صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 

الوارد

رواية

 

آسيا بو فنار

     

       في حالة من انسياب العواطف .. أين يقع الخط الفاصل بين اليأس و الحياة .. حينما سئم عمري من قطع تذكرة سفر إلى الوقت .. هذا المركب المحمل بالأوهام .. يرميني بتلك التذكرة و يشهرها في وجهي متذمرا من سخطي عليه و هو يعلم أني أنافقه كي أحظى بفرصة أخرى لأبحر بين مجذافيه .

.. رماني .. و أوقع بي في الحب .. فالحب ليس سوى وقوع بإرادة أو بدونها مباغتة من الزمن الذي لم يعد يتحمل شكوانا منه و إليه ...

.. قطعا لم يحدث لي ما أستحقه بل ما يشبهني .. تاريخ ميلاد يذكر على مسمعي لأدرك أن هذا الذي يقف بمحاذاتي من نفس برجي .. و أنا التي طالما أحببت و اعتززت بكل من ينتمي إلى هذا البرج لما فيه من طباع لشخصياته من طيبة و ذكاء و أناقة و تربية و وقاحة التي اعتبرتها دائما صراحة لابد منها لا يتحملها الناس فيسمونها كذلك .. تاريخ ميلاد يجعلني أنظر باهتمام إليه يُغْشِي عليا نور عينيه كبرق اختطف بصري لأجده يهتم بتلك النظرة .. أو ربما هكذا تهيأ لي فكل ما حدث معي و كل ما عاناه قلبي من خيبات أشد وقعا من خيبة عمري الفاشل يجعلني أعيد حساباتي التي ضربتها أخماسا في أسداس و لم أنل منها سوى الآلام و اليأس و أنا التي كنت أظن أن هذا الشعور غادرني مُذْ أصغيت لأطيار الحس تغرد في روحي فشعرت بالطمأنينة و استسلمت للسكينة ..

سكينة جعلتني أتصفح و أطالع كل ما يقال عن أصحاب هذا البرج و اقتنعت تماما بقناعة صنعت بها كأسا مترفا كترف الأمراء سَكَبْتُ فيه من عصير حب باذخ ارتشفته بفرحة غمرت مركب حياتي المحمل بالأوهام و قد نسيته في بَهْو المنطق الذي تجردت منه .. و حتى أني تجردت من كرامتي .

لقد وُلِدَت قصتي معه .. أو أنا من أوجدها فقد كان هو الرجل الذي كنت أبحث عنه لأقيس نفسي به و لذا من البدء لم يفارقني هاجسي في كسبه و جعله مرفأً لمركب حياتي.

.. في محراب عينيه قَدَمْـتُـنِي قربانا و لم تعد ابتهالاتي إلا باسمه ..

.. وقعت في وهم الحب .. أو بالأحرى في وهم الحياة .. و لم أقدر على مواجهة شغفي في أن أعيش و ألبس الوقت تذكرة ، ما دامت تذاكري للوقت كلها انقضت آجالها .

لم تكن لي الرغبة في مواجهة هذا الشعور أو التنصل منه .. و كأنه حكم إعدام سَيُنَفذُ  ، فكيف لي مواجهة الحب .. و الحب كما الموت لا يفيدنا شيء نحعليَّوهما .. لا ثقافتنا .. و لا خبرتنا .. نذهب نحوهما مجردين من كل الأسلحة فقد تجردت من كل ما له علاقة بالمنطق و كنت أجهل حقيقة شعوري هذا .. أهو الرغبة في الحياة؟ أم الرغبة في الحب ؟ أم الرغبة في معرفة نفسي و قياسها على هذا الرجل .. و لم أكن أريد معرفة الحقيقة ..

كانت تبدو لي فكرة التواري وراء الجهل أجمل لأنني أومن أن جهل ما يجب معرفته أفضل من معرفته لأنه قد يعيقني على مواصلة الإبحار في هذا المركب و كان عليَّ أن لا أعود إلى الانتظار .. فأنا أعاني من الوقوف على طابور انتظار دعوة للحب .

دعوة للحب ، للمغني الشهير " Claud Barzzoti " طرقت باب قلبي و الأرجح أنها لم تكن موجهة لي .. بل سقطت سهوا على مفترق عمري .

كانت العولمة قد بدأت تأخذ مني مأخذها في حب الاستطلاع و الاستيطان بها و لكن لم يكن لي سابق معرفة و لا وقت كافٍٍِ لإعلان سفري إليها .

في أحد أيام أيلول المدغدغ لعواطف المجانين فهو بداية الاستيقاظ الروحي لدي و شَرْبَةُ الماء التي أبلل بها عطشي بعد صيف حار تتمرد فيه الأفكار لتحاول الهروب من المسؤولية في العمل ، فلا أشَدُ وقعُ خيبة لدينا أكثر من صيفنا المليء بالغبار و أشعة حارقة تلفح الوجوه لتصنع فشل عمر مضى من حياتي دون الاستفادة من تقاسيم وجٍه كان نضرا في شباب مفعم بأوردة دموية يَرْسُمُ عليها وقع الشمس احمرارا.

بدأت الهالات السوداء تظهر و البقع الداكنة تكسو مُحَيا الخيبة و لم تعد حتى الألوان الزاهية بإمكانها التستر على هذه الفضيحة .. و كل الكريمات  المعروضة في محلات التجميل لم تستطع إعادة النضارة إلى الحياة .. نظارة كانت تقرأ على علب الكريمات (مضاد للبقع الداكنة )(واق من أشعة الشمس)( العلامة العالمية لحماية بشرتك من أشعة الشمس) كانت الأسعار المغرية لاقتناء هذه المواد تبعث فيَّ الشكوك في أنها لن تغير مما أصاب العمر من فشل بدت معالمه على بشرتي .

علمت ذاك اليوم أن قاعة للمعلوماتية  فتحت حديثا من مقربة منا .. في مفترق الطرق .. و لم أكن أعلم أنها اختارت المفترق لتستلم مني لافتة مفترق العمر و توجهني إلى وجهة ثابتة .. أو هكذا ما ترآى لي في البداية ..

لم تكن تقاسيم هذا الرجل تهمني كثيرا أو تـثير فيَّ شيئا .. كل ما كان يهمني أن أغير هذا الروتين الذي خنقني و أطبق على أنفاسي و يوشك بي السفر إلى الجنون ..

و كان الجنون يفصل لي ثوبا آخر على رغبتي مدعيا عدم الاهتمام لأمري .. و لأَفْعَل ما أريد ...........

هروبي من الروتين كان يملي عي أن أنصاع لرغبتي في المشي طويلا و لن أصف ما تؤول إليه قدماي من تلك الرغبة المجنونة في اكتشاف شوارع المدينة غير المثيرة لكنه حب استطلاع لا أكثر و حبٌ لرؤية وجوه الناس فيها...

كنت أمشي في مدينة تختلط فيها الأفكار بالخضر و رائحة الشواء و الأقدام العفنة و رائحة السمك المعروض على الطرقات الذي يصيبك بتسمم تنفسي و لصوص النظرات الذين يسترقون منك تلك النظرة الهمجية المكررة حتى أنك تصدق بأنهم يرونك كل يوم لأول مرة أو أن تلك النظرات التي يرمقونك بها حق خَوَلَهُ لهم دستور تَخَلُف تفكيرهم .

مدينة و دكاكين لا تستطيع تمييز ما يباع فيها ، فهي صورة مطابقة لأفرادها فحينما تدخل هاتفا عموميا ربما تنسى أنك جئت هنا لإجراء مكالمة قصيرة فيطول بك البقاء و أنت تتأمل ما في هذا المكان .

ففيه يختلط الهاتف بآلة التصوير و آلة التغليف و الفاكس و غيارات الهواتف النقالة و بمحاذاة ذلك تجد رُفـا يحتوي على عطور للرجال و النساء و أنواع فاخرة للصابون و الغاسول و الحلوى و البسكويت المتناثرة في سلة بجانب آلة التصوير ، و أقلام و كراريس و بعضا من الزهور الاصطناعية حتى أنك تجد عيناك تبحثان عن خزانة في ركن آخر ربما تحتوي على بعض الأدوية المسكنة للآلام !!!...

 مدينة يحترف أناسها خلط كل ما تحتاجه ضمائرهم لإشباعها بقناعة " انْديرْ اللي عليا و الباقي على ربي " فهم لا يريدون أن يطالهم شبح الاحتياج فيتحدون أنفسهم و يحرقون دستور عملية البيع و الشراء المنصوص عليهما بتشريعات منظمة فيشهرون رغبتهم في الكسب السريع في وجه تزايد الأسعار الذي طال خبز يومهم ، فحينما لا يكفي مبلغ ألف دينار لشراء كيس دقيق ماذا يمكن أن يفعله أو يفكر فيه المواطن البسيط في تحدي الفقر و خلع ردائه الذي سيُلبِـسُه الإجرام حتما ..

 يُصِر الناس هنا على جمع كل ما يباع  لإقناع أنفسهم أنهم يكافحون من أجل المعيشة التي أصبح حلم الدفاع  عنها هاجسهم الوحيد .. فيرفعون تحديهم في مواجهة السلطة على ترقيعها .. كيف لصاحب سلطة أن يشهر في وجه مناضل في سبيل الحياة قانونه بالضرائب و السجل التجاري و في آخر المطاف لن ينصاع أحد لأمره .

لم تعد المدينة تستهويني ولا المشي يغريني.. بل أصبحت أعاني من التجوال بالرغم من أن المشي كان يساعدني كثيرا في التفكير الهادئ ولكن حتى الهدوء الذي كنت أعنيه لم يكن حقيقيا فأنا من يرسمه لوحة أمام عيني في كل شارع طويل يلقي خمائل ظلاله من خلال الأشجار لأتخيل أني لست بحاجة إلى السفر إلى أي مكان للنزهة.

ببساطة لأني أصاب بالدوار عندما أسافر .

كنت أعمل بمعدل ساعات اليوم التسع ، لأن الفترة الصباحية الممتدة من الثامنة إلى الثانية عشر و المسائية من الثانية إلى الخامسة كانت تتخللهما الساعتين اللتين كنت أقضيهما في مكان عملي أيضا.

كانت فكرة قضاء سويعة تجتمع فيه التسلية والإفادة تروق لي كثيرا. ، لذا بدأت أتردد على القاعة بشكل يومي حتى أدمنت ذلك.

ترددي خلق الألفة لتستدرجني رويدا رويدا إلى شعور آخر فقد أصبحت أهتم لشخص كان يتردد على القاعة أكثر مني .

في يوم كنت أرتدي خمارا ورديا و طقما من الدجين أجلس بجلسة فيها الكثير من الرتابة و الروتين الذين تعودت عليهما أتفحص ما يسحر العقول في هذه التكنولولجيا التي غزت جميع الميادين .

رفعت رأسي فإذا بي أجده ينظر إلي فاضطربت اضطرابا شديدا و احمررت خجلا .

طأطأت رأسي و عدت إلى الجهاز و لم أرفعه ثانية و كأن شيئا أصابني بالتجمد و لم أستطع النظر ثانية إليه ، حتى أني أتساءل اليوم إن كان فعلا ساعتها ينظر إلي أم أنه كان مجرد تخيل.

