
رواية
الأديبة السورية
قمر كيلاني
قراءة أدبية :
نزار ب. الزين
-
لكن
حلم الهودج قد ضاع يا حسن ، ضاع إلى الأبد .
= لم يضع شيء يا حبيبتي ، الهودج هنا ، في أعماقنا ، في قلوبنا ، في نفوسنا
هل تظنين أن أماني شعب يمكن أن تضيع هكذا ، بين دخان و غبار و ترويع و
تخويف ؟ نحن أمة أصيلة يا نوف ، لتكن ثقتنا بهذه الأمة كبيرة ، على قدر
أصالتها ! "

*****
هذا الحوار القصير من رواية الهودج و الذي يمثل الصراع بين الأمنية
المشروعة و قوى الإحباط ، هذا الصراع هو محور الرواية
فالهودج ببعيره هو رمز الأمنية ، رمز المحاولة في أعقاب المحاولة ، للنهوض
من هجمة العبودية التي طالت ، بينما يقف السيد المطلق عن كثب ، في وجه
عثماني تارة ، و بريطاني تارة ، و صهيوني تارة أخرى .
و تظهر العبودية في ثوب التخلف مرة ، و ثوب الغيبية مرة ، و ثوب العنصرية
مرة أخرى ، في صورة الفقر حينا و الجهل حينا آخر ...
يقف السيد المطلق عن كثب متحفزا بسوطه ، يشق الهواء في ضربات متلاحقة ،
كلما رأى رأسا ترتفع ، يهدد بفرقعتها و يوِّع ، أو يسلخ الأجساد و يمزق .
فلمن تكون الغلبة ؟
و هل ينهض البعير بهودجه و يتحرك إلى جولته حول الأقصى ؟
*****
يبدأ الهودج الحلم منذ ورْد :
" إنه الهودج ... آه الهودج ...
طاف بي حول المسجد الأقصى ، في حارات القدس و شوارعها ، في كل مكان كانت
الزينات و الأعلام و حبال الأضواء ..
من بعيد ، كان يقف رجل مهيب قالوا أنه ( المبارك ) ، تلفت نحوي لما رآني ،
اعطاني شيئا أبيضا ، فتحته ، كان فيه طفلة كالنور ؛ قال لي : لن تعيش إلا
بين إخوة لها ، لكن يديَّ تلوثتا بالدم ."
و لكن ورْد تتزوج و تخلف نوف بلا هودج ، ثم ينتقل الهودج الحلم إلى نوف .
" أركبوهم على الجمل ، و طافوا بهم حول الأقصى ، و لما أتى دورها ، حرن
البعير و رفض النهوض "
" أغفت على كتف منيرة ، أحلام متقطعة حملتها إلى ماضيها كله ، إلى طفولتها
الأولى ، إلى صورة وجه أبيها، إلى الحارة ، و زمرد و كل ذكرياتها ، القدس ،
القدس ، عندما أخذوها و هي طفلة إلى القدس ، ذهبت إلى المسجد الأقصى ، حول
المسجد كانت مظاهر الإحتفال بعيد الفطر ، أتوا بجمل ، زينوه و زركشوه ، و
وضعوا فوق سنامه السجاد ، و حول عينيه الخرز الأزرق و الودع ، كانوا ينادون
على الصغار أن يمتطوه ، و كانوا يقرعون جرسا ضخما ، في اللحظة التي صعدت
فيها ، كان الجمل غاضبا و الزبد حول شدقيه ، و مرت المحنة ، و هدأ الجمل ،
ثم سار متثاقلا ، و عوضا عن أن يدور كما تعود أن يفعل قفل راجعا و وقف أمام
السبي "
" أما هي فقد نزلت و هي تبكي ، لأنها لم تذق حلاوة الطواف حول المسجد
الأقصى ، و قال لها المبارك :
عندما تتزوجين ، سيركبونك فوق جمل و سيطوفون بك سبع حارات ، و تلبسين أجمل
الثياب ، و تتحلين بأنفس الأساور و العقود و الأقراط ، و سيكون عرسك مباركا
."
و أجهضت الأمنية بعد أن كادت تتحقق ، و يظهر دوما من ينفخ الأمل من جديد ،
تماما كما يجري إحباط الأماني العربية الواحدة تلو الأخرى ، أمنية الحرية
، أمنية الوحدة ، أمنية التضامن ، أمنية الدفاع المشترك ، أمنية التكامل
الإقتصادي ، و يظهر "المباركون " بعد كل إحباط معزين مؤملين رافعين شعار :
لقد خسرنا معركة و لم نخسر حربا ! " .
