

دراسة : جاسم محمد صالح


لنكن
واقعيين
في معرفة (مفهوم الكتابة للاطفال ) وماذا تعني ؟ الكتابة للاطفال ليست متعة
نمارسها ولا هواية نقضي بها وقتنا إنها مسؤولية خطيرة تجاه قطاع كبير من
أبنائنا الاطفال حيث أن الغرب الاستعماري ومن خلال ما يمتلك من وسائل الاعلام
المتقدم يتفنن في تجميل وتحسين صورته الكالحة ومحاولة إيصال تجربته الاجتماعية
إلى عقلية الطفل العربي كأجمل ما تكون من خلال عرض صورة وسلوك الابطال الذين هم
من نتاج وثقافة المجتمع الغربي المتصارع على المكاسب والمصالح المادية البحتة
وجعل هذا النجاح حلما يرواد كل طفل عربي فنراه يحاول ان يقلدها في سلوكه
وتصرفه ونظرتها إلى الاشياء وفي النهاية يجد طفلنا العربي نفسه ومن دون ان
يدري مقلدا للنماذج الغربية مثل : ( بات مان ) و(كرايندايسر) و(الرجل الحديدي)
و(ميكي ماوس) و(تان تان) و(الرجل الدودة) يقلدهم في كل شيء حتى في طريقة
التعامل مع الاخرين وهنا يكن الخطر الكبير الذي يمارسونه في وقت مبكر من حياتهم
ويصير من الصعب إزالته من أذهانهم ومن طرق تفكيرهم المختلفة حتى ولو بذلت جهود
استثنائية لمحاربة هذه المفاهيم الضارة والتصورات الغريبة وإزالتها من
أذهانهم .
الخطأ الذي يعيشه كتاب أدب الطفل في وطننا العربي هو ان هؤلاء الكتاب أنفسهم
تشبعوا بصورة وطريقة عرض أدب الطفل الغربي وحاولوا ان يقلدوا ذلك النوع من
الادب تقليدا أعمى غير منتبهين الى أنهم وقعوا في الفخ الغربي الذي نُصب لهم
وهم أيضا باتوا يُوقعون ألاطفال في ذلك الفخ الذي هم وقعوا فيه وكانّ هوية
الادب الذي يكتبونه ويقدمونه لابنائهم الصغار لا تعنيهم حيث اقتصر جهدهم على
الاعم الاغلب على التسلية والامتاع والفكاهة وقضاء الوقت لمجرد قضاء الوقت ولم
ينتبهوا الى كثير من النقاط الحيوية والتي من أهمها :
1-ان
طفلنا العربي يقرأ في الوقت الحاضر أدبا كتبه كتاب عرب ولكن هذا الادب على
العموم خال من الهوية الوطنية والقومية حيث انه لا توجد أية صلة من قريب او
من بعيد تربطه بهذا الادب من حيث البيئة والمكان والاحداث والشخوص والمعاني
أنا شخصيا اقدر سعي الجيل الاول من كتاب أدب الطفل من أمثال:( احمد شوقي ) , (
كامل الكيلاني ), ( علال الفاسي),( محمد سعيد العريان ), ( عبد الحميد جودة
السحار), (محمد الهراوي) الذين تأثروا بالادب الغربي في وقت مبكر فقلدوه
ونقلوه نقلا حرفيا وفي أحيان قليلة أضافوا إليه إضافات ضئيلة وعموما يكاد ينحصر
دورهم في النقل الحرفي المباشر والتعريف والريادة.
2-
كان أدبنا العربي خاليا منه وفق المقاييس الغربية الحديثة من حيث التوجه
التربوي والبناء الفكري والاجتماعي للطفل مستثنيا في كلامي هذا بعض كتابات
المفكرين العرب من حاملي لواء الوطنية ومحاربة الاستعمار والصهيونية ومن دعاة
التحرر القومي العربي لكن هؤلاء المفكرين وان كانت نواياهم صادقة و لهم رغبة
حقيقية في تنوير عقلية الطفل العربي بتوجهاتهم الوطنية إلا ان كتاباتهم كانت :
أولا : قليلة ولا تفي بالغرض المطلوب من الاحتياجات التربوية والثقافية للطفل .
ثانيا : من الناحية الفنية دون المستوى المطلوب كمّا ونوعا .
ثالثا : غير متواصلة .
رابعا : خلوها من منهج فكري واضح يستطيع الطفل ان يفهمه ويتأثر به حاضرا او
مستقبلا ويكون له مرجعا سلوكيا وتربويا .