توالت الأيام و أصبح برنامج يومي لا يخلو من موعد ذهابي للقاعة من أجل رؤيته و كنت أخشى أن يمر يوم دون أن أجده هناك .

و ابتدأت حكاية بنظرة .. لكن دون سلام أو كلام أو موعد للقاء فقد تقدم اللقاء بداية الحكاية لذا اختلطت معادلة حكاية الحب هذه عكس ما ألفناه و لم تكن عادية .

لم أحس بالأيام تمر إلا و فكرة تعلقي به و تعودي عليه تخنقني حتى اقترب عيد ميلاده .

عيد ميلاده الذي عرفته مصادفة و كم كنت قبلها أتمنى أن أرتبط برجل من نفس برجي . 

كانت مناسبة عيد ميلاده فرصة لأقطع طريق مشاعري الذي أخذتني بعيدا عن المنطق و قلبت  حياتي رأسا على عقب أصبح محورها " هو " .

اشتريت هدية غريبة فأنا أحببت أن تكون هديتي عملية و ليست كما تعودت أن أرى المحبين يتبادلونها ..

ربما لأني إنسانة عملية ..

و ربما أردته أن يراني في كل ما يستعمله ..

و ربما لأني كنت متأكدة من أننا لسنا متحابين ...

قررت أن أنسحب من حياته علَ حياتي تعود إلي .. علني أتعرف ثانية إلى كتاب حياتي الذي كان جملا خبرية دائما .

دخل حياتي فوضع فيه علامات استفهام كثيرة و كلما قلبت صفحة وجدت علامة استفهام .

-      هل كانت تلك النظرة تخصني ؟

-       هل كان يعاملني بلطف و لباقة لأن هذا أمر عادي ؟

-      أم كان مقصودا معي ؟

-      و إن كان عاديا فهناك الكثيرات إذن يعشن حالتي ؟

-      هل أعنيه ؟ فإن كان : لماذا لا يصارحني ؟ و إن لم يكن : فلماذا لا يتجاهلني ؟

و كان أكبر سؤال يطرد النوم من عيني :

-       ألديه حبيبة ؟ ربما و ربما لا يوجد .

سئمت كتابي الذي أصبحت صفحاته تتقلب لوحدها بفعل اضطرابي فوجدتني أخط قصيدة لم أنتبه إلى أنها استكمال للقصيدة الأولى حتى قدمتها له لقراءتها فقال لي :

-      فيها تكرار .

-      لا ، ليس تكرارا بل هي تكملة للأولى .

كان أذكى مما لم أتخيل ، فقد قصد بالتكرار شيئــا آخـــر .

                                    جــس نبض

سئمــت المزيد و تـــاه الوريد  

أبقلب ينبض أم بخلاصة من حــــديد

تعبـــت الشـرود فهــل أعود            

أم أظل هــائمة و الحــزن  في جيدِ

أفـرغت الأيــام حــبي و ودي            

و رمتني للــبحر بيـن جزر و مــد

فهل تعلم أنك اليوم حاجزي و سدي          

 بين ضــياع متقع و استــقرار مهدد

حتى أني كسرت قواعـد مــهدي           

 فألغيت كبريائي و أذللـت  فـــؤادي

لم ينفعه الكبرياء لكنه أهــــون           

من انتظار رد : بالقبول أو الصــــد

فهل أدركت لماذا سئمت  المزيــد          

 فبعد طول عمرٍ أضْحَيْتُ كبش  عــيدي

فهل أُبْقي على قلب جريح  للمزيـد          

من جراح تحت عنوان : قوتي و صمودي

أم أدفـنه  و لن ينــته  الـنزيف          

فمــا أصـعب الحـب  بعد سن الرشد

و الرشــد عندي ألْفـى بعــيدا         

عن عمــري و عقلي و رأيي السـديدِ

فدعــك يـا قلب من حكاية العيد           

و اســتمر في جــفافك و لا  تــعُدِ    

 

إنه التكرار الذي كان يقصده ، تكرار اعترافي بالحب بعد الأول غير المقصود مني الذي خذلت به كبريائي في غفلة منه .

قدمت الهدية و قلت له :

-      كل عام و أنت بخير ، أتمنى لك التوفيق في حياتك ، و نلتقي على الخير إنشاء الله ... الوداع .

-      لا نعلم ما هو المكتوب .... هكذا رد علي .

جملته فتحت باب الأمل الذي أخطأ تقدير فتحه ، أو ربما أنا من تحايلت على القدر لأفتحه .

منذ ذلك التاريخ أدركت أن هذا قدري .

     قدري كان حبه .. و تصورت أن القدر و المكتوب واحد ، و لكني كنت مخطأة ....

قدري كان الألم .. الغصة .. المرارة الذي ذقتها طوال علاقتي به .

قدري كان اشتياق دائم له و اهتمام كبير به و احتياج غير منتهٍ لكلمة حب منه .

     المكتوب لم يكن سوى علامات الاستفهام التي ملأ بها كتاب حياتي .

اقتربنا كثيرا من بعضنا و كنت مقتنعة تماما أن حكاية حبي ليست كالبقية فأنا لست بحاجة إلى دلال و لا كلمة حب و لا مكالمات لساعات .. أو ربما أوهمت نفسي بأني لست بحاجة إلى كل هذا .....

حكايتي كانت عندي كحياة طفل صغير يحتاج الكثير من الحنان و الرعاية من أمه .. و أم تحتاج لكثير من الصبر كي لا ينفذ حبها .. و بين هذين القلبين لم يكن من داع لأحدهما أن يقول للآخر إني أحبك .

وحدها مشاعر الحب من تقتلع الاهتمام من أي شخص تجاه الآخر .. و وحده صبر المحبين من يتحمل كل هذا الألم .

مرت أيام الصيف بمعاناة من نوع آخر فقد تركت العمل لأني أردت أن أصنع اسما لي من أجله .

و طال صبري و أصابتني خيبة من فشل مشروعي ،  و لكن صبري لم ينفذ بقدوم يوم يعترف فيه بمشاعره و يمنحني فرصة لأعيش قصة مثل الآخرين .

و لكني لست مثل الآخرين و لا كان هو لأن حكايتي لم تكن ككل الحكايات .

اقترب الشتاء و كنت قد عدت إلى عملي ... و اقتربت من تحقيق أمنيتي .....

اعتـــرافه .......

في ليلة من ليالي آواخر الشتاء الجميلة كانت عينايَ تؤلماني من حساسية أصابتهما فوصف لي طبيب العيون مرهما و قطارت .

وضعت المرهم و إذا بهاتفي يهتز بذبذباته فقد تلقيت رسالة قصيرة .

أحسست و أنا أحاول فتحهما الذي طال علي من تأثير المرهم أنها من طرفه و ما إن فتحت الرسالة و نظري لا يزال غير صاف حتى أحسست بقلبي يتوقف ، لأقرأ :

-      مساء نظرتِ إلي و كأنك ترينني لآخر مرة ، لماذا ؟

لم أصدق ما قرأت .. كدت أغادر فراشي لأحتضن الليل البارد فقد تدفأ قلبي .. و هدأت روحي .. و لم أتصور أن هناك من يعيش لحظتها فرحة كفرحتي .

و لكن لم أعلم ساعتها أن هذا الرجل الزارع للفرحة في حياتي من سيقتلعها .. لا القدر .

أنه من سيذيقني عذابا كُلـفَةً و ثمنا لهذه الجملة .. لا القدر .

أنه سيقسو علي جزاءً لي  على إيصاله إلى اعتراف بالاحتياج لي .. لا القدر .

كتب هذه الجملة و ربما لم يكن يعي ما يكتب .. و لكنه أدرك ذلك و ندم ندما كلفني ألما و معاناة كبيرين بعد أن نبهته لذلك و أجبته :

-      لا يمكن لي أن أراك لآخر مرة أبدا .. إلا في حالة واحدة .. و هي الموت . لا أعلم من أين أتاك هذا الإحساس .

و كانت الليلة و الجملتين اللتين استدار منهما على حياته ليضعها أمامه و يتأملها جيدا منذ أن عرفني ليدرك أنه لابد من نفي كل ما قال و التكبر على هذا الإحساس الذي تملكه و يستكثر علي ثوانٍ من الفرحة عشتهم .

لم يرد علي ، لذا علمت أنه قال ما قال في لحظة ضعف و قد ندم أشد الندم .

توقعت أن تكون بداية الاعتراف و لكنه كَذَبَ توقعاتي و كانت بداية الانعطاف إلى اليمين .. للركون برصيف التمرد و تركي وحيدة أكمل طريق التشرد .

الأحد التاسع من مارس.

         كنت أعلم أن كل ما أتوقعه جميلا حتى في جرحه مع هذا الرجل سيتحول ليرميني بسخط لا مثيل له حتى بين الأعداء .. إنه الجرح الذي لا أزال متمسكة به  و يحلو لي في كل مرة نبشه ليرميني إلى عذاب الضمير من فقدان كرامة على الدوام .الحزن الذي ألِفَني و أصبح لا ينفك يغادرني في كل لحظة أحس فيها أنني أحقق أكبر الإنجازات باستخفافي به فأنا أستخف به لدرجة أن أتباهى بأنه النبض الوارد في حياتي .

    يرتعد قلبي خوفا من الألم الذي سيفقدني أعصابي و أنا أنتظر جملة تحبط معنوياتي التي هي في الأصل محبطة ... جملة لم تقل لكنها وصلتني بتلك النظرات و ذلك الصمت .. كانت نظراته غريبة .. رشقتني باستنكار كبير زرع الفوضى في جسمي فلم أفهم ماذا أفعل ؟

    أأجلس بمقابلته كي يتأكد ظني من أن نظراته اللاذعة وراءها سبب لم أعرفه و لن أعرفه فيتضاعف ذلك الألم الذي يمسك عروق رقبتي كل مرة أمتطي فيها صهوة غضبه غير الطارح لعنوان له ..

    أم أختفي و أبتعد علني أتجاهلها و ربما في غفلة من تلك الدقائق التي تسكعت في شارع حيرتي سيزول الجنون و تذهب الظنون و ألتقط أنفاسي التي بُتِرت مني بسيف نظراته .

في الحقيقة وددت لحظتها لو غادرت كي أتجنب كل ذاك و تلك ..

و لكن ، أيُعْقَل أن أنسحب بهدوء يُخلفُ وراءه عاصفة ..

ابتلعت ريقي و واصلت طريقي مبتعدة لبضع أمتار ربما ستتكفل بصنع سحابة رد الظنون و تلطيف الجو فأخرج على الأقل من حرب دارت بيني و بين نفسي بأقل الخسائر .

و لكن هيهات أن يخطئ الحدس سهم خيبته .. عند خروجي حاولت الركض بعيدا إلى حلم جميل .. فأغمض عينيَّ و أصدق أنه حلم .. أن كل هواجسي كاذبة ثم بعدها أفتحهما لأتنفس الصعداء

        شِحْتُ بوجهي إلى الجدران و السقف و أي ركن يطيل من فرصة ابتلاع خوفي من شيء لا أعرفه .. شيء غريب ..

