


قراءة
بقلم : نزار ب. الزين
(
أم رحال )
من سكان الحمة إضطرت مع أسرتها إلى النزوح خلال هزيمة حزيران ؛ و الحمة هي قرية
سياحية قامت حول ينابيع معدنية حارة في الوادي الفاصل بين الجولان السورية
وتلال إربد الأردنية ، و يمر منها قطار دمشق حيفا ، و فيها تقوم المحطة قبل
الأخيرة قبل محطة سمخ المحتلة ؛ و في هذا الوادي نفسه ، دارت معركة اليرموك –
فهي أيضان على نهر اليرموك – و هي المعركة التي إنتصر فيها العرب إنتصارا
رئيسيا ، إعتبره المؤرخون تحولا هاما في مجرى التاريخ لصاح القبائل العربية
إبّان فجر الإسلام .
أما اليوم ، و بعد أربعة عشر قرنا فإن أم رحال تمثل قوافل النزوح التي
إبتدأت في النصف الثاني لأربعينيات القرن العشرين ، و لمّا تنتهِ ، في عملية
للإنحسار بلغت ذروتها في حزيران عام 1967
*****
تجد النازحة أم رحال نفسها على حين غرَّة وحيدة في مواجهة مسؤولية جسيمة
، فالزوج أُبلغت بإستشهاده في إحدى العمليات الفدائية ، بعد قيل من النزوح .
ثلاثة أفواه من حولها تطلب الأمان من سغب لثلاثة أجساد ترجو إتقاء العراء ، و
لات من معين غير ذراعيها اللتان أجرتهما لأحد معامل تعليب الخضار و الفواكه ،
في إحدى ضواحي دمشق ؛ لتعيش و فلزات أكبادها على الكفاف من أجرها الضئيل .
ترى هل كانت معاناتها من خلال توفير الإحتياجات الضرورية لأفراد أسرتها و حسب ؟
الفقرة التالية تجيب على السؤال :
<< في ساحة الشهداء ( المرجة ) قرب الفندق الكبير نزلت ، نزلت كانت العربات
المحملة ترتص هنا و هناك :
- ماذا سافعل بقية الأسبوع ، إذا اشتريت بضعة كيلات من الفواكه ؟
تساءلت أم رحال سرا ، و رغم الثورة العنيفة الدائرة في داخلها ، كان
يبدو عليها الهدوء التام ، إتجهت إلى بائع الموز و إشترت ( كيلو ) واحد ؛ عبرت
( المرجة ) و صعدت إلى شارع النصر ، تراقصت أمامها كلمات الجرائد كأصابع مبتورة
:
·
الشعب العربي لن يستسلم !
·
إسرائيل لن تنسحب إلا بالقوة
- آه ... متى ؟
صاح داخلها ، و كأنها تقدمت بالعمر بضع سنوات في لحظات !
·
قوات الطوارئ
- إنني أفكر كثيرا بهذه اللعبة .... إننا نلعب لعبة لا حدود لها ؛ لا حمل و لا
ولادة و لا مخاض !... >>
لا حمل ...لا ولادة ...لا مخاض ... لا حرب ...لا سلام ، ضربات في أعقاب ضربات ،
تجابه بكلام يتبعه كلام ...لا عودة ...لا إستقرار ..و حجرا الرحى يطحنان ..
يعصران ... يرهقان .
صداع يذهب و صداع يعود ئن و بين الصداعين دماغ مثقلة بالمتاعب و الذكريات و
الحنين إلى الينابيع .
فالمقطع السابق يمكن إعتباره محور الرواية ؛ و إن شئنا الدقة أكثر ، فهما
محوران متوازيان ، متجاوران و متزامنان ، يكشق الأول منهما المهاناة ، و يستقطب
الآخر مشاعر الحنين .
*****
يتسلل جمال جنيد لبلوغ غرضيه ، فهو لا يسلط أضواءه عليهما بل يوحي بهما ،
إيحاءات من خلال تداعيات قصيرة تنبثق عبر وصف دقيق مفصل للحياة اليومية لأسرة
نازحة ، تعيلها إمرأة كادحة مكافحة .