عرفت نوف الإحباط منذ طفولتها المبكرة ، تماما كما عرف العرب الإحباط و
القهر ، منذ الأيام الأولى لنجاح ثورتهم الكبرى ، و كان أول من أحبطهم
حلفاؤهم ، فرضوا عليهم الإنتداب بقوة السلاح ، و قسم الأرض العربية إلى
دويلات ، و أصدروا وعد بلفور الذي هو في حقيقته عقد بيع هذه الأمة
للصهيونية العالمية ، في أقبح سوق للنخاسة ، عرفه التاريخ ، و الكائن في "
داوننغ ستريت رقم 10 "
و في غمرة اليأس و من قلب الرغبة بالانتحار ، انبعث حلم الهودج ، يغري نوف
بالحياة في نفحة جديدة من نفحات الأمل :
" أمام صفحة المياه وقفت تنظر ، رأت نفسها في القدس محمولة على الهودج ،
عروسا جميلة ، و حولها كل أهلها و جيرانها و من تحبهم ، و معهم زمرد ،
أبوها كان يمسك بالهودج ، طاف حول المسجد الأقصى ، و سار الهودج حتى كنيسة
القيامة ، أمسك أبوها بيدها ، هبطت في ثياب العرس البيضاء ، دخلت بين آلاف
الشموع المضاءة ، مدت يدها بضراعة ، امتلأتا وردا و نسرينا ؛ انفتح أمامها
بعرض الأرض ، خرجت فإذا بها في واحة خضراء .
"
و بينما كان الحلم آخذا بالتجسد على هذا النحو ، إذا بإحباط جديد يبرز
للوجود :
" بعد دقائق ، و عندما وصل العريس ، كان الهجوم الخاطف الذي نفذه رجال
ملثمون ، يحرسهم من بعيد ، آخرون بملابس العسكر ، كما قال بهلول ، اشاعوا
ذعرا و أفزعوا الخيول التي ربطوها في الخربة ، و التي جاء عليها الضيوف من
بلاد بعيدة .
و هب شبان العشارنة و الشريقية ، فامتشقوا سيوفهم التي تبارزوا فيها خلال
الإحتفال ، و وضعوا أيديهم على زنادات البنادق و المسدسات ؛ لكن الملثمين
اختفوا ، و من بنائين عليين مواجهين لساحة العرس أطلقوا عيارات نارية على
الهودج ؛ جأر الجمل ، و هاج ، و أخذ الزبد يتدفق من شدقيه و هو يطلق أنينا
مرعبا ، تردد صداه في الحي كله .
لم يجسر أحد على الإقتراب من الهودج ، تكسرت الأخشاب ، و وقع السجاد ، و
تمرغ كل شيء في التراب ، سقطت الزينة ، و انطلقت حشرجة الحيوان المسكين ،
طويلة ممطوطة مثل أنين فاجع . "
و يُدمر العرس ، و لكن العروسين يتزوجان ؛ تميد الأرض بما عليها و يعوض
الإنسان " الإنسان العربي خاصة " بالإنسال .
*****
الصراع في الرواية ، صراع جماعات برموز فردية .
المسرح هو أرض عرب شمال الجزيرة العربية و خاصة أرض فلسطين .
و الأحداث ، هي الأحداث العربية ، الفلسطينية غالبا ، خلال حقبة ممتدة من
أواخر العهد العثماني حتى إرهاصات مشاريع التقسيم ، في لا منطقية زمنية ،
اختلطت فيها أوراق التاريخ ، لتبقى الفكرة وحدها مجردة من الزمن ؛ قفزة إلى
الأمام و قفزة إلى الخلف ، فبينما تحتدم المقاومة ضد الإنتداب كمضاعفات
لوعد بلفور ، إذا بنا نعود - بدون سابق إنذار – إلى أواخر العهد العثماني ،
من خلال اختطاف نوف و بيعها لأسرة تركية ، فنعاني من مظالم سياسة التتريك ،
ثم نقفز إلى اغتصاب لواء الاسكندرون ، بعيدا عن مضمار الواقع التاريخي .
