
رواية الكاتب السوري :
جان ألكسان
قراءة أدبية
نزار
الزين

" لكم
أنت غني يا شيخ زرقان ، هذه الأراضي و مثلها أراضي ثماني قرى
كاملة ، تأكل حاصلها وحدك ، تنفقه في الشام ، تبعثر تعب هؤلاء
الفلاحين الفقراء على بيوتك و أعوانك و خدمك و زوجاتك و سياراتك ؛ كم تنفق
زوجتك الشامية في الشهر ؟ "

"و هل نحن نعيش حتى نتمنى الموت
يا عمي ؟ و الله إنها عيشة الكلاب ، نكدح و نتعب نحن و عيالنا طوال
السنة حتى إذا جاء الموسم ذهبت أتعابنا للشيخ زرقان و لصاحب
الحصّادة و للتاجر الذي نستدين منه كسوة عيالنا في
الشتاء ."
**
**
" أنا معك في الرأي ، و لكنني
عاجز عن الصراخ به ، و لهذا أحذرك ! أنا أعلم أنك تغلي غيظا و أن أضلاعك
البادية في صدرك النحيل تكاد تتقصف ، و أرى على لسانك أكثر من سؤال ،
و لكن ما باليد حيلة "
**
**
يقول جان ألكسان في مقدمة روايته
:
" عندما نقل المغفور له جمال عبد
الناصر قوانين الإصلاح الزراعي إلى الإقليم الشمالي في
الجمهورية العربية المتحدة إرتفعت صيحات المكابرين في تساؤل : (( متى كان
في سورية إقطاع ؟ )) إلى هؤلاء كتبت النهر لأفقأعيونهم ليس بالإقطاع
السوري و حسب بل بأبشع صوره .
في النهر
زرقان شيخ إحدى العشائر المتحضرة على ضفاف الفرات ، نجده مالكا
لأراضي العشيرة المحيطة بتسع قرى ، مع هامش من الملكية الفردية صغير
، و هامش من الغلات المسموح بها للمؤونة و البذار أصغر ، و هو أيضا ممثل
السلطات الثلاث ، فلأنه نائب في البرلمان و لأنه ملاك فقد ملك الرقاب تشريعا و تنفيذا و
قضاء ، تؤازره في ذلك السلطة المركزية ممثلة بشرطة الريف الذين كانوا يسمون
آنئذ
الدرك و بأعوان مسلحين أفضل من
تسليح الدرك أنفسهم يبرز منهم على التوالي
عفين ثم حصيني .
تجري أحداث الرواية في مرحلة إنتقالية تقع
في بداية إرهاصات الوعي بالذات ، هذه المرحلة التي أتاحت لأول مرة
لفلاح كأبي محمود ، أن بتجرأ فيقول لصهره المرتقب : " باي حق
يأخذ قمحنا يا حمدام ؟ " ثم لإبنته التي تتهيأ لتكون عروس حمدان في
الموسم : " أجل يا ابنتي ، سنظل بلا بذار أو طعام و لن نستغفره ، لمن
أقف أمامه ذليلا ، لن أرضخ له ، سأتحداه ، و لتتحدث الديرة عني ." ثم
لا يلبث أن يترجم مظلمته إلى أول موقف جريء في تاريخ قريته
الكمرة ، موقف يهز المختار و رجال القرية المتواجدين في
ربعة( ديوان ) المختار و
بوجود الشيخ زرقان نفسه ، الذي جاء خصيصا لمطالبته بما أخفاه من الموسم
المنصرم : " سأكسر اليد التي ستمتد إلى
الجفر ( مستودع الحبوب )." و هو و إن كان لم
يتمكن من تنفيذ وعيده ، فقد كان
مجرد إطلاق ذاك الوعيد ، شرارة نحولت رويدا رويدا إلى نار و نور .
قدح أبو محمود الشرارة في بيته
أولا فاشتعل قلب ابنته الشاب : " هذا بذارنا ، لن نعطي منه حبة واحدة ."