ففي المقطع السابق مثلا ، لم يحدثنا ( الأستاذ جمال ) عن إرهاق أمر رحال
في عملها اليومي الشاق ، حيث تقوم بتقشير التفاح و فصل حبات البازلاء أو
الفاصولياء ، طيلة ثمانية ساعات يوميا ، تحت إشراف مراقب دأب على ملاحقتها ؛
إنما إكتفى بالإشارة إلى خشونة يديها :
<< كانت يداها تحتك بنسيج ثوبها ، فتنفلت من النسيج الدقيق بصعوبة و كأنها
منشّاة :
تبا لقسم الإستلام و التحضير ، لقد جعل يدي كعجوز طاعنة في السن . >>
فبجمل قصيرة كهذه ، نثرها هنا و هناك فوق حقل الرواية ، أكمل لوحة المعاناة ؛ و
كذلك فإن بعض تلك الصور لم تخلُ من السخرية المبطنة ، كالهزء من ردود الفعل
السخيفة التي إعتدنا أن نجابه بها كوارثنا القومية :
<< الشعب العربي لن يستسلم ، إسرائيل لن تنسحب إلا بالقوة ... قوات الطوارئ
...
إننا نلعب لعبة لا حدود لها ؛ لا حمل و لا ولادة و لا مخاض !.>>
و هي العناوين المتكررة في الصفحات في الصفحات الأولى للجرائد العربية اليومية
، لفتت نظر أم رحال أثناء وقفة قصيرة أمام بائع للصحف في أول طلعة شارع
رامي ، فعلقت عليها في سرها " آه متى ؟! " عند الحديث عن الإنسحاب ، و
" إلى متى هذه اللعبة ؟! " عند الحديث عن قوات الطوارئ .
المؤلف ، لم يتحدث عن النخوة المجمدة في ثلاجات العجزة ، و لا عن الخجل المفقود
، و لا عن السأم المموه بإفتعال قضايا جانبية ، إنما اشار إلى عناوين تزين
الصحف بالخط العريض لم تتغير منذ مهزلة جيش الإنقاذ و حتى تشرين المجهض بعد
أحلام ( الرائد و القاهر و الظافر ) و بعد مقبرة الوحدة و مجزرة أيلول الأسود و
حتى الإنتفاضات المقمعة ... إشارات خفيفة تثير عشرات التداعيات المختتمة دوما
بالقهر .
إذاًٍ ، هو يوحي بالفكرة و يترك إستكناه أبعادها لذكاء القارئ .
*****
و يلاحظ أيضا تمكن الكاتب من أمرين :
أولهما ثقافته الإنسانية المتقدمة في المجالات النفسية و الإجتماعية ، حيث يغور
بنجاح في أعماق النفس البشرية ، فيصف المشاعر و الإنفعالات من قلق و رغبة مع
الإستمرار بلعبة التداعي التي مارسها من ألف الرواية و حتى يائها ؛ و كذلك لم
يغفل الروافد الإجتماعية التي تصب برقة في المجرى الروائي ، فتعزز دفقه دونما
إضطراب ، فيمس مسا خفيفا مشكلات إستغلال النفوذ ، القوة النقابية ، الأقنعة
الإجتماعية ، إستمرار تأثير الغيبيات ، تمنع بعض الفتيات عن زواج الفدائيين أو
العسكريين بشكل عام ، مشكلات الجنود الأخلاقية ، إنخفاض مستوى الأجور .
و في الفصل الخاص بأبي رحال نلاحظ قمة التحليل النفسي الإجتماعي :
<< ينتدب أبو رحال و شقيقه مع آخرين إلى عملية فدائية ، يقتل فيها شقيقه ، أما
هو فيصاب إصابة بالغة أبقته عدة أشهر في أحد مستشفيات مدينة إربد ؛ يلتبس
الأمر على القيادة فتعلن إستشهاده .
يعود إلى دمشق بعد أن تماثل للشفاء و قرب بيته يجد صورة معلقة و تحتها عبارة
" الشهيد ابو رحال " ؛ يضطرب ، يتراجع ، يبتعد ، فقد خشي إفتقاد المجد ؛ و
يظل مبتعدا مع صراعاته حتى آخر الرواية . >>
<< يمكنه الآن أن يرى إلى أي حد بلغ به السفه ، لقد صنع مجد الشهادة على أكتاف
أخيه عبد الله ، فانزوى متخفيا في أزقة دمشق ، يعيش حياة حن إليها منذ زمن ،
حياة بعيدة عن مسؤولية العمل و البيت .
و لكن إلى متى . إنه ثمن بخس أن يعتاد على سلخ جلده بينما أطفاله – الذين كان
يلمحهم عن بعد دون أن يروه - تخنقهم الفاقة و الحرمان .