        و ما الغرابة .. فمذ عرفت هذا الرجل و الغرابة تجتاح حياتي لأنني طوال الوقت كنت على يقين أني أطارد خيالا أمامي .. في الواقع  إنها المتعة التي أَسْتَبْقي بها عنفوان شبابي فلا أحسن من أن تختبر فيضك بالحيوية من مطاردةٍ تريد من ورائها إثبات معجزة في تحول النهر عن مجراه و إيقاف عجلة الروتين التي اختارها هذا الرجل .. لم أعرف ماضيه و لا حاضره و إنما كان هاجسي في صنع صرحٍ من حكاية .

فهل كانت آلامي و أحاسيسي معه و به و اتجاهه مجرد حكاية ؟؟؟؟؟؟؟

    هربت باتجاه المجهول رغم أن وجهتي كانت معلومة .. و لفرط اضطرابي سقطت أوراق اللعب التي كانت تحملها صغيرتي " ماريا " و تناثرت .. لم تكن الأوراق بيدي و لا كنت من يحملها .. أسقطتها ماريا فهل كان الاتصال الروحي بصغيرتي التي أحببتها كابنة حملتها في أحشائي جعل هذا الاضطراب ينتقل إليها ؟؟؟ تبعثرت القصاصات كأحاسيسي التي لم أعرف لخوفها سببا.

     حاولت جمع الأوراق لكني لم أستطع .. أصغيت لدقات قلبي فوجدتها تشلني ..و بعد عناء كبير لملمتها و واصلت سيري أنظر إلى وجوه المارة فأجدهم يطاردونني بنظرات تهكم و لكأني أذنب في حق كل واحد منهم .. كنت أرى نظراته في كل واحد من هؤلاء .

    دخلت المكتب فوجدته جدارا مطبقا على أنفاسي  التي ستنفجر .. فقررت الصعود إلى السطح عل السماء الواسعة تتقاسم ما أَلَمَ بي من حزن منقطع الغرابة .. كان ألمي يتصاعد .. يحاول أن يرمي نفسه مع كل درجٍ كي يستريح .. كان يودُ لو يعيد الخطوات إلى الوراء .. إلى حيث بدأ .

و لكنه توقف هنيهة ليتساءل : أي بداية يقصدها ؟؟ و ربما كانت قدماي اللتان لم تعودا تتحملان  السلالم من أوقفتاه متذرعتين بالسؤال .. قدمان أنهكهما المشي كثيرا لقضاء حاجيات الناس ..

     تذكرتا حينما كانتا تلفان شوارع المدينة بحثا عن قطعة قماش أو " الحَرْجْ " لمحل الخياطة الذي كانت تعمل فيه صديقات قدامى يوم كان الشمل جميلا فكنا نجتمع و نحكي عن كل شيء و ماكنات الخياطة تدور ، و في الشتاء .. أمام المدفئة كصغيرات يبحثن عن دفء أمومي " نقرمش " الخبز الذي جف و أصبح حطاما و هو ينتظر فوقها لفرط انشغالنا عنه بالحديث ..

ما كان يدهش و يدعو للغرابة أنني لا أتقن فن الخياطة و لا تروق لي فكرة التفصيل و إخاطة فستان أو تنورة .. ما كان يزعجني و يطرد فكرة تعلمها من رأسي هو الروتين .. فإعادة تفصيل نفس الموديل لأكثر من عشر مرات يصيبني بالغثيان و الجنون لروح تعودت الحرية و الانطلاق .. و رغم هذا الكره أو اللارغبة في تعلم هذه المهنة فقد كنت أتفنن في البحث عن

" الحرْج " و اختيار الأجمل .. و في أيام الشتاء القصيرة و على بعد ثلاث كيلومترات عن بيتنا لا أدرك الوقت إلا و آذان المغرب يرتفع و أنا لا أزال لم أغادر حانوت " بني ميزاب " المتواجد في وسط المدينة بشارع كان يسمى " شارع دالاس " ...

إباظيون من عرق جزائري بحت موطنهم الأصلي غرداية يتاجرون في شارع أمريكي ؟؟ أوليست مدينة تحترف خلط المدن أيضا ؟؟؟؟

فأسرع و أسرع حتى تتشنج ساقاي ، و عند الوصول إلى البيت و الليل قد بدأ في الهبوط أسمع ما لا يسر عدو و لا حبيب من أمي التي تعلم أنه لن يحدث لي شيء فهي تثق فيَّ و لكن خوفها الأمومي من كان يرسل تلك الشتائم .

   لم أتوقف عن هذه المعاناة التي كنت أتلذذ بها إلا عندما قرر أخي الزواج أو كما قررت له ذلك جدتي ، باعتبارنا لن نتجرأ على هذه الخطوة فتكاليف العرس شبح يفزع العائلات الفقيرة مثلنا .. عندما استلمت تقاعد جدي- رحمه الله- الذي قضى عمره في فرنسا .. فترك ضريبة غربته و اضطهاد زوجته من " اسْلافْها " أشقاء زوجها لأنها وحيدة و نشوء أولاده الأربعة في يتم مع وقف التــنفيذ ..

  ترك معاشا تقدمه حكومة قلنا و رددنا دائما عنها : (يا فرنسا قد مضى وقت العتاب ..

و طويناه كما يطوى الكتاب ) .

   لم يدر مفدي زكريا- رحمه الله- أن حكومتينا ستتخذان هذا البيت وثيقة مشتركة لمحو آثار الحقد الذي سكن كل من شعبينا و أَثَـرْنا التسامح ثقافة بيننا و مضى وقت العتاب ..

     هذا المعاش الذي تصرفه للمتقاعدين الجزائريين الذين احتضنتهم بعد طردهم من بلدهم ، لتثبت بأنها دولة حريصة على إعطاء كل ذي حق حقه .

فتمحو من ذاكرتنا أنها أخلفت الوعد يوم الثامن من ماي ألف و تسعمائة و أربع و خمسين .

     حاولت التقاط أنفاسي من هول فاجعة أَلَمَت بي لم أعرف لها سببا و أنا فوق .. أنظر إلى تلك البقرتين الجاثمتين على بساط عشب متقشف تقشف سمائنا التي أمسكت علينا المطر مكافأة منها كما يقولها عجائزنا و شيوخنا : من افْعالنا الشَيْنة ،،

أراقب أعالي البيوت المبعثرة و التي لم تكن تحمل شكلا معينا فكلها عشوائي حتى أنك تشك أنها رسم لخطوط متقاطعة تُمْحى بمسحة من فيضان بسيط .

و في وسط هذه المشاعر المتراكمة على باب الحيرة .. قامت البقرتان لتتبولا الواحدة تلو الأخرى ، المشهد الذي أضحكني في لحظة لا أريد فيها سوى تفكيك هذه الألغاز من الخوف من شيء لا أعرفه و هذه الذبذبات من الانكسار النفسي .

   حل المساء و أنا لا أزال على سطح انتظاري لمكالمة أخذت مأخذها مني في مرارتها و جرحها فحينما يتقن الإنسان لغة النظرات و يصبح خبيرا في فهمها لا شيء يخفى عليه .. بل إني أكاد  أسمع منها ما لم يجرؤ على قوله ..

و أخـيـــرا ...

جاءت المكالمة التي انتظرتها .. و لأول مرة يصدق حدسي .. و لا يخلف ظني موعده معي .. كلمات قليلة كانت كافية لإنهاء كل شيء ..

و هل كان هناك شيء ابتدأ حتى ينتهي ؟؟؟

   ما الذي فعلته بحياة هذا الرجل حتي يَشِي  بي إلى العذاب .. الإفراط في الأكل يصيب المعدة بألم متفاوت الخطورة أحيانا فالمعدة هي بيت الداء إن صَلُحَت صَلُحَت باقي الأعضاء و إن أصابها المرض فإنها لا تنفك تنفث علتها في أنحاء الجسم لتجعله عليلا و كأنما تُحِلُ عليه لعنتها ، فكيف لها أن تراه منتفضا بالحيوية في حين تعاني هي ..

هو الحال كذلك .. فالإفراط في تقديم الحب في أطباق شهية يسيل لعاب الحواس الكامنة و المستترة تحت رداء الأخلاق و التربية يصيبها بالعلة فهي راغِبَةٌ ممنوعٌ عنها ارتشاف شرْبَة من كؤوسه أو تذوق ما في هذه الأطباق من ملذات و مشتهيات .

    دخلت حياة هذا الرجل في مفترق عمر على رصيف الفوضى بأحاسيس كانت أجْبَنَ من أن تؤدي دورها في رواية الحب .. صَعِدَت المسرح لأكثر من مرة و في مقابلة جمهور الحياة ترتبك .. تهرب الكلمات .. ربما لأنها لم تحفظها جيدا ..

تعود إلى الصفوف بفضيحة عدم إتقان الدور لكن عزاءها في أنها ستلتقط أنفاسها من الارتباك و تنظر إلى الأدوار التي أمامها كي تتقن بعدها الدور جيدا .

    تلقيت الطعنة بصمت رهيب و كأنني بدأت أشتهي الصمت .. بكيت قليلا ثم تذكرت أنه لا يجب أن نبكي على الخسارة في حينها كي لا تُسْقى بتلك الدموع فتنبت و تزهر من جديد .. بل حين تجف الدموع من القهر .

في الصباح نهضت بنشاط غير اعتيادي على نفس مهزومة و قلب جريح لا يستطيع النحيب فروحي تدعوني للتأجيل .. تأجيل الحزن كما تأجلت أفراحي .. أما دموعي؟؟ أجلتها فأنا لا أريد - و حفاظا على جمالي و أناقتي – أن أنهض بعينين منتفختين .

التفكير في الجمال و الأناقة و أنت مجروح جرح لا يتحمله قلبك أو عقلك الباطني هو قمة الاستخفاف بالحزن .

    عقلي الباطني لا يرضى بهكذا وضع و ليس مقتنعا تماما بما يجري من حوله .. رغم أن المكالمة كانت واضحة و فيها من خدش كرامة ما يهز الجبال بكلمات قليلة مختصرة صَبَ فيها ذاك الرجل كل سخطه الذي لا أعلم سببه .

ما يحزنني في مآل الأمور إلى هكذا وضع هو عدم اطلاعي على السبب ..

مشيت بخيبة أصابت ركبتيَّ بألم حاد فأنا أحس أن المفصل الذي يربط الساق بالركبة قد أصبح فارغا .. و هل كان حبي لهذا الرجل و وجوده ما يملؤه ؟؟؟؟

تجتاح رأسي أفكار جمة .. فيما قبل لم أكن أعلم ماذا أريد ؟ أما اليوم فأنا لا أعلم ما الذي سأقرره فأنا مقتنعة بقراري و أنه سيكلفني ندم حياة بطولها و عرضها و لكني على إدراكي هذا فأنا أراه الأصح و الخيار الأقل خطورة .

لأن ذلك الرجل الذي لم يعرف كيف يقبل دعوة الحب كما قبلتها أنا و ظن أنه سيدركها يوم يريد.. يوم تذهب تلك الظنون و ذلك الجنون الذي امتطاه حين أراد معاكسة قدره في أنه يمكن .. ها .. يمكن أن يكون قد أحبني .

هو لا يعلم أنه أحبني .

