
ألقى بجسده المنهك على أرض الغرفة ، نظر حوله ، مد يده إلى جيب قميصه ، أفرغ ما فيه أمامه ، جحظت عيناه ، اندفع الدم بقوة إلي رأسه عندما وجد الشيك ملقى أمامه وحفنة دنانير .