لهذا فقد كانت جهودهم تضيع سدى أمام الهجمة الاجنبية الشرسة والتي تستهدف
تغيير بنية وتوجه وعقلية الطفل العربي وتأطيرتوجهها الاستعماري الخبيث بأطر
جميلة وسياسة واضحة وعمل متواصل إضافة الى توفير النص المطبوع بكميات كبيرة
ومدعومة ومعروضة بأسعار بسيطة تجعله في متناول الجميع من دون أي عناء او مشقة
او جهد مما يسر للطفل الحصول على هذه النماذج المشبوهة فازداد تأثره بها
وتأثيرها فيه وتراجع الكّتاب العرب ممن كانوا يحملون توجها وطنيا صادقا لبناء
الطفل العربي وتربيته تربية صحيحة سلوكا وانتماء لهذا الوطن الغالي .
ان المتتبع لمسيرة الكتابة للطفل العربي من قبل الجيل الثاني من كتاب أدب
الطفل من امثال سليمان العيسى وشريف الراس يُصدم بتلك الهوة الكبيرة بين ثقافة
وتوجه وانتماء الجيل الاول من الكتاب العرب وبين ما آمن به وأعتقد به كتاب
الجيل الثاني فالجيل الاول على بساطة تجربته وسذاجتها كان يسعى بصدق وإخلاص
الى تربية الطفل العربي وزيادة معرفته بلغته وبتاريخه وبإرثه الحضاري
وبالاحداث التاريخية العظيمة التي مرت على مسيرة وطننا العربي عبر عصوره
المختلفة بينما نرى ان كتاب الجيل الثاني كانوا أكثر ذكاء ومعرفة ومهارة من
خلال كثير من التجارب التي قدمت أفكارا للطفل ضمن التوجهات الصائبة والمدروسة
لكن الخطأ الكبير الذي وقع فيه كتاب الجيل الثاني هو أنهم فضلوا الاراء
والمعتقدات التي آمنوا بها على كل القيم والمفاهيم التربوية الموروثة والمفترض
تقديمها للطفل لاعادة بنائه وتكوينه الفكري والتربوي والمعرفي وبدؤوا يروجون
للافكار التي آمنوا بها شخصيا وهي على الاعم الاغلب أفكار شمولية وعامة وبعيدة
عن التوجه التربوي المنشود لبناء عقلية وثقافة وتوجه طفلنا العربي وهو يدخل
الالفية الثالثة ضعيفا وهزيلا ولا يمتلك من مقومات الصمود والبقاء والثبات شيئا
فان معظم ما كتبوه للطفل كان مرآة عاكسة للفكر الحزبي الذي يحملونه حيث حُمّل
أدب الطفل الذي يكتبونه بأعباء فكرية أمست اكبر من الحجم العقلي للطفل وتقبله
لها واكبر من توجهه ومن رغبته وطموحه وما يشعر بحاجة ماسة الى قراءته والسبب
في ذلك إضافة الى التوجه الفكري المسبق لكاتب الاطفال تأثره هو شخصيا بالكم
الهائل من التجارب الغربية في مجال الابداع والعرض والتناول مما زاد الهُوّة
وعمقها بين الادباء وبين الاطفال .
ان الفكر الغربي ركز في رؤيته لادب الطفل على انه وسيلة لّلهو والترويح
وقضاء الوقت وفي أفضل ما يكون وبصورة خيالية بعيدة كل البعد عن الواقعية
والمنطقية التي تعلمناها نحن في ثقافتنا الاجتماعية والتربوية والتي نطمح لان
نغرسها في نفوس أبنائنا الصغار من خلال ما نقدمه لهم من أحداث وطنية و سير
شخصيات مستمدة من واقعنا وتراثنا فهي قريبة جدا من واقعنا وتفكيرنا نعيش
أحداثها أولا بأول شخصيات إنسانية فاضلة من الممكن ان يقتدي بها أطفالنا
ويكونوا من خلالها بناة للمجتمع والوطن الذي نعيش فيه .