بالكاد يدرك أنني أعنيه بقدر لم يفهمه و لم يعرف سببه .

طاردتُ أضغاث كلمات .

و بعضا من النظرات.

و تهيؤات لتصرفات كانت تبعث فيَّ يقينا متناهيا أنها تعنيني .. و أنا المقصودة بها .

و في صمته المتناوب على تضليلي و نزعته في التهرب من الأجوبة كانت رسائلي إليه..

تًقْرأ ... تُفْهم ... و تُحْفظ ...

      كتلك الشكوى التي كانت توضع لدى وكيل الجمهورية بالمحكمة لتحريكها فيرسلها إلى الأمن أو إلى الدرك قصد سماع الطرفين و في أخذٍ و رد .. و إعادتها إلى مكتبه لِتَمُر على يده بعد مائة أخرى لِتَجِد منه أخيرا ذلك الانتباه و الملاحظة بأن إجراءاتها لم تكتمل فيعيدها إلى الأمن للإسراع في الإنجاز لتصل بعد طول انتظار من ذلك المواطن الذي وضع شكواه بيد ممثل الحق العام بعد أن يئس من وضعها بين يدي الله فالناس هنا لا يردعهم شيء من اغتصاب الأراضي و أخذ الأشياء بقوة القانون المليء بالثغرات ..

و بعد كل تلك المسافات التي قطعتها تلك الشكوى في طرق جرداء و أخرى زراعية و أخرى معبدة لتقف أمام بيوت متعددة باحثة عن عنوان المشتكى منه لسماعه محملة بين ألبسة خضراء لأعوان الدرك و أخرى زرقاء لأعوان الشرطة ... يأتي قرار حامي حقوق الناس :

 " بالحفظ لانعدام أركان المتابعة " .

هكذا كانت كلماتي ..

مشاعري ..

نظراتي ..

اهتماماتي به ..

تحفظ عنده بلا تعليق ....

يدفع بي دائما إلى الصمت ..

و رغم أن الصمت حديث طويل يختصر كل الحميميات إلا أنني لا أجرؤ على الجزم أن صمت هذا الرجل كان يعبر عن شيء .

السبت الخامس من أفريل .

... غريب حقا ما يحدث داخلنا فنحن نعجز عن تفسيره ..

منذ ذلك التاريخ  هجرتني الكلمات فقد هجرني هو و لم تعد أيامي سوى بركان خامد ينتظر الثوران .

بصباح نشط تهيأت و ارتديت طقما من " الدجين " أضفى على عتاقة عمري شيئا من التجدد و

" الشبوبية " و بالفعل فقد كنت محط إعجاب كثير من الرجال الذين رمقوني بنظرات اندهاش و إعجاب .

لم يهمني أحد منهم فأنا كنت على موعد مع الفرحة اليوم التي رسمتها في خيالي فقط .. ربما امتداد لذلك الحلم الذي رأيته البارحة و زرع في أملا بأن شيئا ما سيتغير .

    لا أعلم لماذا تأهبت كمن اتفقت مع حبيبها على موعد للقاء .. رغم أنه لم يتغير شيء منذ ذلك التاريخ سوى بعض الارتخاء لذلك الشد للأعصاب الذي فاق العشرين يوما ، أو ربما تلك النظرة التي التقت بها عيني بعينه يوم الخميس و تجمدتا تتأملني و كأنها تراني لأول مرة .

حتما هي الحلقة الجديدة من مسلسل هواجسي التي ترمي بي في كل مرة إلى مصعد يأخذني إلى قمة فرحتي التي لم يكن لها وجود .

عظيم جدا و مؤلم هذا الانقباض و الانبساط في أحاسيسي المنفردة .

و الانتظار الذي لا أريـد إنهاءه.

و الحب المستحيل الذي لا أرضى الخضوع لمشيئة استحالته .

و أيامي المتأهبة للاشتعال و السكون.

التعقل و الجنون .

و هــو ......

هو كان الوارد في حياتي و معه كان كل شيء وارد . 

 .. انهمكت الفترة الصباحية في العمل بترتيب ملف للانتباه ، لم أبرح الكرسي إلا لإعداد فنجان قهوة "Remix " و ناطق فأنا دائما أحب الأكل الناطق الذي تتعدد فيه الألوان و الأشكال مثل "قصعة من البركوكس" بالحمص و الفول الجاف و الفرماس – و هو مشمش مجفف- ثم يخفف تلك الحمرة التي أحدثتها الطماطم المصبرة  الفلفل الأخضر بنكهته الخاصة التي تتولد عندما يوضع بعد نضج الأكل في القدر و هو نيئ ثم يغطى القدر .. كذلك بالنسبة للقهوة .

         يصيبني الكسل عندما يقدم لي فنجان هادئ فيه سائل بني قاتم يسمونه قهوة ، فأنا لا أرضى إلا بفنجان تتقلب فيه تلك الرغوة المليئة بحبيبات البن غير المطحونة جيدا و كأني أريدها أن تشاركني اضطرابي و حزني الذي يتقلب كبحر هائج فأفضل دائما أن أعدها بنفسي .

أما لماذا أسميتها Remix " فلأني أعدها بخلط كل المواد : الماء و السكر و البن و حتى الفلفل الأسود المطحون ، فيشكلون مقاطع لمستحضر يتقلب فوق النار في " مغلاة " .

     بعد إعدادي لها عدت إلى مكاني أتابع عملي و أنا أنتظر حتى أذهب إلى المحكمة و أعود لأراه ، أو ربما اليوم ليراني و أنا في كامل أناقتي .

حتى الكلمات تَحِنُ لقائلها فحينما مدحني كل من رآني قائلا إني أبدو أنيقة .. صمتُ..

و كان في صمتي عدم استجابة لما قالوه فقد تذمرت و رفضت في داخلي أن أسمع هذه الجملة من سواه فهي ليست من حقهم .. ليسوا من يجب أن يقولونها ..

إنها حقوق طبع محفوظة له فقط .. هــو..

من قال لي يوم وصلتُ إلى قمة فرحتي التي رماني من أعلى شهقتها بعدها بأيام قليلة حينما ارتديت اللون البنفسجي :

-      إنك اليوم أنيقة جدا ..

شعرت بالخجل و الارتباك و تلعثم لساني و لم أجد ما أقوله له و كأنه  أجنبي فلم أتعود على الأسلوب الذي كان يجب على مخاطبته به .. و كأنه تحدث بلغة لم أفهمها .

أكملت عملي و قصدت المحكمة .. مررت من أمامه و لم أعلم أنه بالداخل.

و رآني و لم أره .

ظننت أن موعدي لم يحن بعد .

ركبت النقل و أنا أتلهف لأن أعود لموعدي .

أيها الحب الذي توارى تحت تراب الظلم الذي تلقيته منه .. أَسْرِعْ لإنجاز مسؤولياتك ،

فاللقاء ينتظر .....

الوهم ينتظر ......

و طلب الغفران ينتظر ......

غفران على ذنب لم أدر حتى ما هو حتى يتسنى لي تذييل عريضة  بطلبه .

أيتها الطريق أغمضي عينيك ،  و يا أيها الوقت لا تقف عندي لتغازلني .

دعِ المغازلة ليوم آخر فأنا على موعد.

و لكن الموعد انتحر كما انتحر قلبي من أعلى جسر صوته الذي هتف لي يوما قائلا :

-      يجب أن ننهي هذه الحكاية .

و لم ينس أن يكفنني كي لا يرى بصمات جريمته أحد و يكتشف أنه من ألقى بي للانتحار

فأَورَد :

-      و إذا شئت عدم المجيء فلا تأتي .

كيف لا يموت القلب بعدها .

كيف لا تدمع العين صوبها.

و كيف لليل ألا يسدل ستاره عليها لإنهائها .

هذه الحكـــاية ..

هذه الشعلة من الأحاسيس التي أفرطت في التوهج فاحترقت .

هذه السنبلة الخضراء من الخير التي أفرطت في العطاء فقطفت مبكرا .

في الطريق رأيت صديقه ، كنت أنظر للأمام حتى أراه يأتي صوبي فإذا بي أكتشف أنه كان ورائي .. يراني و لا أراه .

ربما لم أسمع صوت هاجسي جيدا حينما هتف لي بموعد اللقاء مساء فالموعد كان صباحا و كانت الخيبة التي غُرِست في حياتي تنضج يوما بعد يوم شاهدة على موتي .

         فأنا أنسى أنني قد مِتُ منذ أكثر من عمر فتذكرني و الذكرى تنفع المؤمنين .

الأحد السادس من أفريل.

بالقلب الميت الذي تأوه و هو يعلم أن الآه لن تسمع .

و بكى كثيرا بحرقة ليلة البارحة و هو على يقين أن العين لا يجب أن تدمع .

و وحده كان يُلْحِدُ ثم يؤمن و يخشع .

استقبلت صباحا على فاجعة .

فيوم تلقيت الطعنة منه لم أسمح للدموع أن تغير من جمالي و أناقتي و اليوم نظرت للمرآة فوجدت عينيَّ منتفختين ، اضطررت بعدها لغمس المنشفة في الماء الساخن و وضعها كمادة حتى ترتخيا و كان ذلك سببا في تأخري عن العمل و إذا بصوت الهاتف يرسل تلك الموسيقى التي اخترتها كرنة له و الخاصة بفيلم أحدث ضجة في قاعات السينما ، يقاوم فيه الحب كل أنواع العراقيل من المادة و الجاه و حتى غضب الطبيعة ، حينما أغرقت الأعاصير سفينة " التيتانيك" فغرق الطمع و طفا الحب و ظل خالدا في جسد امرأة ذهب ضحية حبها شاب لم يكن بحاجة إلى سنوات أو أشهر لتتولد تلك المحبة التي كانت ابنة التفاهم الروحي الملتقي في لحظة واحدة فقط .

فما أجهل من يتوهمون أن المحبة تلزمها المعاشرة الطويلة و المرافقة المستمرة لتتولد.

     مأخذي بهذه القصة أوهمني أني عند سماع موسيقاها تتردد كمنبه لهاتفي النقال سأعيش معها لحظة الحب التي خذلتني .

أفتح الهاتف لأجد الأستاذة تطلب مني البحث عن محضر عند أحد مكاتب المحضرين القضائيين للإسراع به و تقديمه قبل الثامنة و النصف لجلسة القضايا الاستعجالية فأجيبها :

-      طبعا سأفعل و سأمر على جميع المكاتب علني أجده عند أحدها .

في تلك اللحظة كان لباسي غير مكتمل و أنا لا أزال أحاول إخفاء ذلك العيب الذي نشأ لحظة أطلقتُ العنان لألمي بالتنفس خارج صدري و اغتساله بالدموع .

نظرت إلى الساعة ، إنها الثامنة إلا ربع .. كم يلزمني من الوقت لأصل إلى هذه المكاتب التي تبعد عنا أكثر من ثلاث كيلومترات ؟ فجأة ، أطفأت الآلة الحاسبة في رأسي و أسرعت بالخروج و قد علمت مسبقا أن نهاري بدأ على عجل و سأكون مضطرة فيه للإسراع .