فصرخ به
عفين
:
- هل أصبحت رجلا
يرفع صوته بين الرجال يا
عجي ( يا صبي ) ؟
- لو أنك ل ا
تحتمي بوجه الشيخ زرقان لأريتك ماذا يفعل الرجال من أمثالي . "
و دوت صفعة أحس
حمدان أن أذنه قد طارت من مكانها ، و فجأة حدث ما لم يتوقعه أديب أفندي
الدركي ، حدث كل ذلك بسرعة مذهلة ، إنقض حمدان على
عصا كانت موضوعة على مكتب رئيس المخفر - و قبل أن يدرك أديب أفندي
ما حدث - كان حمدان ينهال بها على رأسه و وجهه ، و بضربات فيها من
الحقد أكثر مما فيها من قوة .
و اشتعلت
الشرارة كذلك في قلب إبنته الشابة من بعد ، رابعة التي لم تعد تهتم بفرحة
عمرها قدر إهتمامها بصون عهدها و كرامتها : " أنت تخرس ،
أنا رابعة ، أنا اختك يا محمود ، و الله سأشك هذا الخنجر في صدر الذي
سيقترب من الفرس "
تقدم دعاس أفندي
الدركي
من الفرس بخطوات بطيئة وجلى ، فتصدت له رابعة و بيدها الخنجر و هي تصيح به :
- عد إلى الوراء
، هذا خير لك ! "
في هذه اللحظة
خرج محمود من الداخل يحمل بيده
قزمة ( أداة لحفر الأرض) ، فسحب دعاس أفندي
حامل البندقية عن كتفه و وجه الفوهة إلى محمود و أخته و هو يقترب من الفرس
. هنا أدرك رئيس المخفر أن الأمر أصبح خطيرا ، فأصدر أوامره إلى دعاس
بإنهاء المحاولة و اللحاق به .
" و هكذا تفجر النصر ، ضعفاء
الأزل مع قلتهم يتحدون و يتصدون و ينتصرون ، و متسلطو الأزل مع بنادقهم
يصدمهم الواقع الجديد فيذهلون و يتراجعون . "
" و لم ينم كثيرون في تلك الليلة
، عقدوا حلقات الحوار في بيوتهم الطينية ، كانت أحاديثهم كلها تدور حول
سؤال كبير :
- إذا استطاع أبو محمود و
أسرته الصغيرة الفقيرة تحدي الشيخ زرقان و رئيس المخفر ،
فكيف يصب ح الأمر إذا أصبح الجميع يدا واحدة في وجه
الظلم
ثم أخذت الأصوات ترتفع صارخة
بالنغم الجديد ."
" قام في هذه القرية شيطان جديد
يرقص و يريدنا أن نرقص معه ، ألم ترني و قد تركت ثماني قرى و تركت أعمالي
في الشام ، و صرت أقضي أكثر أوقاتي في هذه القرية ؟ "
" و يسأله حسين عن هوية ذلك
الشيطان ، فيجيبه الشيخ بخوف :
- مرة إسمه محمود و مرة أبو محمود
و مرة حمدان أو سلطان أو عقاب ، و أحيانا إسمه رابعة أو حتى نوف !
ثم ألقى أوامره بصراحة :
- لا أريدهم أن يقفوا هكذا يدا
واحدة ، اليوم يتفقون على بناء السدة للوقوف في وجه الفيضان و
غدا يتفقون للوقوف في وجهي .
عليكما أن تحسبا حسابا لطوفان
الفلاحين ، و هذا لا يكون بالخوف منهم أو التساهل معهم ، و إنما بقمعهم و
تفريق صفوفهم . "
" و لكن الأوان يكون قد فات فقد
هبت رياح التغيير ، و ها هو المختار يشكو همه للشيخ زرقان مفتتحا
سلسلة التوقعات السيئة و المخاوف :
- بصراحة شيخي ، الرجال بدؤوا
يقاطعون الربعة ( الديوان ) و يريدون أن يسحبوا البساط من تحت أرجلنا
. فعقب حسين :
- أكثرهم حماسة للعمل ضدنا سلطان
السويلم ؛ فرد الشيخ "
- ليس الموضوع موضوع سلطان
السويلم و إلا لوضعنا رصاصة في رأسه و أرحنا أنفسنا منه ؛ أنا أرى أن كل
واحد منهم أصبح يفكر مثل سلطان أو محمود أو مثل عقاب المذهل ! "
" ثم يقع ما كان
لا بد من وقوعه و تحدث المواجهة علانية :
الشيخ زهران : –
لكنكم زرعتم ترابا فحصده الفيضان و أغرقكم في الوحل !