و هنا يبرز تساؤل كبير : " هل يحق للروائي أن يخلط صفحات الزمن ؟ و إذا
كان العكس ، هل عليه أن يدرس التاريخ ليحافظ على واقعية عمله ؟
فالروايات العالمية : قصة مدينتين ، الحرب و السلام ، الدكتور زيفاكو ،
نيكولاي و ألكسندر ، ذهب مع الريح ؛ التصقت بالتاريخ و مازجته ، و يمكن
اعتبارها من عدة أوجه تاريخا ، بل هي أدب و تاريخ معا ؛ أما روايات الخيال
العلمي ، فقد عبث بالزمن و تلاعبت به ، إلا أنها ظلت مقبولة لأنها تتعلق
بالخيال منذ عنوانها ، فهي أدب و خيال و علم معا .
فما هو موقع " الهودج " ؟ أنا شخصيا أرجح أن " الهودج " فكرة و رمز و
أحداثها تجريد – كالفن السريالي – لا يمكن قياسه بمنطق .
*****
يبلغ الصراع في الرواية أوجه في موقعين :
الأول منهما من فصل
" الإختطاف " ، في
منظر متميز لسادية جواد – و هو ابن السيد الذي اشترى نوف من خاطفها ، و هو
الفصل الذي يرمز إلى عصر العبودية و الإنحطاط تحت ظل الخلافة العثمانية ثم
أبطال التتريك ، ألا يذكرنا المقطع التالي بسادية جمال باشا و إعدامات
المثقفين في دمشق و بيروت ؟ يوم أن طالبوا بالحرية علنا !!! :
" – كيف قلت ما قلت ؟ لماذا .. لماذا ؟ هل تريدين فضحنا و قهرنا ؟ أمن أجل
أن تخرجي من هذا البيت منتصرة عليَّ و علينا جميعا ؟ سأحطم رأسك ، سأحرق
جشدك بلهب النار ، سأفجر الدم من لحمك !.
نوف صامتة كعادتها ، جواد نمر هائج ، يضربها بعنف ، يعذبها ؛ تغرق في الصمت
أكثر ، موجة التعذيب تصاعدت ، جواد يشعر بالنشوة ، يعيد جلدها من جديد ،
كلما هوى السوط سمع له فرقعة في الهواء تخترق أذنيه مثل الحفيف ؛ يرفع يده
أكثر إلى أعلى ، يشحنها بقوة جديدة ، يهوي بها من جديد ، يروقه الصمت الذي
يمزق قميص الهواء و جسد نوف ، أكثر من ساعة و النشوة الوحشيةتتغلغل في
شرايينه ؛ نوف تتكوم مثل قطة و قعت من حالق ، يزهر الياسمين الدامي في
عينيه ، تتصلب نظرته فوق الدم المنبجس من وجهها جاريا فوق كتفها ؛ ثم ركله
برجله مثل خرقة بالية و انسحب ، وقع خطواته فوق رخام الغرفة كان بايقاع
رتيب قوي ، أغلق الباب بالمفتاح قائلا : - سأتركك تموتين مثل كلبة . "
أما الثاني فهو حول الزواج و الإنجاب رغم كل حلقات الرعب التي تعرض لها
العروسان ؛ فهل تحول هودج قمر كيلاني إلى قصر لآلهة الحب و الخصب ؟ و هل
بات الخصب و الإنسال سلاحنا الوحيد ؟
*****
في الرواية نزعة إنسانية واضحة ، تعبر عن شخصية الكاتبة ، و تعكس حقيقة
الإنسان العربي :
أولا : إن المشكلة الطائفية سطحية ، التعايش بين الطوائف يسود في معظم
أحقاب الزمن العربي ، أمكن مرارا تغذية الطائفية بالتعصب و استثارتها
بالعنف و الدم ، و لكن سرعانما يعود التعايش ليستمر سيد الموقف "
ما جرى في الرواية – مثلا – بين العشارنة " المسلمين " و الشريقية "
المسيحيين " من مصاهرة علنية مصداق لهذه المقولة .
و كذلك لم ينظر المسلمون إلى اليهود نظرة عدائية ، فسليم اليهودي ابن
الدكتور سليمان الورداني ، طبيب الحارة الشرقية في يافا ، أحب ورْد المعلمة
المسلمة الفقيرة ، و أحبته ورْد و دافعت عنه يوم انتزعوه من بيتها عندما
اختبأ فيه ، فضربوه و عذبوه ، ثم جروه إلى مصيره المجهول ؛ فقط عندما تفجر
الدم انفجر معه العداء ، حين انتظم اليهود في عصابات ، تخطف ، و تروع ، و
تقتل ، خلف المتراس البريطاني ، عندئذ انتظم العرب في المقاومة السرية ،
فالعربي المسلم أو المسيحي لم يعادِ اليهودي إلا عندما تصهين :
" نحن لا نعادي اليهود من حيث دينهم ، نعاديهم لأنهم يتعاونون مع الصهيونية
و الإنكليز ، و إلا فكلنا سكان هذا البلد ..."