كنت أفكر دائما في أن اضطراري الدائم للإسراع لقضاء حاجياتي هو أمر غريب فحينما أتباطأ يمر الوقت بسرعة دون فائدة أما بإسراعي فإن الوقت يستطيل و يكفي لقضائها .

قصدت جميع المكاتب فلم أجد هذا المحضر .. و ككل خيباتي تَحَـمَلَتْ قدماي الألم دون فائدة.

بعدها اتجهت إلى سوق " Remix " أو كما يسمى " الطْرَحْ " ففيه مجمع تجاري ضخم يستقطب الكثير من الناس تغريهم الأثمان البخسة  مقارنة بالحوانيت و " Les vétrines " و هو الظاهرة النادرة في التقاء كل ما يباع على الأرض دون الحاجة إلى استخراج سجل تجاري أو دفع الضرائب ..

ألم أقل إنها مدينة يحترف فيها الناس ضرب الأنظمة عرض الحائط و يتفننون في بيع كل شيء دفعة واحدة .

كانت هناك عربة لبيع التوابل ، فأن أحب انتقاءها على طبيعتها غير مطحونة و مخلطة و معرضة للغبار الذي يشتهي أجسادنا في كل ما يخصنا ، فهو يعلق بالأكل و الألبسة المعلقة و في الأواني و كل ما يباع في هذه المدينة المحترفة للخلط .

لم أدر كيف مر الوقت بسرعة لم يشدني في صباح هذا اليوم سوى تلك العجوز التي كانت جالسة مع أترابها و المحترفات أيضا لثقافة بيع كل شيء .

إنهن " الدَلالات " أو كما يحلو لي تسميتهن " نساء الأعمال" فقد توقفت عند هذه العربة التي تجردت من صفتها كمركبة سير و ألبسها صاحبها ثوب الدكان المتنقل جمع فيه كل أنواع التوابل و الأعشاب الطبية .

في الحقيقة أحببت مشاهدتها طويلا فقد ذكرتني في عربة " ساندبل " هذه الرسوم المتحركة التي كانت قلوبنا تخفق عند مشاهدتها في صغرنا .

قلت للولد المسؤول عن البيع :

-      ناولني " علْك الصْنَوبر " .

فسمعت عجوزا بجانبي تسأله عن ثمنه ، فأجابها : إنه بـ 30 دينار جزائري .

تسأله : قداش تْجي قيمة الثلثلاف هاذي ؟  ( بمعنى كم قيمة 30 دج) .

في الواقع .. في مثل هذه الحالات وزن هذه الأشياء هو ما يحدد قيمتها النقدية ، و لكننا في مدينة يقلب أصحابها الحديث و الأسئلة .

و بعد أن اشترينا أنا و هي " علك الصنوبر " و هو عشبة معلكة تستعمل للسعال الديكي كما خَبِرْتُ ذلك من جدتي التي أخذت منها هذا العلم في بعض الأعشاب التي تفيد بعضا من الأمراض، مررت بجانب نساء الأعمال " الدلالات " لأجد هذه العجوز التي كانت تشتري

" علك الصنوبر " من عربة " ساندبل " تقدمه لإحدى هذه العجائز قائلة لها :

-      أَرْحِيه مليح و ديريه في الزيت و اشربي ( أي اطحنيه و ضعيه في الزيت ) .

فاكتشفت ببديهتي الطبية أنها تعاني من السعال الديكي ، فرميت لها جملة هاربة من رفضها منهن :

-      ديريه في البيضة المشرشمة خِير ( أي ضعيه في البيضة المسلوقة أحسن ).

-      فنادتني : أرواحي يا بنيتي كيفاش قلتيلي ؟

فعدت إليها و نصحتها بأن تضعه بدل الملح في بيضة مسلوقة تأكلها على الريق صباحا ، فباركت نصيحتي و دعت لي بالخير هي و باقي العجائز و الهناء و قلن :

-      ربي يعطيك ما تمناي .

ما أتمنى .....

أتمناه هو ، أتمنى أن تُذَلل المسافات بيننا و يعود لي كما عرفته ، ثم تنهدت طويلا لأُذَكِر نفسي بأن لا  أعود لهواجسي .

في طريقي إلى المكتب اشتريت رغيفا مصنوعا من " السميد " و ليس من " الفرينة " فو شهي يؤكل دون عناء التفكير فيما يلازمه و عندما وصلت وجدت نفسي منهكة جدا من ذلك الطواف الذي قمت به في " الطْرَحْ " و كأنني أوؤدي مناسك الحج .

   فكرت قليلا : هل أذهب إلى ذلك المكان الذي يؤلمني ذهابي إليه و عدم ذهابي بالقدر نفسه ؟؟؟  

أم أختم هذا اليوم أيضا برتابة متوقعة ، كتلك التي لم تكن متوقعة بالأمس .

لا تزال الحسرة تتملكني على موعد الحب المنتحر .

و لم أكن أعلم أن هواجسي و طالما هي كذلك فهي تخطئ دائما ، فالموعد كان اليوم .. الحب كان على موعد بشكل آخر معي اليوم .

بخطى بطيئة عكس خطى البارحة توجهت إليه .

بحب قَبِل بدفنه و شاهد الخيبة على قبره دخل و لم يكن ينتظر شيء فلفرط انتظاره لم يعد ينتظر شيئا .

جلست كعادتي فتقدم مني و خاطبني عن شيء لا يهم .. لكنه حدثني و أنا التي أشتاق لكل ما يقول .

صوته .. موسيقى روحي المعذبة بألحانها.

حديثه .. الذي لم يكن فيه ما يعني لي شيئا .

نظراته .. التي كنت و لا أزال مأخوذة بلغزها .

عطره .. الذي جعلني أقصد كل يوم محل العطور و التجميل لأشاهده على الرف و أراه فيه.

كلماته .. التي كان يعتذر بها عما بدر منه رغم أنه لم يعتذر فهو لا يعلم أنه أخطأ بحقي .

و أنــا ...

أنا التي من المفروض أن جرحه و كلماته اللاذعة و القاسية التي رمت بي و قتلتني ألا أتجاوب معه و لو في حديث عادي .

لم أفكر ساعتها إلا أنه يقف أمامي و يحدثني مثل تلك الأيام التي خلت ، لم يطلب السماح و لم أكلفه عناء طلبه .

لم أحسسه أن هناك جملة قيلت لي ذات أحـدٍ بألا أراه .. و هل توقفت عن الذهاب لرؤيته ؟؟؟؟؟ إذن فما جدوى البحث في من أخطأ و من يسامح .

لماذا أتساءل عما تهدم إذا كان عمري كله قد هُـدِم ؟

و أخطاؤنا التي تأخذ وقتها في إصلاحها ، لماذا نتعجل في إصلاحها و نستميت في ذلك فما الذي سنضعه في مكانها ؟

خطأي كان أنت .. فجيعتي أنت .. و حياتي أنت .

فهل أتعجل لإصلاح خطيئتي في حبي لك ، أم أتعجل في مداواة فجيعتي ؟

أم تُراني أحاول إصلاح حياتي عند منعطف الدقيقة العشرين يوم ظننت أني امتلكتك و أصبح قلبك في يميني ، و لكن كيف لم أدرك أنك كَذَبْت ظني حين قلت لي و قد تلطخت يداك بالحبر :

-      أرأيتِ ؟          

- مشيرا إلى يدك التي تلطخت بالحبر-     

-      قلت لك : و أنا أيضا ، أُنْظُرْ ؟        

-      - مشيرة إلى يدي التي اعتززت بذلك الشرف في التحائها بالحبر الذي ناب عن دموعي .. عن آلامي .. عن أفراحي .. و عن خيباتي-

ظننت للحظة أنه يمكن أن تعتز بذلك فأنا و لحد تلك الدقائق كنت لا أزال على مطمعي في أنك نصفي الثاني و أنك تشبهني .

بل و أُخِذْتُ بقصة نسجتها بأيام مليئة بالتضاد بأنك الرجل الذي كنت أبحث عنه لأقيس نفسي به ، لكنك و ككل ما كان واردا منك قلت لي :

-      و ما ذنبي أنا ؟

-      ما ذنبك أنت؟ صـح.

أجبتك دون تفكير و قد كان الجواب الصحيح في عمر علاقتي بك .

و المنطق الصحيح الذي جاء على غفلة من تحايلي على المنطق .

و الجملة الصائبة التي هربت من سجن هوسي بك و تجردي من أنانيتي ضد نفسي .

و الكلمة التي قفزت لتقف بمواجهتي و تذكرني أني نسيت مصلحتي حينما أحببتك ، فقد علمت قبل اليوم أنني أحببتك كثيرا حينما اكتشفت أنني أتصرف ضد مصلحتي الشخصية .

أي قدَرٍ هذا الذي جعل هذه الجملة تقال في هذا التوقيت الرابعة و العشرون دقيقة مساءَ سبتٍ للثامن من مارس .. عيد المرأة ..

و هل كان طعم الأعياد عندي سوى تزامن لخيبات أكبر ، ففي ليلة رأس السنة أين تقام عند أكثر من بلد و لون و عرق احتفالات ليست سوى مناسبة لقول كلمات جميلة .

كأنها مسحة من يـد أمٍ انكبت على صغيرها بالضرب المبرح لأنه أخطأ ثم تعتذر له عن ألمه ، أو عن ألمها لضربه فهي تعلم أنها لم تقصد إيلامه ، و تدرك أيضا أنه قد يتناسى لكنه لن ينسى و هنا ستكون حكاية لمأساة بدأتها دون قصد.

    فربما بتعمد من يمجد ذكرى إيلامه للآخر قلت لي و قد قاربت السنة على نهايتها عند دقائقها الأخيرة  :

-      أنا آسف ، يجب أن تعلمي أنك لا تمتلكين من قلبي و لو واحد بالمائة .

و دائما تضيف بتوقيع المعتذر :

-      ليس ذنبي ، كان يجب أن تعلمي اليوم أو غدا .

أذكر أنني لم أبك ، لم أرد عليك ، كل ما قلته في قرارة نفسي : أو بالأمس .. كان يمكن أن أعلم هذا بالأمس القريب أو البعيد لا يهم ، المهم ليس اليوم .. ليس الليلة .

ليس عندما تطلب الأم الغفران من ابن عصاها .

و أنا التي لم أعصك ، لم أمنحك إلا الحب الكبير لمدة عام بكل ما كان يحمل من أحداث متفرقة، مضطربة ، مثيرة لتجربتي في التمرد و العصيان و محاولة خوض عالم التجارة التي فشلت فيها، في الواقع هي تجربة أخرى لا تقل أهمية عن تجربتي معك .

كنت قررت أن أصنع لنفسي اسما من أجلك .. من أجل أن تتباهى بي و أرى نفسي من خلال مدح الناس لاختيارك لي كحبيبة و زوجة .

يا لا غبائي .. يا لا حماقتي .. و يا لا فجيعتي في نفسي فمن أين استمديت أمل أن أكون شريكة حياتك .

و انتهت تجربتي بفشل ذريع كان مقدمة لفشلي في استكمال حلمي معك .

فالنهايات الفاشلة تتربص بنا عند الباب و بين الفينة و الأخرى تطل بِطَلَةٍ خفيفة لتعلمنا أنها مصيرنا  لكننا نضحك على أنفسنا متذرعين بل و متباهين بأنها لم تستطع فتح الباب علينا .