عقاب المذهل : -
تماما كما كنا نزرع الحنطة و تحصدها أنت ثم تغرقنا في الديون . "
" و لئن كان
الجور قد أيقظ غريزة الدفاع لدى ( أبو محمود ) و أفراد أسرته و صهرهم
المرتقب ، فإن ما أدركوه من نوايا سطو الشيخ على عرضهم ، عزز تلك اليقظة
فجعلها متحفزة مستنفرة كافة القوى بما فيها الإستعداد للقتل . "
" حمدان ،
ستتزوج رابعة من عفين !
للوهلة الأولى
ظن حمدان أن رئيس المخفر يتابع معه اللعب ، يريد أن يتسلى به ، بل تمنى أن
يكون الأمر كذلك ، و لكن لهجته كانت جدية و حاسمة و قاسية ، احس حمدان
بالخطر الحقيقي ، و بأنه فأر محاصر في طشت عميق ( وعاء ) يدور
فيه محاولا الخلاص دون فائدة !
- عفين سيتزوج
من رابعة مفهوم ؟
- سأذبحه قبل
أن يفعل
- الشيخ زرقان
يريدها لعفين ، و قد كلفني بأن ابحث الموضوع معك ، سيترك لك الحنطة و فوقها
خمسين إنكيزية ( ليرة ذهبية ) مهر رابعة ، انا اعرف أنك لا تحب عفين
و لكني أحب أن أقول لك أنه شاب شجاع و هو مرافق الشيخ ، ستقبر الفقر
يا أبا محمود
ستكون رابعة
كنة الشيخ زرقان فهو يعتبر عفين بمنزلة ولده .
- إنه كلبه و
ليس ولده ! "
"
يا با ، الشيخ زرقان
يريد رابعة زوجة لعفين لتكون قريبة منه .
*****
هل كان الشعور بالإضطهاد و الظلم
سبب هذا الوعي الذي أيقظ فلاحي الكمرة من ثباتهم الطويل ، و حسب ؟
أبدا ، فالكاتب (
جان ألكسان ) لم ينس دور المعرفة التي رمز إليها بمعلم القرية الأستاذ أحمد
، و قد نبهت القوى المستفيدة من الشيخ زرقان مرارا إلى دور المعلم :
" هناك من هو أخطر من أبو مجمود شيخي ، إنه معلم المدرسة "
و لكنه كان
يجيبهم باستهتار : " هاتف مني لوزير التربية ينقله إلى أقصى الجزيرة
"
و إن قدح أبو
محمود الشرارة فإن الأستاذ كان ينفخ العسيس الذي أحدثته :
" – و هل تريد
من الشيخ أن ينصفك و يعيد إليك أرضك ؟
- طبعا !
- و لماذا لم
تنتصر لأبي محمود لينصفه و يعيد له غلاله ؟
- هل تريدني
أن أقف بوجه الشيخ ؟ ألم تر كيف جلد أبا محمود ؟
- لو وقفتم
جميعا ، أنتم يا أبناء القرية في وجهه لما استطاع أن يجلدكم ! "
و في حديث آخر
للمختار
" – إنك تبالغ يا أستاذ أحمد ، إن
أحدا هنا لم يمت جوعا ، هل مشيت بجنازة واحد منهم ؟
و قالوا لك أنه مات جوعا ؟
- و هل الميت هو الذي تحمل جنازته
فقط ؟ إنهم يموتون و هم أحياء على أقدامهم ، هل تعرف ? أبو محمود مثلا ، لم
يمتلك رغيفا في بيته و لا فنجان قهوة يقدمه لضيف ؟
إلتفت المختار إلى حسين و قال له
:
- ذكرني يا حسين لنرسل لأبي
محمود بعض القهوة و بعض الطحين ، فانتفض الأستاذ غاضبا ، شعر أن كلام
المختار صفعة قوية وجهت إليه .