في المقاومة السرية اشترك كل الناس و تعاونوا ، الصيادون ، الحمالون ،
النساء ؛ ذلك أن العربي إذا ما توفرت له قيادة مخلصة - حتى لو كانت جمعية
سرية للمحافظة على الأرض – فما أكثر عندئذ الراغبين في الاستشهاد ، افتداء
للوطن ، فهذه التضحيات قمة الإنسانية.
ثانيا : تعاطف الأفراد في المجتمعات العربية ، يعبر بدوره عن اتجاه إنساني
، فورْد تعطف عليها أم حسين ، و تظل ترعاها حتى يوافيها الأجل ، و نوف
تلقفتها أم ديب طفلة ، فحنت عليها أكثر من حنوها على ابنتها زمرد ، ثم
احتضنتها منيرة فناضلت من أجلها إلى بلغت بها شاطئ الأمان ؛ و لننتبه إلى
الفقرة التالية :
" حارة الشرقية شهدت ما يشبه الحكايات ، ما أن يختفي زوج إحداهن ، حتى
يهرعون إلى مساعدتها و إطعام صغارها ، الناس نسوا همومهم الصغيرة ، لم
يعودوا يهتمون بالربح و الخسارة ، ففي العمل الثوري الخسارة أكثر إذا
تفككوا ، و لكن إذا تعاونوا ، إذا تلاحموا ، فالربح وارد "
و لنصغ إلى إنسانية قمر كيلاني خارج حدود الرواية ، في مقال كتبته تحت
عنوان : " هل يصبح العنف لغة العصر ؟ " :
" لماذا لغة العنف ؟ لماذا و الأمم المتحدة ترفع أمام الشعوب رايات الإخاء
و حقوق الإنسان ، و السلم ، و التعايش و الحريات ؟
لماذا و الإنسانية بعد أن قطعت هذا الشوط الكبير من التقدم و التفوق
الحضاريين ؟
لماذا و البشر قد وصلوا إلى مستويات من الحياة تكاد تعتبر خيالية قياسا لما
كان يعيشه أسلافهم ، فأصبحوا قادرين على تلبية احتياجاتهم باساليب غير
أساليب العنف ؟ .
ذلك لأن الحوار لم يعد هو الغة ، أقصد الحوار بين الإنسان و بين العالم ،
العالم الذي يحاصر و الذي يهدد و يغزو و يهاجم ، يرفع شعارات المساواة ، و
يمارس أبشع أنواع الظلم و العنصرية في اللون و العرق و الدين "
*****
أما الأسلوب فقد اعتمد الجمل الإخبارية القصيرة ، للتعبير عن تلاحق الأحداث
، مع الإكثار من الحوار الطبيعي الخالي من التكلف .
و يتزين العمل بصور شعرية تتناثر هنا و هناك، مضفية عليه بعض الرونق :
" يا صيا الصدفة و الفرص الصغيرة التي شحت و نضبت
الأرض خصبة أكثر
ضع أقدامك فوق فوق هذا الشاطئ الراسخ ثم توجه إلى بيتك
ملعون هذا القدر
بيتك مثل كوخ امتزجت فيه التعاسة في الموج و ملح البحر
لِمَ لا تشتغل في بستان ؟ لِمَ لا تشتري أرضا ؟
الماء الحلو أكثر ، الثمر من السمك أغزر ..
الأرض من تحتك لا تتحرك ..
أما هذا البحر فلا تجد فيه قرارا ! "
" القدس .. القدس ...
يا اجراس الكنائس ، إقرعي بحزن ، إقرعي بفرح ..
يا قدس
يا شمسا سطعت على العالم هدى و رحمة و بهاء
يا زيتزنا و نبيذا و خبزا ، و طعام الرب لكل الفقراء ، لكل المساكين .."
*****
و أخيرا .. فالرواية تتضمن سلسلة من الشحنات الوطنية المتدفقة ، قوية صادقة
، تختزلها جميعا العبارة التالية على لسان منيرة لدى وداعها لنوف "
" لا أستطيع البقاء و لا ليلة أخرى ، سامحيني يا نوف ،أنا امرأة منذورة
لفلسطين ، هل نسيت ما ضحيت من أجل فلسطين ؟ و زوجي ، و أبوك و رفاقه ، و
الذين قتلوا و الذين يقتلون ، و الذيم سجنوا و الذين يسجنون .."