|

حوار
بقلم /
صالح أحمد
المرايا
تنهد
البراء بن تقي الدين من أعماق قلبه، واقتعد الأرض تحت أشعة الشمس المحرقة.
الجهد والإعياء يرتسم على وجهه... عرقه يتصبب... وشفاهه بدأت تجف وتتشقق...
ورأسه يغلي تحت وطأة الحر المتصاعد... تتحدر الدموع من عينيه بصمت... وتجف قبل
أن تستقر فوق وجنتيه...
كل شيء حارق... جاف... يابس... حتى الكلمات أحسها يبست في حلقه !
الصمت... آه... هتف البراء في أعماق وجدانه: ليتني أملك القدرة على الصمت !!
ساعة من الصمت الحقيقي... ساعة لا تضج بها نفسي... ساعة أرتحل فيها عن ضجيج
الكون... أستقيل من كل ما فيه!! ساعة أملكها ولا تملكني !!
حينها فقط سأشعر أنني بريء... أو...أتصورني بريئا!! وعندها يمكن لي أن أتجرأ
على التخيّل بأنني لا أشارك أحدا في جريمة وجوده كمجرد صوت دس في الأصوات !!!
هكذا فقط أستطيع أن أصرح لنفسي... فقط لنفسي... قائلا: لا شأن لي... لا ذنب
لي... لا يعنيني... وليذهب العالم بضجيجه المفتعل... والمُفَعَّل أنينا وبكاءا
وتخبطا وتشنجا... وأنا أتقنَّع خلف صمتي...!! و... آه ...!
بالأمس... فقط بالأمس! ... مددت يدي.. كنت أحمل قبسا... أجد عليه هدى... ومن
حولي يحيط بي أحبتي... والقبس يقوى... والنور يتعاظم... يتماوج.. يتداخل...
يتمازج... دوائر تتسع وتتسع... بحور من النّور لا يغشاها موج... حد بلا حدود...
ذراع يشد ذراعا... ركب يرفد ركبا... صوت يعلو بصوت... ونمضي... النور في
أكفنا... القبس من قلوبنا... ملء كياننا .. ونمضي...
آه يا لحظة الصمت... يا عربدة السكينة... يا أتون الخلود...
بجهد حرك لسانه داخل فراغ فمه... لتجحظ عيناه وسط الجفاف القاتل... سراب غبار
جفاف و....!!
تلوح له في الأفق تلك القباب البيضاء الشامخة... يااااه ... في الأمس.. فقط في
الأمس؛ كنا يدا تبني... وكم من يد صارت أياد... تبني وتبني... وحين تنغمس اليد
بناءا يغيب الزمان... يذوب في اليد المشتعلة بناءا...
صاعدا إلى الحياة لتوي كنت... أشير إلى البناء بيد... وقبس...!
- نريده أكبر... أعلى... أعظم !
- على مهلك... إنما يرفع البناء لبنة لبنة.
- أتخشون العمل الشاق الدؤوب.
- العمل هو العمل... المهم هو النية والعزم.
- العزم والنية روح ... والعمل جوهر...
- اننا نعمل.. لبنة فوق لبنة... لون بعد لون... وتقصر المسافة ..
- المسافات وهم... والألوان سراب...
- المسافات حدودنا... والألوان وجوهنا..
- بل هي الأقنعة... وتحتها الجمود والحذر... فلنفتح الأبواب ... ولنهدم الحواجز
...
- لكننا لا نزال نبني البيت! بيتنا الواحد الموحد .
- الموحّد نعم ... أما الواحد ...فلا !
- كيف؟
- نخرج للحياة... نأخذها تأخذنا... نصبح بيوتا...
- لا يرتاح الانسان الا في بيته... وبين أهله.
- قول قديم...
- لا عيب في القديم ...
- نعم... لا عيب في القديم... العيب في الجمود..
- ومن ترى يؤيد الجمود...؟!!
- إذن ... نخرج للحياة... نضمها تضمنا... ونكسر الحدود.
- نكمل البناء أولا ...
- تخنقنا الحدود... واللون والمسافة...
- يضمنا بيتنا بسقفه وركنه...
- في الظل سوف نبقى... نعيش في حصار!
- الله معنا يا أخي...
- الله لا يساعد المتقوقعين...
- ولكننا نعمل... لسنا مقصرين!
- بل نحصر نفوسنا... في الظل والفراغ.
- بل نلزم حدودنا... لنكمل البناء...
- لن يكمل البناء من يختفي وراءه... انظروا... في الأمس سقطت لبنه... وقبل أمس
أختها... الدهر يا أحبتي ودوائر الأيام... أبدا لن تهملنا!!
- سقوط لبنة ... لا يطفئ الأمل...
- لكنه يا أخوتي يؤخر المسيرة!
- لا بأس في التأخير... الزمن أمامنا... كلما سقط حجر... نسرع لبنائه... لن
نيأس...
- أظنكم لن تفهموا... وداعا... وداعا أيها البيت... يا جدرانا لن تبلغ لحظة
الاكتمال الرائعة... كنت حلما رسمته... حقيقة أردتها... قبابا تشمخ... تشمخ
تشمخ... فوق الحدود... تحمل صوتي نحو الأفق ...
وداعا... لا خير في بناء يموت فيه صوتنا ... |