كانت الدقائق العشرون التي وصلتُ فيها إلى شهقة سعادتي . الرابعة و العشرون مساء السبت للثامن من مارس .

         و هل كان بلوغ الشهقات سوى بداية للهبوط منها ؟؟؟؟؟

كيف تناسيت أننا عندما نصل قمة السعادة ما الذي سنضعه مكان أيامنا القادمة .

قد وصلنا إلى الفرحة فلماذا نتعب أنفسنا في الجري و اللهاث مرة أخرى ؟؟ في تلك اللحظة تتحرك غريزة الإنسان فينا بأننا خلقنا للجري و اللهاث فنجد أنفسنا أمام خيارين :

إما التخلي عن الحياة بجمودنا عند قمة السعادة أو التخلي عنها و اختيار الحياة .

كان اليوم الموالي هو يوم النهاية الموعودة ، التي أطلت على نافذتي أكثر من مرة و لم أعِ ما كانت تقوله لي ، ربما لأنني أعاني من صمم جزئي .

الواحدة و العشرون .

و نظرات من عيون لها أكثر من لون زرعت فيا اضطراب كائن مجنون .

و لغة فهمتها من معرفتي بهذا السكون .

و عواصف تقلب المزاج الذي أغرق مركب حياتي المبــحر في الأوهام و الظنون .

هكذا كانت مكالمتك لي عند التاسعة و العشرين أنهيت بها كل الظنون و ألبستني سوادا و حدادا لأرملة لا تعلم إن كانت من وافتها المنية أو زوجها الكائن الموجود و الذي علق على معصمها سوارا لجلاد .. كانت مقدمة جَلْده حبر و مداد .

منذ ذلك التاريخ قررت أن أمجد خيبتي بالكتابة .. فالخيبة وحدها تكفي لولادة كاتب .

أردت لي نهاية بتاريخ الأعياد .

و لم تعلم أنك صنعت لي بداية بين الأمجاد .

على الأقل هناك من يمجدني و يحترمني و لم يشك يوما في عظمة روحي و اتساع قلبي و كبر حبي للخير .

إن النكبات تصنع الرجال .. و العواصف تجمع الرمال .

و قتلك لي كان ولادة لهذا المولود الذي يحاول الخروج إلى الحياة الأدبية بخجل ، فأنا أستحي أن أسميه كذلك أمام عظمة الآباء و الأمهات .

الاثنين السابع من أفريل .

خوفي من يوم أمس جعلني أخشى الذهاب اليوم فقد عودني أن أخشاه حينما يبادلني لحظات بسيطة في فرحتها ثم تسلحت بتشاؤم كمن يشرب بعضا من السم لجعله مضادا لسم قد يرتشفه في غفلة منه .

قصدت المكان الأبعد ، لكن الظرف حتم علي الاقتراب لأكون في الوسط ، و علمت مسبقا أن مسافة الحيرة بيننا قد تقلصت إلى الوسط .

رأيت القبر الذي دفن فيه قلبي بيديه و قد قام بنبشه من جديد بإرادته حين شاء بالأمس أن يوقظني نصف جالسة على أمل كاذب من جديد في إحيائي .

الشهداء لا يموتون ، أليس كذلك ؟ و أنا كنت شهيدة حبه .

الفرق أنني استشهدت لأجله و بيديه .

اقترب مني و الروح العالقة به تستيقظ .

حضوره الذي ينسيني كل حضور يربكني .. يحيرني .. في لحظة من غيابي عن الزمان و المكان اللذان يحتوياني إلى زمانه و مكانه البعيدين عن عالمي ، أجد يده تمر من أمامي كنجم هارب مضيء تشعل في قلبي نار الشوق .. تجعل عيناي تغرورقان رغبة في البكاء لأني تمنيت أن أخطف هذه اليد و أحتضنها علها تعيد الحياة إلى القلب الذي مات .

تنحيت قليلا في وقت كان يجب فيه أن أقترب أكثر و نظرت إليه في حديث معه فوجدت نظراته أقرب إلى عيني من عيني .

تمنيت لو طال نظري إليه ، لكني خشيت أن أعود إلى حكايتي .. هاجسي .. و خيبتي بإعادة نسجها من جديد .

سحبت كرسي قليلا - ليس هروبا منه – بل شوقا إليه ، فقد تمنيت لحظتها أن يقترب أكثر ، لكني تذكرت أنني لا أزال في منتصف القبر قد يعيدني إليه في أي لحظة .

    أيها الحب المتعب .. ما ذنبك في تقلب مزاجنا .

    أيتها الروح المسافرة إلى الأمل رغم خيباتها في كل مرة .. ما عساك تقاومين و قد أنهكت قواك.

   أيها الشوق الذي لهث كثيرا و أعد الحلوى و قدم الهدايا و تدخل في كل صغيرة و كبيرة ليقال له في الأخير :

لم يحدث كل فعلته اهتزازا في قسوتي عليك ، فما جدوى استعطافك ؟

ما جدوى استرسال هذا البصيص من الأمل في العودة إلى الحياة و قد مِتَ على يده منذ أكثر من عمر .

و اليوم من منا حاضرا و من غاب ؟؟؟

أتُراها روحي التي تعلقت بك يوم القتل المشهود ؟؟ أم شوقي الذي قفز خارج حدود المقبرة متسللا بين زفرات الموتى على يد المحبين ؟؟

أيها النائمون تحت أغطية الفشل العاطفي ، تتوهمون أنكم شهداء الحب ؟ لكن الشهداء لا يموتون و أنتم رضيتم بسكرتكم الأخيرة .

    يكاد شوقي ألا يُسْمع ، رغم أن خطاه لم تكن صامتة بل كانت صاخبة بحذائها الذي ضرب ذلك الرصيف دائما ذهابا إليك  .. أنت أيضا لم تسمع وقع أقدامي بقدومها إليك فما حاجتي للمزيد.

أو كما لم أتوقع من خُطواتي يومها أنها البداية للمزيد .

يومها كتبت قصيدة عمودية مطلعها :  ما حاجتي للمزيد ..

إن لم تسمع وقع أقدامي بقدومها إليك .. فما حاجتي للمزيد

إن لم تدرك أن كل ما يخصني أصبح يحتاج إليك .. فما حاجتي للمزيد

إن كانت حجتي لرؤياك لم تستهويك .. فما حاجتي للمزيد

إن لم تحس أن أيامي أصبحت مني و إليك .. فما حاجتي للمزيد

إن لم تبصر أن في عيني لا صورة إلا لعينيك .. فما حاجتي للمزيد

و إن لم تفهم أني ألغيت كل من حولي و وضعتهم فيك .. فما حاجتي للمزيد

فإن لم تعلم .. و تدرك .. و تبصر كل ما مني إليك .. فما حاجتي للمزيد

///

فقد حكمت على قلبي بالعذاب و الأحزان .. فهل من مزيد ؟

و أسَلْتَ دمعي كجاثم على أطلال أوطان .. فهل من مزيد ؟

و ذبحت قلبا أذنب حين أطلق للحب العنان .. فهل من مزيد ؟

و دفنت أيامي بخيبة كموت جنين .. فهل من مزيد ؟

///

سيدي : يا فرحة طرقت بابي فظننتها عيد . كفى لا مزيد

فقد علمت أنك لم تحس بقلبي ماذا يريد .. فكفى لا مزيد

و سأترك قلبي الوحيد دائما وحيد .. فقد سئمت المزيد 

 

 تفضل ، هذه قصيدة اقرأها و قل لي ما رأيك فيها ؟

كان الأصل أن أقول : تفضل هذه رسالة اعتراف بالحب ما ردك عليها ؟

و هل كان اعترافي المبكر بالحب اتجاهك سوى بداية لاعترافات متواصلة بالهزيمة .. بالألم .. بالتشرد .. بالحيرة .. و بلغز هائل كان أنت .

لم تقل إنك لا تتذوق الأدب أو رفضت استلامها لأنك كنت تعلم أنها رسالة إليك ، و أنا لم أكن بحاجة إلى معرفة أو سماع ردك فقد عُقِد لسانك عندما أردت الاعتراف بإعجابك بها أو بالأحرى الاعتراف بإعجابك بي ، فكان كلامك عبارة عن ضحكات متقطعة .

السبت الثاني عشر من أفريل.

    جلست ، بدأت في البحث عن موضوع و بعد أن وجدته ضاع مني بسبب خلل في الجهاز ، ناديته و اشتكيت له ما حدث فقال لي :

-  الشَــهْ .(أي جزاء لك )

" الشه " ما أجملها .. ليته قالها أكثر من مرة ، ليته تركها تتمتع بمعناها ، لكنه سحبها و انصرف هاربا فهو يعلم أن هذه الكلمة تقال بين المتقاربين للإغاظة لا أكثر.

يا قاتل كل المعاني الجميلة لماذا تصر على العقاب ، شكلك و صوتك و تهذيبك و " اضْرافْتك " لم يوحوا بأنك تتمتع بكل هذا القدر من القسوة .

لم أكن بحاجة إلى أكثر من هذه الكلمة لأتأكد من أنك تخفي في صدرك المليء بالجراح .. بالألم .. بالفوضى .. حبا أخفيته دائما و في كل منعطف اعتراف يرغمك عليه كنت تتفنن في تعذيبي.

" الشه " فضحتك ، أَغْرَتْ  كبرياءك في أنها كلمة تأنيب و لا علاقة لها بالاعتراف بالحب .

لو تعلم سيدي أن هذه " الشه " هي الغضب الكامن في صدرك من فقداني و فقدان نكهة وجودي في حياتك .

لم أعد بحاجة إلى تذكير نفسي بأنها هواجسي ، فالمسلسل قد بُدِئ و لابد من حلقاته أن تحمل أحداثا جديدة .

قالها ثم لاحظ ما اعتراني من أمل فانسحب و اتجه إلى قارورة تنظيف الزجاج و حمل قطعة من جريدة صب فيها اضطرابه و راح ينظف زجاج الباب .

أكان زجاج الباب أولى بتلك المداعبة الجارفة منك ؟

أكان في تنظيفك له متعة أسهل من اعتذار بسيط ؟

لماذا رحت توليه كل اهتمامك و تهمل وجودي ؟

 أم تُراه وجودي الزارع في أعماقك كل هذا الاضطراب غير المعترف  به .

الثلاثاء الخامس عشر من أفريل .

تُرى ، هل تغير الأحزان الإنسان ؟ تُقسي قلبه أو تجعله رخوا قابلا لعلل أكثر .

     تَصِلُني قناعة عبر بريد الذكرى السيئة التي توقفت عند بابي يومها أن حياتي من دونك أفضل ، و علي أن أختارها .. من دون تعب أعصاب تتفـنـن في تغيير نمطه كل فرصة يمنحك إياها كبرياؤك الهادم لك و للحب .

فهو يعمي بصيرتك .. يحاول إغشاء نور قلبك الذي أضيء بالحب .. يقف حائلا بينك و بين شعور ولد معك من رحم أمك و كبر في أحضانها و بين إخوة و أهل كان التفاهم المشترك بينهم يغذيه الحب  .. فلماذا تنساق وراء غرورك .