ثلاث سنوات مليئة بالشوك ، بالسديم ، بلا فصول .>>
أما الأمر الثاني فهو تمكنه اللغوي : (( ثراء المفردات ، تخير الألفاظ ، تنويع
الجمل بين خبر و إنشاء ، العناية بالتفصيلات الصغيرة ، دقة التصوير و تلوينه ،
و العناية بابعاده الأربعة ؛ مع بعض النفحات الشاعرية . )):
<< يرف فوق رأسها عصفور تائه ، تمسكه ، ترى عينيه الملتمعتين في الليل ، ثم
ترفع يدها و تطوح به بهدوء ، تسمع رفيف جناحيه ، يذهب بعيدا ؛ تحس بغصة .. ذهب
و لن تراه .. لن تراه أبدا ؛ ذلك هو الوداع .>>
<< و تسير .. ذلك الحقل يبدو لعينيها و كأنها عرس للورد ، سبائك من عطر ، عن
بعد كبير كبير تخل أنفها ، و أضاميم من ألوان كثيرة تشع في الليل ، اللون
الأرجواني قاتم في الليل ، إنها ترى بصورة مريحة و واضحة اللون الأبيض ، تقترب
و تقترب ؛ إنها الحقيقة .>>
كما يلاحظ في أسلوب التصوير الطابع (الإيكولوجي) أي المقطع العمودي للطبيعة و
الحياة ، الشمس ، القمر ، الغروب ، الطير ، الأزهار ، شجيرات الموز ، الكريفون
، الينابيع الكبريتية الحارة ، نهر اليرموك ، الأسماك ، الإنس و الجان ؛ بينما
يحدد المقطع العرضي أم رحال و أفراد أسرتها ، و لا يتجاوزه إلا قليلا و من
خلالهم .
*****
محور الصراع
:
<< كانت هناك فتاة صغيرة ، صغيرة جدا ، قبل أت تصبح أم رحال ، لكن المتاعب
إمتلأ بالمتاعب ، هكذا فجأة .
و أشجار الموز و السنديان و البلوط ، و الآبار المعدنية الدافئة ، كلها ذهبت
فجأة ، هكذا فجأة ! >>
<< و تذكرت أم رحال أن اليوم الخميس ، و لهذا عليها حس خطاها لقبض ( جمعيتها )
، أخذ الإحساس بالغثيان يبتعد ، و كثعالب الماء إنسابت إلى يديها خمسون ليرة .
>>
<< إفعلي ما تشائين يا أم رحال ، ثم إبتلع ريقه و مد رأسه كزرافة و تابع يقول :
- حتى لو وضعت التفاح دون تقشير فأنا اقبل ، أقبل ذلك منك أنت فقط دون سواك .
قالت له و كأنها تضع سدا لكلماته :
- إذا تحدثت معي هكذا مرة أخرى سأشكوك إلى المدير ! >>
المعاناة و مرارة اليأس
:
<< متى ترجع إلينا الحمة ؟ عندما يفتح سمسم الباب ! >>
كانت بركة الماء قرب دوار كفرسوسة تتوسطها نافورة مياه سميكة ، تحب المياه أنى
كانت ، تذكرها دوما بالينابيع الدافئة ؛ لقد سمعت كثيرا عن مياه الفيجة و هي
في الحمة و تمنت أن تذوقها ، و اليوم تذوقتها مع المرارة ، مع الضياع ، فلم
تشعر بنكهتها >>
الحنين
:
<< و الينابيع الدافئة ، ألم تكن سيدة الموقف في الحمة ؟ كانت تغمر كل شيء
ببخارها العظيم ، تبعث الصحة في أوصال المرضى ، تخلصهم من أحزانهم ، في كل مرة
يدخلون إليها كفتاة بكر ، ينعمون ، و يهزهم عنفوان غريب لا حدود له . >>
الحنين و القهر
في الحوار القصير التالي:
<< - أنت دوما تذكرين الماضي يا أمي .
= الماضي أجمل من الحاضر يا حسنه ، كنا سعداء في الحمة .
- لكنها ستعود
تصرخ أم رحال دون سابق إنذار :
= متى ؟! اليهود يغتسلون الآن في مياهها الدافئة ، و من المؤكد يوزعون في بقاع
الأرض صور ينابيعها الدافئة ، ليجلبوا إليها السياح و مأنها بلادهم أبا عن جد !
>>
الحنين و الذكريات
:
<< بيتها في الحمة ، تذهب غليه عبر دروب من رود جوري و قرنفل ، تصعد تلك الدروب
في إنعراجات حادة و كثيرة ، تؤكد عمق الجمال هناك ، ثم تنحدر ثم تصعد ، و
الحوافي مليئة باعشاب خضراء تصبح في عين الشمس ذات لون بنفسجي ، و عندما تهب
عليها ريح ناعمة ، تهتز الحوافي مثل رفيف جفن .
هناك ، في تلك البقعة ، كانت تحس بدفء النبع يحتوي كل كيانها و يطليها بالذهب
.>>
<< قرب الشوك و الجبال ، قبل أن يقطع الجميع نهر اليرموك ، و أصوات المدافع تهز
الأرض الفسيحة ، و في العمق تضيء ومضات الطلقات و كأنها برق يضيف إلى الشمس
إضاءات متتالية ؛ توقف أبو عقيل ، و هز يديه ناحية الحمة و صاح :
- لا بد أن أذهب و آتي بالفراش .