ان مشروع ترسيخ الهوية الوطنية للطفل من أهم الضروريات في أدب الطفل
العربي لان أدبا بلا هوية لا يمكن ان يُعد أدبا حتى ولو امتلك كل المقومات
الشكلية والفنية للادب لان الهوية في الادب من الضروريات الملحة وهي التي
تعطيه البقاء والديمومة والنجاح وكما قال الدكتور غازي الخالدي : ((
تُقاس اصالة الامم وعراقتها بما تمتلك من حضارة وتراث انساني تتوارثه الاجيال
وتدخره جيلا بعد جيل لاولادها واحفادها واحفاد احفادها معتزة بكل ما خلفه لهم
الاجداد وكلما كانت هذه الحضارة ذات ملامح ومواصفات متميزة ومتفردة كانت قيمتها
اكبر وحضورها اعظم ودورها في خدمة الانسانية اشمل))
فلو رجعنا الى الوراء والقينا نظرة سريعة على أهم الاعمال الادبية التي خُلدت
على مر الاعوام والسنين لوجدنا على الفور أنها تلك الاعمال التي عبر فيها
الكتاب عن هويات بلدانهم أحداثا وسلوكا وتاريخا وتراثا مثل ذلك كتب : ألف ليلة
وليلة وتغريبة بني هلال وسيرة عنترة بن شداد وسيرة علي الزيبق وسيرة الاميرة
ذات الهمة وقصة جابروجبير هذا بالنسبة للكبار أما بالنسبة للصغار فان المسألة
تأخذ أهمية اكبر عمقا وأكثر تميزا فخير لنا ان لا نكتب للطفل من ان نكتب له
أدبا خاليا من الهوية فالادب الذي أريده للطفل العربي هو ذلك الادب الذي يبنيه
بناء إنسانيا مستندا على الشذرات النيرة في تاريخ امتنا العربية عبرمسيرتها
المباركة خلال آلاف السنين الادب الذي يشحن الطفل ويملاه توجها واندفاعا نحو
الافضل ونحو أي فعل إنساني مستمدا تلك النزعة الاندفاعية من الشخوص التي تميزت
في مواقفها وفي طرحها وانحيازها لثقافتها وتاريخها ولغتها وللتراث الذي تشبع
فيه وتعلم منه الشيء الكثير .
لابد لنا ان نعرف معرفة حقيقة واحدة
هي
أن الكتابة للاطفال ليست أمرا سهلا وميسورا وكان الامر بمجمله عملية سهلة يقوم
بها أي واحد منا
مجرد
أن يجمع في رأسه فكرة ومدخلا ونهاية لتلك الفكرة التي تُسمى(قصة الطفل) ويقول
أنها كتابة للاطفال يقول ذلك مزهوا وكأنه تمكن بهذه السهولة البسيطة والسذاجة
الواضحة من امتلاك الناصية التي يصعب على الكثيرين اعتلاؤها والوصول إليها .
إن أدب الطفل حالة متقدمة في فن الكتابة بل وأكثر الفنون الادبية صعوبة على
الاطلاق فمن يريد أن يتصدى لهذا النوع من الابداع عليه أن يكون :
·
ملما بالمفاهيم التربوية التي تعمل على بناء الطفل وترسيخ بنيانه وجعله عضوا
فعالا في المجتمع المفاهيم التي تتناسب وتتلاءم مع مفردات وحياة الطفل في
المجتمع الذي يضم في جنباته تلك الشريحة الواسعة من المجتمع
·
تربويا بالمستوى النظري والتطبيقيحتى يتمكن من معرفة آفاق الخارطة اللغوية
والعلمية للاطفال والتي تتناسب حقيقة مع عمرهم ومستواهم الدراسي بل وحتى مع
بيئتهم وقيمهم التي تعارفوا عليها في ماضيهم وحاضرهم وربما في المستقبل لكي
تكون كتاباته مقبولة من قبلهم .
·
ممتلكا للمصداقية التي تحببه لدى غالبية الاطفال الذين يتم التعامل معهم من
خلال اللغة والمعنى تحقيقا للتواصل المطلوب والذي يُعد جسرا آمنا لان ننقل
إليهم من خلاله ما نريد من قيم ومفاهيم وأفكار وسلوك تربوي إكمالا وتحقيقا
للرسالة الثقافية التي نرتئيها لهم .
·
ممتلكا لناصية الابداع الممتلئ خيالا وتشويقا وسلاسة وبراعة في الصياغة .
ان الموهبة التي يمتلكها أديب الاطفال وحدها تفتح له المجال واسعا لان يكمل
رسالته من خلال المتابعة المستمرة لانجازات الاخرين وإبداعاتهم الشتى وفي مختلف
المجالات وان يستثمر تلك القدرات المقرونة بالابداع للاقتراب من عقلية الطفل .
كثيرون كتبوا للاطفال وكانوا مستسهلين العملية وقدموا نماذج باهتة من القصة
والمسرحية والرواية لكن كثيرا مما كتبوه وقدموه ضاع وتلاشى ولا احد يذكره أبدا
وكانوا فاشلين أمام أنفسهم قبل أن يكونوا فاشلين أمام الاطفال ولم يبق من أولئك
الذين كتبوا للطفل إلا القلة التي تُعد على الاصابع وهم الذين لا زالوا يواصلون
الكتابة للاطفال بشرف وشموخ فهم الادباء الذين ستقرأ لهم أجيالنا في الحاضر
والمستقبل.

جاسم محمد صالح
-
العراق
gassim2008@gmail.com