مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الوقت المتأخر من الليل

قصة قصيرة بقلم : فاطمة المزروعي*

دنيا الوطن


            
كان ذلك يوم من أيام يناير الباردة ، وكنتُ للتو خارجا من عملي المكتبي ، عمل مرهق ، يجعلني طيلة الوقت مفتوح العينين أمام شاشة كبيرة ، مملوءة الأزرار ، أضغط أصابعي يمنة ويسرة ، تتابع أمامي الأحداثيات بسرعة ، فتوقف عقلي عن التفكير مركزا فقط في النقطة التي أمامي ، وأنسى الكون الخارجي كله ، بكل مافيه من أحاسيس ومشاعر وكيانات مختلفة..

البرودة تلسع جلدي ، وتنفذ عبر مسامات الجاكيت الطويل الذي أرتديه ، أرفع عيني إلى السماء المنقشعة بالغيوم ، تتراءى إلي لحظات ، حورية جميلة تتراقص فوق السحب ، تغمز لي بعينيها البلورتين ، تناديني ، أحيانا أريد الاستجابة لهذا النداء الخفي ، تأتيني من خلف نوافذ شقتي ، في مرآة الحمام ، تجتاز الجدران بخفة ، وتلوح بيديها الشبهتين بزعانف السمكة ، فارفع رأسي وانظر إلى نهاية قدميها ، فتثيرني القشور الذهبية التي تلمع بشكل مثير ، أضحك من تخيلاتي ، فانفض شعري بحركة سريعة ومعها تسقط جميع ذكرياتي القديمة..

أتأمل في الاجواء الباردة المعتمة ، ورائحة الضباب الذي بدا ينتشر رويدا رويدا ...
أعشق الدفء كثيرا ، والأيام التي اندس فيه تحت اللحاف، لا تكاد تفارق عيناي ، أحيانا أظل حتى المساء متختبئا وعقلي يسبح في فضاءات مختلفة ، يبدو العالم مختلفا تحت اللحاف ، اللون الأسود القاتم ، وبقع فضية تسبح بحرية دون أي عائق يمنعها من الحركة..
هكذا العالم بالنسبة لي ، أبدو وكأني أسبح هنا وهناك ، لاحدود سوى الزمن الذي يقتلني ، والشعر الأبيض الذي بدا يتسلل بعنفوان إلي ، مستغلا صمتي الكبير وعجزي عن مواجهته ..

تتناهى إليَ أغنية قديمة من أغاني فيروز ، توقظ في احساس دافئ ، يعود الدفء إلى أطرافي ووجنتي وقلبي ، وصور الذين كنتُ معهم في لحظة من لحظات هذه الحياة.
أتذكر أحيانا كيف كنت أجلس في مقعدي الخشبي أمام النافذة وأطالع النجوم أتذكر الكثير من قابلتهم في حياتي ، وكيف كل واحد منا يرسم له طريقا وحياة ، ثم يختطفه الموت بغته..
شباب في أعمار مختلفة ، ومراحل متعددة ، كلما رفعت رأسي إلى القائمة ، كان الموت يختطف أحدهم ، وكانت حياتي في الآونة الأخيرة تتوزع بين المستشفيات وبين القبور وفي الحافلات..

تعودُ إلي بكل التفاصيل التي أعشقها ، وجهها الدائري ، وعينيها الصغيرتين الللتين تلمعان بشكل مثير، كنتُ قد التقيتُ بها صدفة في نفس الليلة الباردة ، أثارني الحزن العميق المرتسم على ملامحها كانت راكبة في التاكسي وكنتُ أنا متأخرا في عملي إلى هذه الساعة من الليل ، وظللتُ فيما لا يقل عن نصف ساعة أنتظر سيارة تقلني للمنزل ، وكان الجوع والبرد والضيق والآم أسناني المزمنة كلها تجمعتْ علي ، وتوسلتُ إلى السائق أن يقلني معه ، وازداد رفضه لانها فتاة ، ولكنها وافقت بعد جهد ، وظللتُ طيلة الوقت صامتا ، أحاولُ جمع شتات ملامحها الضائعة ، ذلك الوجه الدائري والخدين المتوردين ، كانت تحضنُ حقيبتها إلى صدرها بقوة ، وفي يدها اليمني منديل أبيض ، تمسكه بقوة..

عندها شعرتُ بالدماء تسري في عروقي ، ملامحها الحميمة إلى نفسي ، طبعت فجأة في ذاكرة قلبي واستحالت إلى صورة قديمة لايمحها سوى الموت ، لقد تحدثتُ في أمور كثيرة ، وسألتها عن عملها وحياتها ، والدها ووالدتها ، عن وجودها وحيدة في هذا الوقت المتأخر من الليل ، عن ملامحها ، وخدها الزهري ، ولكنها بقت صامتة..
في عينيها شرود غريب ، قاتل ، يجعلني أنظر إلى ملامحها من المرآة التي أمامي ، كنتُ أرفع رأسي إليها ، وأعود أنظر إلى السائق ، بنظرة تائهة ..
وفي لحظة أشبه بالومضة ، شعرت بنظراتها ترتفع إلى السماء ، بدت وكأنها تستنجد بشيء ، بأي شيء، بالنجوم ، بالقمر، وسقطت دمعة من عينيها ، كان ألم الحب في قلبي كبيرا ، أكبر من أي شيء أحبببتها في هذه اللحظة وكنت متأكدا بأنني لن أعرف طريقا مثل هذا فيما بعد ، وهي أيضا لن تجد حبا كحبي ، وعندما ودعتها إلى منزلها ، لم ترفع عيناها لتنظر إلى عيناي ، وأدركت أننا نولد في هذا العالم وكل واحد له طريقا يسلكه ، وحياة أخرى..
وعرفتُ في داخلي أن تلك الليلة الدافئة لن تمح من ذاكرتي مادمتُ على قيد الحياة ، ربما لن أراها فيما بعد أو قد يكون الموت قد أخذها مثل باقي رفاقي ، أعودُ إلى عملي المعتاد ، وتعود الإحداثيات إلى عقلي ، أشعر بها ثقيلة تجتاز تلافيفه بصعوبة بالغة ، صورة الحورية الجميلة تقتحم غرفتي مرآة حمامي ، تحييني كل صباح ، وملامحها تتغير بصورة طفيفة ..
فأرى فيهما عينين كنت أعرفهما ، وخدين متوردين ، ويدين كانتا تحتضنان الحقيبة في براءة ..

* فاطمة المزروعي
قاصة إماراتية