|

قصة قصيرة

مصطفى مراد
زعقَ
الأولاد في الباص..
لوى الرجل الستينيّ رقبته. شتمهم بصوت خفيض: يلعن أبو هيك جيل.
كانوا يحتلّون القسم الخلفيّ من الباص.
أحببتهم.
كانوا يغنّون. يصرخون. يتقافزون.
روى أحدهم نكتة بصوت عال سمعتها وسمعها السائق الذي كان أمامي مباشرة.
نظر سائق الباص إليهم في المرآة ولم يفعل شيئا. كان معتادا على مثل هذه
التصرّفات منهم.
طويت الجريدة وأغلقتها حين بدأ الرجل الستينيّ الجالس بجانبي يحدّثني عن مدارس
أيام زمان. ليس من اللائق أن تتركه يحدّث الهواء. يجب أن تجامله وتتبادل معه
الحديث. ولا يصحّ أن تظلّ تقرأ ما دام يريد أن يتحدث. مع أنني كنت أقرأ مقالا
هاما وسخيفا.
قال الستيني: الله يرحم أيام زمان.
لم أقل له "معروف زماننا هذا ومنكر زمان مضى". كيف سيفهم ذلك هذا الحمار الذي
كنت موقنا أنه يتحدّث ليجعلك تظنّ أنه يفهم، أو ليجعلك تصدّق أنه يهتم بالأخلاق
العامة!
حكى. وتابعت صمتي.
أخذ يقصّ عليّ قصة سمعتها من ألف واحد قبله.
قال: مرة، على أيامنا نحن، كنا ذات يوم نلعب. وحين لمحنا الأستاذ قادما من بعيد..
هربنا. لم يبق واحد منا في الشارع. شوف اليوم!
سمعت هذه القصة كثيرا. لم يبق واحد من كل أولئك الذين أعرفهم ممن كانوا أولادا
قبل أربعين أو خمسين عاما، إلاّ وحدّثني بمثل هذه القصة، وكيف أنه هرب حين لمح
الأستاذ من بعيد.
لم أعلّق. وتظاهرت بتصديقه طبعا. لسببين: أولا، عيب أن تقول للكبير أنه كذّاب،
حتى لو كنت موقنا أنه كذلك، وثانيا لأنّ فوج الأساتذة الذي علّم جيلي كان قريبا
جدا من طباع وسلوكيات ذلك الأستاذ "القبضاي" الذي يخافه الأولاد ويهربون منه.
ـ ليش انهزمت؟
سألته. قررت ان أخرج عن صمتي وقرفي.
نظرت الى وجهه.
لم يجب. ظلّ يتحدّث عن احترام الكبار، والشياطين الصغار الذين لا يحترمون أحدا.
ـ ليش انهزمت؟! سألته مرة اخرى.
نظر إليّ بعينين معاتبتين، كأنه يقول كيف تسأل هذا السؤال.
ـ أنا عارف يا أستاذ!
ـ أنا مش أستاذ.
ـ إسّا فهمت.
ـ انهزمت لإنّك كنت تخاف من الأستاذ؟
ـ لإنّي كنت أحتِرْمو، قال بحدّة.
ـ إذا كنت بتحترمو ليش تنهزم؟!
نظر إلى الأولاد، ثم غزّ عينيه في عينيّ وسأل:
ـ الظاهر إنّك مبسوط منهم.. مكيِّف عليهن؟
نظرت للشياطين الصغار.
ما أجملهم.
كنت متأكّدا أنهم لا يخجلون من الحمار، حتى لو كان كبيرا في السن.
كانوا ما يزالون يصرخون، ويغنّون، ويتنقّلون من مقعد لآخر.
لم أكن مثلهم. كنت أتمنّى لو كنت مثلهم. ولكنّ الجيل الذي علّمنا كان أغلبه من
القبضايات والزعران.
فكّرت: هل أقول له، "معروف زماننا"؟!...
وكيف يمكن أن يفهم ذلك هذا الحمار؟!
ـ آه.. مكيِّف. قلت، بعد أن انتظر طويلا.
فقع.
ـ لا حول ولا قوة إلاّ بالله. وعاجبك هذا الجيل؟
ـ معلوم عاجبني.. مش كُنِتْ زيّهِن؟!
ـ لا حول ولا قوّة إلا بالله.
رددها، وبقيت صامتا أرسم ابتسامة مهذّبة على وجهي.
ظلّت عيناه تنظران مباشرة في عينيّ تلك النظرة الغريبة، المستهجنة، الحادة، ثم
تدلّت من عينيه نظرة وقحة.
ـ إنتِ كنت زيّهن؟!
سأل باستغراب مصطنع. وكان الباص يقترب للمحطة التي سأنزل فيها.
وقف الباص بالمحطة.
نهضت.
ـ نعم.. وإنتِ كمان كنت زيّهن.
قلت وأنا أتوجّه نحو درجات الباص.
هبطت الدرجات بسرعة.
كنت أهرب قبل أن يلحق بي ويضربني.
---------------------------------------------
من مجموعة "محمد وأبو محمد وشهاب الدين" |