- لا يا مختار ، أنا لا أطلب له
صدقة ، هذا لن يحل المشكلة ، كان عليكم جميعا أن تقفوا إلى جانبه ، أن
تقفوا في وجه الشيخ زرقان و تمنعوه من أن يأخذ الحنطة ! "
و في موقف آخر :
" - هناك طريقة واحدة تبعد ظلم الشيخ زرقان عنك و عن أرضك و
عن بذارك و عن فرس حمدان !
- و ما هي ؟
- أن تكون أنت و
بقية الفلاحين يدا واحدة ضده !
"
و فجأة يشعر
الأستاذ أحمد أنه أدى رسالة بأسرع مما كان يتوقع ، عندما يصغي إلى حوار دار
بين عواد حكواتي القرية
( من يسرد القصص و الروايات ) و بين دهمس السعيد فتغمره سعادة شاملة ،
تنسيه كافة معاناته الفكرية السابقة :
" - إذا كنت مسؤولا عن هذه
الديرة و بيدك أمر الحل و الربط فيها ، ماذا كنت تفعل ؟
- كنت سأوزع أراضي هذه القرية على
الفاحين ! "
*****
و كذلك لم ينس الكاتب دور
الطبيعة و كوارثها :
- أليس من طريقة لمنع وقوع مثل
هذه الكارثة ؟
-
الفرات غدار ،
فيضانه مجنون ، إننا نقيم في وجهه سدات ترابية و لكنه يجرفها بقسوة ، إنه
يجرف كل شيء ، لقد وصل في العام الماضي إلى التل الغربي و هدم قسما
كبيرا من البيوت "
- نوفا لم تأخذ أرضك يا حسين ،
الفرات هو الذي أعطاها قسما من الأرض ، هل تنكر هذا ؟ ألا تعرف أن الفرات
كسر الجرف و حول مجراه ؟
- يا أخي ،
آمنا و صدقنا أن الفرات أخذ أرضي و جعلها قسما من أرض الأرملة ، و لكن ما
هو ذنبي ؟
- ما باليد
حيلة ، الفرات أقوى منا كلنا ! "
**
**
و يوالي النهر
بطشه و لكنه يشحذ إرادة الفلاحين أيضا :
يهدم بيوت
الكمرة الطينية للمرة الثانية في أقل من ستة أشهر ، و يفجع
أبو محمود بابنته رابعة أثناء محاولتها إنقاذ فرس خطيبها و حبيبها حمدان ،
و لكنه مع بطشه كان يصقل إرادة الفلاحين تلك الإرادة الخام ، تبرز مع
الخاتمة تمثالا شامخا ، رامزا للمستقبل الأفضل
" في كل سنة سنبي سدة في وجه
الفيضان ، في هذه السنة بنيناها من تراب فجرفها الفيضان ، و في العام
القادم سوف نبنيها من حجارة ، و إذا جرفها الفيضان سنبنيها من إسمنت ، و
إذا جرفها سنبنيها من حديد ، لن نتوقف ، سنظل نبني سدات على الفرات حتى
يأتي يوم نستطيع أن نبني فيه سدة لا يجرفها الفيضان "
كانت تلك نبوءة أو رؤيا !
أطلقها عقاب المذهل ......
فقد بني السد الأكبر على الفرات
بالإسمنت و الحديد ، و لم تعد ثمة حاجة للسدات الصغيرة التي دخلت ظلال
التاريخ غير مأسوف عليها .
و تقوضت بذلك آخر
أعمدة ثالوث القهر و الإحباط
.
**
**
و هكذا قادنا
جان ألكسان في رحلة طويلة عبر معاناة قطاع من
الفلاحين كنا نجهل عنه - نحن أبناء العاصمة و المدن – أكثر مما
نعلم ، رحلة إمتازت بالهدوء ، لا إستثارة فيها و لا إثارة ، لا
إنفعال و لا خيال ، لم يستدر منا دمعة ، و لم يهيج فينا نقمة ، بأسلوب سلس
و لغة غير معقدة تكثر فيها كلمات عامية من لهجة سكان الشمال الشرقي من
سوريه ، إمعانا في الواقعية .
------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع : www.FreeArabi.com