= ستموت إذا ذهبت يا أبي .. ستموت .
قال له أمر رحال :
= الفرش كثيرة عند عمي في إربد .
- لا تخافا ، سأتبع طريق الوادي إلى الحمة ؛ أعتقد أنهم لا يقتلون الشيوخ !
ضحكت آمنة :
= ألم تسمع ما فعلوا في ( قِبية ) ؟
- لكنني لا أحمل سلاحا
= و هل كانوا في قبية يحملون سلاحا ؟
عشر رصاصات إخترقت رأسه و ظهره ، كبا فوق الحمارة ، سال الدم غزيراً حتى نعليه
، و أخذ ينقط مكونا خطين متوازيين على جانبي مسير الحمارة . >>
*****
فالعقدة في ( الينابيع ) تنسج خيوطها حول محوري المعاناة و الحنين ، فالصراع
بالتالي صراع نفسي و ليس صراع أحداث ؛ صراع بين مرارة الواقع و أماني الخلاص ،
يدور في نفس أم رحال غالبا و في نفس أبي رحال تارة أخرى .
كل واقعة نحفز ذكرى و كل ذكرى تخلق أمنية ، الحنين يغذي الآمال ، و الواقع يصفع
الإثنين معا ، فيتولد اليأس و القهر ، و أحيانا تتأجج شرارات الرفض ، رفض
الواقع بعاره و خزيه :
<< شياطين كثيرة الآن ، فوق هاتيك التلال تضحك منكم ، لا تحسنون إلا لعق
الكلمات المليئة بالروث >>
و تشعل الشرارات الصغيرة تمردات صغيرة ، تمرد أم رحال الذي ينكص بها نحو الماضي
العذب فتلتصق به - هذا الموقف يذكرنا بأولئك الذين عجزوا عن صناعة المستقبل
فراحوا ينقبون في التراث – و بالطبع فهو إلتصاق هروبي .
أما تمرد ابو رحال و إبنه رحال فقد دفعهما إلى العمل الفدائي .
ثم تومض الشرارة الكبرى فتشعل حرب تشرين :
<< و عندما يضعها في سيارة الإسعاف تصعد معها خالدية . يقول السائق لمعاونه :
- كم الساعة ؟
= الثانية إلا ربعا .
- حركة غير عادية ، لم يعد الجنود اليوم إلى معسكراتهم ، ألم تلاحظوا ؟
تصحو أم رحال على هذا الحوار ، لمنها تظل مغمضة عينيها و الصداع يستمر دوائرا .
يقول المعاون :
= في الظهيرة لا تحدث الحرب !
و فجأة ، ضابط يمد يده لسيارة الإسعاف ، تتوقف ، يقول برقة للسائق :
= أرجو أن توصلني إلى المدينة .
- لا مكان لك إلا بجانب المريضة .
= شكرا لك .
يصعد الضابط ، يجلس صامتا مقابل خالدية ، و تسمع أم رحال صوت تنفسه .>>
تشرين ، ممثلا بالضابط ، تسمع أم رحال صوته ، فتدب فيها الحياة ، الإرادة لم
تعد مجرد إسم جامد ، الإرادة نفخت فيها الحياة ، أصبحت ذات روح ، إنها تتنفس
إلى جوارها ، العودة باتت وشيكة ، لم يعد مهما أن تعود بشخصها أو لا تعود أبدا
، المهم أن يعود رحال و حسنا ، المهم أن تعمر ينابيع الحمة بأصحابها الشرعيين ،
على هذا النحو حلَّ الكاتب الأستاذ جمال جنيد ، عقدة الرواية ، فمتى كانت
الذروة ؟
<< عملها المضني في معمل الكنسروة في واد ، بينما إبنها رحال في واد آخر تماما
، لا يفكر إلا بنفسه و لا يهتم بإخوته الصغار ، ، إضافة إلى أنها سمعت من
صديقه كامل بأنه يشرب الخمرة في البارات . >>
و كدأبها لم تشكُ و لم تتذمر ، كتمت معاناتها بين جوانحها و مضت إلى كفر
سوسة ، في محاولة لحل مشكلة رحال من خطبته المتعثرة .
أمومة صابرة كصبر هذه الأمة ، التي إبتليت بأنانية أفرادها و فئاتها معا .
فإذا كان الإحساس و العجز و رثاء الذات ، ذروة العقدة ؛ فإن تشرين كانت
حلها .
و إن أُجْهِض تشرين مرّة ، فأمامنا تشارين !
------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع : www.FreeArabi.com