تفضحك حواسك دائما سيدي ، عيناك تبحثان بين الجالسين عن شيء ما .. عن شخص ما .. فهل أكون أنا ؟

أذكر أنك كنت تدخل القاعة متعمدا الوصول إلى نهايتها عندما لا أصادفك في بدايتها متحججا برداءة باقي الأجهزة .

كان الفرح يكاد ينطق لفرط عدم تصديقي في أني أعنيك بهذا القدر ، هل كذب قلبي علي كل هذه المدة ؟ أَوَلَم يستطع التمييز بين الصح و الخطأ في أكثر من موقف ؟

من كان يكذب ؟ عيناك أم عيناي ؟

أهي تلك العيون التي رأيت فيها ولع مجنون و كانت بلون واحد حمل كل التناقضات ؟ أم عيناي اللتان يتغير لونهما مع كل لباس و لكنهما لم تحملا سوى نظرة حب واحد و قد توهمتا أنك رأيته و واريته عن الضياع .. لكنك أطفأت علي نور السلام و لأيام طويلة لم تبصرا سوى الحزن و الألم .

إن الأم تحس بما يجول في خاطر ابنها دون حاجتها لسؤاله ، وحبك كان ابن روحي التي أصابها العقم طويلا فأنجبته و أفرطت في الإحساس به و تدليله .. لذا لا يمكن أن يكون كل ما أحسسته كذبا .

أم تُـراه تدليلي المفرط من أَعْمى بصري .

الأربعاء السادس عشر من أفريل .

دخلت فوجدته متقوقعا في كرسيه يكاد الحزن ينطق من عينيه .

شحوب يكسو وجهه لم أعهده به منذ عرفته .

تعب يكاد يجره إلى النوم و هو يمشي .

أي فاجعة أَلَمت بك جعلتك تكابد كل هذا الحزن المتواري وراء ابتسامتك المصطنعة ؟ حزن ينسيني أحزاني التي كنت أنت سببها .

   يلغي ذاك الشعور الواجب التحافي به اتجاهك و هو كرهك .. و أنت من تتفَنَن في تذويقي طعم العذاب و الحزن في كل مناسبة .

متعب أنت يثقل كاهلك ألمٌ مـا .....

تمنيت معرفة ما يخدش روحك من وجع ، ليتني أعرف هويته كي أدعوه إلى روحي فقد تَعَودَتْ على الألم .

سيدي : إنك تشتاق إلي .. إلى وجودي الذي أحدث زلزالا في حياتك الرتيبة فقد جعلتك محور اهتمامي لأجعل من نفسي محور حياتك .. و هنا سِرُ ألمنا نحن الاثنين .

   منذ أن تعرفت عليه أحطته بعناية فائقة ، فقد اهتممت بما يلبس و ما يشرب و كنت أصنع الحلوى على الساعة الرابعة صباحا أيام الشتاء المتكور تحت أغطيته من لا يحسون بطعم الحب الذي كان معناه عندي العطاء و السخاء .

كنت أسأل عنه كل يوم  و كل ساعة  .

كان طبخي يعجبه حتى أنه قال لي مرة :

-      اتضح بأنك " حُرَه "  (أي سيدة منزل)

و لم يعلم أن اللذة التي كان يجدها في طعامي مصدرها الحب لأنني كنت أصنع له كل شيء بمنتهى الحب .

و بعد أن أَلِفَنِي و أَلِفَ وجودي شعر أنه لم يعد حُرا كما كان فطبيعته التي ترفض التقيد بأي شيء وجدت نفسها مختنقة بطوق من الحب و الحنان فأراد التمرد ليعود حرا كما كان لكنه وجد أن الوقت قد فات .

وجد نفسه محاصرا بضمير و قلب خفق داخله ليطلب منه الاعتراف بالحب .

و الاعتراف بالحب عنده كان أكبر الكبائر .

و من هنا تملكته السادية فقد أراد أن يضمن حبي له الدائم لأنه كهؤلاء الجهلة بأعماق المرأة يتوهمون أن الاعتراف بالحب لامرأة هو بداية الانكسار و بالمقابل لها فهو بداية الانتصار .. و طالما انتصرت فستبحث عن فريسة أخرى للإطاحة بها ثم تولي مدبرة .

هكذا سمعت عن تفكير بعض الرجال و الحقيقة أنه واقع ملموس فهناك من النساء من كان تأثيرهن السيئ على العاطفة النقية أوصلن أخريات إلى هذا المصير .

السبت الثالث من ماي .

حينما قلت مرة أن الروتين يقتلني ربما كنت كاذبة ، أو ربما لم أقصد روتين هذا العذاب اللذيذ ، فأنا أنتظر و في نفس المكان أن يفتح الباب ليدخل هو ككل يوم .

-   لم يأت بعد ، ربما حدث له كرب ما جعله يتأخر أو ربما لن يأت مطلقا – هكذا بدأت الأفكار تراودني و القلق يبدأ في أخذ نصيبه من أعصابي –

جاء أخيرا ...

عادت الابتسامة تكسو محياه و اللااهتمام المبتذل و غير الحقيقي يكسو جلستي فأنا أتحرق لرؤيته بشوق لا يضاهيه شوق سنوات انتظار رغم أني أراه كل يوم .

أحس أني أريد الغوص في عينيه لأعرف ما إذا كان الشوق الذي يعتريني يسكن عينيه و يحس به أم لا ، فوجدت حيلة لاقترابه مني :

-      من فضلك ، كيف السبيل لفك هذا المشكل في الجهاز .

يقترب مني .. يضع يده على الجهاز ليعالج المشكل فيطول به البقاء و في لحظة وجدته يضع يده على الكرسي يحيطني بها .

أحسست أنها تلامسني رغم بعدها عني .. يتكهرب جسدي و أحسد هذا الجماد الذي أجلس عليه من شرف ملامسته له و أتمنى لو أن تلك الدقائق التي لا يحـدث فيــها شــيء أن تطول و تطول كي أختزن رائحته فتؤنس وحدتي عند غيابه الحاضر في روحي .

من العجب أن أتمسك برائحة و حضور غير فعال و أعتبرهما لحظات زمنية للحب المستحيل .

  بعد مغادرته نهضت من مكاني و اتجهت نحوه و وقفت على بعد حيرة من الزمن فبادر قائلا :

-      هاتفتك تلك الليلة كي أخبرك أن المباراة بالثلاثاء و ليس بالأربعاء .

شعرت بقلبي يخفق و بغبطة ملأت صدري الذي اتسع دائما لصدماته و آلامه و كان دائما لديه المزيد لاحتواء كل ما يصدر منه و أجبته :

-      عذرا .. أعتذر حقا فقد خلدت للنوم .

    هكذا كانت إبادة ظلم الحيرة المعلنة علينا ، فقد تملكه غضب شديد بعد أن خرجت غاضبة أنا بدوري يوم الأربعاء حينما خيل لي أنه يحادث فتاة .

كان يتكلم بلباقة متناهية و مع كل انقطاع للاتصال يليه تأسف و اعتذار شديدين .

لم أستطع يومها تمالك نفسي و لا الإمساك بلجام غيرتي فخرجت و قد سحبت الباب بقوة لأعلن له عن غضبي .

    تتأوه الحيرة بيننا في بعض الأحيان فهي لا تعرف لمن تنحاز و أي قلب ظالم و أي قلب وقع عليه حكم الظلم .

و رسائل النغمات بيننا تخترق صمتنا الطويل الثائر تحت شيء لا أدرك معناه في معاملة هذا الرجل لي ..

    فقد كان ذنبي أني أحببت رجلا مضطرب الكيان متقلب المزاج و الأسوأ أنه مترفع متكبر عن أحاسيسه التي تندد و تطالب بحريتها .

أسترق النظر إليه و هو منشغل مع أنني أكاد أجزم أنه بدوره يسترق النظر إلي و في كل مرة أراقبه أدرك كم هي صعبة حياتي دون وجوده فيها .

        شعرت أنه أصبح أقرب و أن تلك الأيام التي ابتعد فيها عني قد ولت و لكن .. لم أترك خيوط الفرحة تتسرب من جديد إلي لأني تعلمت من تجربتي معه أنه سيقلب صحن الصفاء بيننا في أي لحظة كمن تلسعه حرارة الطعام فيسكبه و لا يهمه إن أحرق من أمامه و بمفهوم آخر أصبحت أعي مع من أتعامل .

     الساعة الثامنة  و العشرون ليلا ، و بعد فصل شتاء جاف و بداية لربيع استلم فيه الغبار صورة العشب الأخضر الذي من المفروض أن يغطي الطبيعة ، تلبدت السماء بالغيوم على غير عادتها و بعد إنهائنا لوجبة العشاء سمعنا زخات مطر سرعان ما اشتدت و فجأة قصف الرعد فأسرعنا نحو ساحة المنزل " الحوش " لنتأكد أن الذي سمعناه حقيقة فإذا به شتاء زائر دون استئذان .   

بدأت مشاعري تلتهب و تتصارع لتعيد شريط الذكرى أمامي .

 ذكرى المطر و الرعد الذي حل يوما ما من الشتاء الماضي .

عندما غمرني دفء و حميمية هذا  الجو وقفت عند النافذة أطل على الشارع و أنا أدعو الله أن يسمع ندائي و يجمعني به في بيت واحد فقد سمعت أن هذا الجو يكثر فيه الدعاء المستجاب .

   تمنيت أن يسمعني و يعلم أنني أتضرع إلى الله بهذا الدعاء فما كان مني إلا أن أرسلت له رسالة قصيرة أحثه فيها على الدعاء في هذا الطقس ، و قبل أن أستكمل ذكراي انقطعت الكهرباء ثم سمعنا ضربات على النافذة فإذا به " البَرَدْ " يسقط .

انتابني خوف و هلع كبيرين فقد تصورت أنه في طريق العودة إلى البيت و راحت الأحاسيس تتصارع من جديد بداخلي و شعرت أنه لابد من السؤال عنه و أرسلت رسالة أعلمه فيها فقط أن كل ما أتمناه أن يكون بخير و عافية .

بعد تلك الليلة الماطرة هبت نسمات باردة لم تزد مشاعري إلا تحسرا بذكرى شتاء الحب الــوهــمي .

تكررت زيارة المطر إلينا بعدها بأيام عدة حتى خلنا الفصول تغيرت و لم أنتبه لحظة أن هذا الاضطراب المناخي هو رسالة لي ، فحياتي مع هذا الرجل جمع من الفصول .

      في بعض الأحيان أحس أنه يتمنى لو يضعني في عينيه بتلك النظرة المبتسمة التي سحرتني و ذلك الحوار الذي أصبحت أشتهيه .

أذكر أنه في بداية تعرفي عليه كنت أجلس إليه دون قصد الجلوس فنتحاور و نتحدث بكل  بساطة و تلقائية و كانت أفكاره تطابق أفكاري فيبدأ الحديث ليجدني أكمله و أطرح فكرة فأجده يواصلها .

كنا نتحدث عن كل شيء : عن أصدقائه ، عن أصدقائي ، عن ذوقنا المشترك ، عن الرياضة و عن فريقه المفضل .. وجدتني أرى صورة مناسخة لي حتى أغراني الحلم ....

