الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

واتا الحضارية

www.arabswata.org

 

الوحيدون

قصة قصيرة

حسام الدين نوالي*


     و كأن الشمس تغرب مرتين، مرة جهة يرقد الولي الذي يرعبني المسير جواره، ومرة في جسدي؛ وعند كل غروب، أرتمي داخل البيت، آكل، وأستسلم للرقاد. فمنذ غادَرَنا والدي وأمي حزينة. حزينة لأننا وحيدان من دون أبي، وحزينة أيضا لأننا اثنان...
انتقلنا للعيش مع جدتي، وأمي لم تكن راضية تماما، كانت ملامحها غامضة ونحن نحمل أثاثنا إلى الشاحنة بمعية رجُلين، وبين كل ذهاب وجيئة، من البيت للشاحنة ومن الشاحنة للبيت، كان الحزن يحمل رداءاته إلى أمي، حتى خِلتُ لحظة أني رأيت عينيها مثقلتين بالدمع.. أما أنا، فكانت السعادة تحمل إليّ هداياها، لأني سأرحل في شاحنة، ولأني سأبتعد، ومدرِّس اللغة العربية لن يلحق بي أبدا.. أبدا..
مرّة حلمت أن جِراء صغيرة تخرج من محفظتي وتحيط بأمي – الجالسة على برميل صغير- مشكّلة حولها دائرة، وكانت أمي ترشها بالحليب، وأنا أضحك كثيرا... وحين استيقظت كنت قد تبولت في الفراش.. ولم تكن أمي في البيت، فاعتنت بي جدتي.
وجدتي هذه امرأة عجوز، لا تفارق عصاها، كثيرا ما تجلس عند عتبة الدار وتسند ظهرها لركن الباب. كانت عيناها تدمعان على الدوام، تحضنني مرارا إلى صدرها وتمسح رأسي بيدها، وحين أهم بالنهوض تقبِّل جبهتي بفمها الأدرد المرتعش..
صارت أمي تتأخر، أسأل عنها جدتي، فتحضنني ثم لا تجيب..
حين تعود تتكلمان كثيرا، بعدها ترفع أمي صوتها بقوة، تتوتر، فتصمت جتي، تتمتم، وتنصرف...
ومرة اصطحبتُ أمي للحقول حيث الشغل وحيث تغيب. كانت تحدثني كثيرا، فلا تكاد تصمت، والطريق الضيقة الغبراء تحمل في اتجاهنا ذا شاربين على حماره الرمادي، كانت كرشه مدورة وكبيرة، وبدا لي مضحكا. توقّف فتحدّث إلى أمي، كانت عيناه تلتفتان إلي كثيرا، وحين تلتقي نظرتانا يبتسم لي..
نزل عن الحمار وأركبني، فأمسكت باللجام. أمي تمسح على ركبتيّ وتشجعني. وكان عليّ –كما قال ذو الشاربين- أن أجعل الحمار يطيعني، فأسير به إلى شجرة الصفصاف الضخمة عند منبع الماء ثم أعود سبع مرات، وحتما سوف يطيعني الحمار بعدها.
حين عدت كانا قد اختفيا، بحثت بعينيّ، لم أرهما، ثم لم آبه وواصلت العدّ...
الآن لا أعرف لِمَ كرهت الرجل منذ رأيته، وكرهت ابتساماته المتكررة، ولِمَ كنت أضرب الحمار مع أنه كان مطيعا.. !
ثم حدثت أشياء..
فحين كثرت أسئلتي وقوِيَتْ، وبدأتُ أصرخ في وجه أمي، كان الفضاء يضيق ثم لا يتّسع لكلينا.. فيما جدتي بدأت تمرض كثيرا وإحدى عينيها ابيضّت...
والآن صرتُ أعيش مع جدتي المريضة وحيدين بعد أن رحلتْ أمي ذات صباح ولم تعد. كنت قد سألت عنها الأصدقاء، وبحثت في القرى المجاورة. ثم حقدت عليها كثيرا حين أيقنتُ أنها لن تعود.. وحزنتُ وكبر الحزن. حزنت لأني مع جدّة هرمة ومريضة وحيدان بدون أمي، وحزنت أيضا لأننا اثنان.

=================

*حسام الدين نوالي - المغرب