(( بيت بسيط و أنيق أناقتنا المشتركة و ذوقنا المتشابه .. و أولاد متخلقين ناشئين على أسس تربية صحيحة بذكاء خارق موروث عن والدين أذكياء .. و أب متفهم يحب الأطفال .. و أم حلمها أن تنجب أبناء تصادقهم فتسمع لحكاياتهم و تعلمهم الحب و الصدق و الشجاعة ، تعلمهم كيف يندمجون في المجتمع الصعب )).

هكذا طار بي الحلم بعيدا حتى أفقتُ و أنا واقفة وحدي يطاردني الندم و يحيط بي الألم.

   و أحيانا أخرى يرمقني بنظرات ازدراء لا تكون إلا من نصيب المذنبين فأتساءل ألف مرة في ثوان قليلة : تُرى ما الذي أذنبته ؟ و يقفز بي تساؤلي إلى شريط ذكرى آخر .

إنها الأكثر إيلاما فلحد الآن لم أعرف سبب تصرفه و قسوته معي .

الأحد الفاتح من حزيران .

الأيام تتلو بعضها و كل ما حولي يتغير ليقترب يوم ميلاده و لكن.. ذكرى ميلاده الفارطة لم تكن كذكرى ميلاده القادمة .

بين حزيران الفائت و حزيران الحالي هناك رواية خطها القدر .

و في لحظة ظننت أنه وزع الأدوار فيها كلٌ و ما يستحقه .

لكنه أجحف بحقي و ألبسني جميع الأدوار و كم كان الحمل ثقيلا .

بين حزيران الماضي و حزيران الآني ظننت أنني سأستطيع التخلص من شعور أرهق كاهلي ..

قتل الفرحة داخلي ..

أبكى عيوني و حطم فؤادي ..

ألبسني ثوب حداد في منعطف كل لحظة أشعر فيها بقليل من الأمل  .

أمل رسمت لوحته لوحدي و نسجت خيوط حكايته أيضا لوحدي .

بين حزيران العام الماضي و حزيران هذا العام تخليت عن كثير من الأشياء و لفت عجلة اللاتوازن بي .. دخت أكثر من ثلاثمائة و ستون دوخة حتى اهتزت ثقتي بنفسي .

و لكن .. لم أتخل عن هذا الشعور الهادم لي للأسف – و يا لا أسف لا يفيد في شيء – و لم استطع التخلي عنه .

قبل حزيران الماضي حبلت بولد اسمه " أنت " .

و بعد حزيران وضعت مولودي الذي أسميته " حبك أنت " .

لذا لم أستطع التخلي عن ولدي مهما فعل ، رغم جحوده .. و إيلامه لي و ما أوجع إيلامه، رغم علمي أنه لن يبادلني الخير أو يعترف به – كما قال :

-      تُرى هل سيكون هناك من يعترف بما تفعلينه من خير ؟

و رغم علمي بذلك فقد واصلت في حبي لك .

أحطت حبي بالرعاية لأنه ولدي .

صدقت في شعوري اتجاهه لأنه ولدي .

تحملت قسوته علي لأنه ولدي .

لأن عقم مشاعري أشهاني في أن أنجب حبا عظيما أعطيه كل ما أملك ، فيالا خيبة رحمي من ولد أنجب.

و الآن ، ما تراك فاعل بي يا ولدي ، اقترب عيد ميلادك فهل أهديك هدية أم أنك سترفضها فقد أصبحت تشتهي رفض الأشياء مني .

أم أتجاهل هذه الذكرى و أتناساها فأنا لم أنسها و لكنه تحاشٍ لموقف آخر فيه إيلام أكبر ، فذكرى ميلادك هي ذكرى ولادة حبي .

و تذكرت .. و تفطنت أو بالأحرى فطنت .. و علمت مسبقا أنك ستجرحني .

تعلم لماذا ؟؟؟

لأنك تعودت أن تمجد إيلامي بتاريخ الأعياد.

ها قد جاء اليوم الذي انتظرته .. ذكرى ميلاد ولدي .. رأيته فوجدته يوزع الابتسامات على الجميع و فجأة .. بعد دقائق قليلة تغيرت ملامح وجهه و أصبح متجهما .

ناديته :

-      عيدن ميلادن سعيدن أولا . (  ضحك ، ربما شد النون ما جعله يضحك ) .

-      شكرا جزيلا .

-      ما بك ؟

-      لا شيء .

-      أرجوك ، قل لي ما بك .

-      أقسم أنه لا يوجد شيء .

-      إذن .. إذا أعطيتك هدية صغيرة هل ستقبلها ؟

-      لا ، شكرا جزيلا.

-      ماذا ؟؟!!!! لماذا ؟؟؟

-      اعتبري و كأنها وصلت .

الثانية عشر و عشرون دقيقة من صباح الخميس من حزيران ..

كانت آخر الدقائق العشرون بعد الساعة التي أفاضت كأس صبري ، صبر كان أولى بي أن أهدر طاقته في شيء آخر .

و دارت عجلة الأحداث أمامي .. و اصطفت تواريخ الأعياد أمامي .

تحدثني .. تحاورني .. تؤنبني على تكديسها في خزانة نسياني أو تناسِيَ .

كنت لحظتها أستمع لأغنية " تعيا و تندم " فهل سيكون مصيره الندم ؟؟؟؟؟

أما أنا .. أما قلبي .. أما روحي .. و أما رحمي فقد تجرعت كأس المرارة حتى الثمالة .. لكنها لم تندم ..

بقيت واجمة في مكاني تخنقني الدموع فهي تريد الانطلاق و صبرت ، مُذْ عرفته و الصبر لغتي ، فهل آن الأوان لأغير لغتي ؟

مذ أحببته تجردت من المنطق .. فأي نعت هو لي .

مركبي تكسرت .. و الإبحار لم يعد أمنيتي ..

وحده الزمن من دلني على الصواب فقد فقدت صوابي عند منعطف الدقيقة العشرين .

و هكـــذا ....

صار هو هو .. و صرت أنــا أنا .

عدت إلى السكينة .. سكينة كاذبة لكنها عجزت و استسلمت .

لم استحق منه كل هذه القسوة .. قسوة جرفت معها سيل من العذاب الذي أحاط بي ، فهل كان هذا جزائي لأني قبلت بدعوة الحب الخاطئة عنوانها .

أدركت اليوم ما معنى أن تنقضي آجال التذاكر ، فقد لبست الوقت تذكرة يوما ما لذا لم أبرح مكاني .

و كل ما كان هو مجرد حلم وارد .........

سافر الصمت داخلي ..

و سافر الحزن داخلي ..

و سافرت لهفة قلبي الخافق للحب داخلي فقد أخفق ....

كانت كل الحكايات متقاربات.. متباعدات .. لا يهم .

فحكايتي قفزت خارج حدود البدايات لذا لم تكن لها نهاية .

ظلت هكذا عارية في زمن اكتساء الصخور بالحنان بدل الإنسان .. و التحافه بالقسوة و الحرمان .

نهضت من مكاني و اتجهت إليه ، لأراه و أودعه ، ليس لأني لن أرَه  ثانية .

بل هي روحي التي ستسافر من جسدي إلى القبر الذي وارى فيه قلبي يوم القتل المشهود .

ستستسلم للسكينة الأبدية فهي كانت تعود إليه رغم كل شيء .

ينتفي من ذاكرتها كل شيء إلا هو .

كنت أراه بعد كل ألم يعتريني بين عيني .

يحيط بي صوته .. يحتويني عطره .

لا أعلم لماذا ؟ لكن ربما لأني لم أكن أبكي عندها .

خرجت و اكتسى محياي بالدموع .. دموع الهزيمة فقد خسرت الرهان مع الزمن .

نظرت حولي فلم أجده ..

إلى المدى البعيد .....

إلى استطالة الشارع فلم أجده ....

كانت الساعة قاربت الواحدة و العشرين حين وجدت نفسي أقطع الطريق الرئيسية لتنشق حكايتي إلى شطرين فاكتملت ..

حينما انقسمنا اكتملنا .

حكايتي و أنا .. أنا و هو .. هو و حيرته .. حيرته و خيبتي .. خيبتي و ندمه .. ندمه الوارد و غير الوارد ..

لم يعد مهما فقد شعرت معه بالاغتراب و الآن افترقنا و أنا أمامه مصلوبة .

اقتربنا فقد تقاربت قناعتنا بأننا منذ التقينا .....  

يومها بالذات كنا قد افترقنا ..............

لذا فكل ما كان بعد ذلك ليس سوى وهم سكن روحي .. و روحي عبرت خارج حدود الزمان و المكان .

يا حزيران العام القادم .. كيف ستكون دون حكايتي .. دون زفراتي .. دون ولدي ؟..........

ولدي الذي لن أستطيع الكتابة إليه بإهداءٍ و كلمات و تمنيات بالعافية و السعادة و النجاح فقد اختار طريقه ..

و أنــا ..

لحد تدوين هذه الكلمات لا يزال اختياري معدوما من دونه .

لم أعد أريد شيئا فهو لم يترك لي شيء أتمناه ، قال لي :

-      إن أنا قبلت الهدية فستحسبين ذلك معنى لشيء .

حتى الأشياء لها معنى ، إلا حكايتي معه لم أدرك معناها مطلقا .

تمنيت و أنا أغادره أن أقول له :

أذكرني بالخير و تذكر أني آثرتك على نفسي و انتقصت من حقها علي . . فقط لأني ظننت أنك من كان ينتظرني على الشاطئ الآخر حينما أبحرت بمركبي .

مركبي لم تبحر ..  فلا مزيد .

في حزيران الماضي قلت لك :

- سأنسحب من حياتك .  – و لم أنسحب –

قلت لي ساعتها :

-      أتركي الأمور تسير على طبيعتها و دعك من حكاية الغياب هذه و كل شيء بالمكتوب.

في حزيران اليوم لن أقول شيئا فروحي لم يعد بإمكانها الانسحاب أو البقاء لأنها و بكل بساطة غادرت جسدي ، لذا لن أقول شيئا .

فقط سيأتي يوم لن تجدني فيه أمامك و لن يكون هناك مناوشات .. لا حديث .. لا اهتمامات ..

و لن يكون هناك في الأعياد عبارات .. و لا إيلام مقيد بالذكريات .

    ببساطة لن يكون هناك المزيد من الخيبات ..

تمت بعون الله في الثاني عشر من حزيران 2008 .

تعقيب

أختي الكريمة آسيا بو فنار

أنت تملكين نفسا روائيا رومنسيا مبهرا تخالطه نفحات فلسفية

و تملكين لغة قوية مكينة

كما أن إدخالك الشعر في قلب النص السردي كان موفقا

و لكن الرواية تتميز بكثرة الشخوص و الأحداث

و روايتك ليس فيها غير شخص واحد هو الراوي

و شخص افتراضي هو من يتحدث عنه الرواي

و حدث واحد ، هو هذا الحب المعذب من طرف واحد

و لكن هذا لا ينقص من قيمة " الوارد "

أشد على يدك مهنئا

متمنيا لك دوام التوفيق و التألق

مع شكري الجزيل لثقتك الغالية بي

نزار