الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

دنيا الوطن

www.alwatanvoice.com

النفـــق

رواية  في حلقات

النفق 5 بقلم:سليم عوض عيشان ( علاونه )

سليم عوض عيشان علاونه*
.

                                         إهــداء

.
إلى شهداء الأنفاق المظلمة ..
ليست الأنفاق المادية فحسب أعني
ولكن تلك الأنفاق المعنوية أيضاً .

.
 

" مقدمة "
في وقت ما .. عاش الناس في نفق طويل مظلم ...
مات البعض وعاش آخرون ليرووا قصة ظلمة ذلك النفق
.
 


 

-1-
سارت المرأة برفقة الرجال الثلاثة ... أحدهم كان يمسك بيدها يرشدها إلى الطريق .. لم يكن بها حاجة لأن يمسك بيدها وأن يساعدها أحد على السير .. فهي لم تكن كفيفة .. ولكنها كانت معصوبة العينين .
عصبة سوداء كثيفة ربطت على عينيها لتحجب عنها الرؤية .. الآخران كانا يتبعان المرأة كأنهما يحرسانها ، أو لعلهما كانا يخافان فرارها ! .
لم تكن وجوههم واضحة المعالم بشكل كافٍ ، فالمكان موحش شبه معتم ، ولكن ذلك لم يمنع أن تظهر بعض المعالم على وجوه الرجال الثلاثة .
فعلامات القسوة والتجهم تسيطر على وجوههم .. لعلها ضربات بآلات حادة قديمة خلفت آثارها التي لم يستطع الزمن أن يمحوها .. وتراكمت إلى جانبها آثارٌ حديثة لضربات أخرى .
أحد الرجال كان فاقداً لإحدى عينيه ، يبدو أن ذلك قد حدث على إثر مشاجرة أو حادث مخيف ، دلت عليه تلك الجروح التي بدأت من فوق الحاجب مروراً بالعين وانتهاءً بأسفل الذقن .
الآخر كان مشوه الوجه بشكل مخيف ، إذ يبدو أن " ماء النار " قد ألقي في وجهه، أو أن حريقاً قد التهم الوجه فغير معالمه إلى بقع مختلفة الألوان والأشكال ، بينما كان يتعثر في مشيته ويعرج بشكل واضح أثناء السير ، ويبدو أن إحدى قدميه قد أصيبت في حادث ما بإصابات بليغة .
الثالث كان بنصف أنف ، نصف أذن ، نصف شفة ، كان كرفيقيه الآخرين يميل إلى السمنة والضخامة وطول القامة ، بحيث بدت المرأة بينهم كطفلة صغيرة .
الرجل الذي كان يمسك بالمرأة بيد ويقودها كان يحمل باليد الأخرى مظروفاً كبيراً يخفي ما بداخله .. بينما كان يجتاز الطريق الوعرة شبه الخالية وهو يسحب المرأة .
الآخران كانا يحملان بأيديهم أشياء وأشياء لا تظهر معالمها لا لشيء إلا لأنها كانت داخل أكياس كبيرة من الخيش والقماش .
المرأة التي كانت تسير برفقتهم وهي معصوبة العينين .. كانت تميل إلى القصر .. نحيلة الجسم ، تسير الهوينى ببطء شديد مما كان يضطر الرجل الذي يمسك بيدها أن يدفعها إلى السير دفعاً بين الفينة والأخرى ليحثها على الإسراع ، ويبدو أنه كان في عجلة من أمره .
المرأة كانت تضع وشاحاً على رأسها يتدلى على صدرها .. تلبس " جلباباً " يغطي جسدها حتى أخمص قدميها ، ومما كان يحد من سيرها ويعيقه ذلك الجنين المكور داخل أحشائها ، والذي يدق جدار البطن متمرداً على سجنه محاولاً التحرر من قيوده .
كانت المرأة تتوقف للحظات لتلتقط أنفاسها وتمسح العرق الذي غطى وجهها ، ثم تضع كلتا يديها على بطنها تتحسسه وكأنها تهدئ من عربدة وروع الجنين المتمرد داخل أحشائها .
لم يلبث الموكب أن توقف عن السير ، عادت المرأة لتلتقط أنفاسها اللاهثة المتلاحقة، وتمسح حبات العرق المنهمرة من الوجه كالمطر ، حاولت أن تمد يدها لرفع العصبة عن عينيها فنهرها أقربهم إليها بشدة وحذرها من إعادة المحاولة .
تلفت الرجال يمنة ويسرة عدة مرات ، ولم يلبثوا أن اندفعوا ناحية أحد المنازل النائية وهم يدفعون المرأة دفعاً وكأنهم يخشون أن يلاحظهم أحد ، فكادت المرأة أن تسقط على الأرض ، ولكنها تمالكت نفسها واستندت إلى الذراع القوية التي كان صاحبها يطبق على يدها بقوة ، واستأنفت السير .
دلف الجميع إلى المنزل شبه المهجور ، وصل إلى مسامعهم صوت رجل هرم وهو يسعل سعالاً غريباً متوالياً مستفسراً عن القادمين ، ارتفع صوت أحدهم بكلمات غريبة مبهمة استعصى على المرأة فهم معانيها وكأنها طلاسم أو بلغة " الشيفرة "، لم يلبث سعال الرجل الهرم أن هدأ قليلاً ، وكف عن السؤال والتساؤل .
نهض الرجل الهرم من مكانه وهو ما زال يسعل سعالاً متقطعاً ويلهث بصوت مرتفع بينما كان يحمل في يده سيجارة غريبة الشكل والرائحة ، يضعها بين شفتيه بين الفينة والأخرى ، ولا يلبث أن ينفث دخانها الغريب في الهواء بشكل عجيب ! .
تقدم الرجل الهرم من المرأة ، وقبل أن يمد يديه نحو وجهها ليرفع العصبة عن عينيها ، تساءل من بين الدخان واللهاث والسعال بأنفاس متقطعة :
- كله تمام ؟!
أجابه أحد الرجال بصوت متهدج غليظ :
- كله تمام يا " معلم " .
لم يلبث الرجل الهرم " المعلم " أن مد يديه نحو وجه المرأة وراح يرفع العصبة عن عينيها بيديه المرتجفتين وأنفاسه اللاهثة حتى تمكن من إنهاء المهمة .
تمد المرأة بكلتا يديها نحو وجهها وعينيها ، محاولة أن تفتح عينيها وأن تبعد عن وجهها رائحة الدخان الكريه ، راحت تفتح عينيها ثم تغمضهما عدة مرات بمساعدة اليدين، ثم أخذت تمسح العيون والجفون وتحاول أن تزيل عنها سيول العرق المنهمرة .
تلفتت حولها عدة مرات ، راحت تحدق في المكان ، شعرت بالوحشة ، انتابها شيء من الخوف والرهبة ، أصابتها القشعريرة .. اضطربت .. ارتعشت .. ازداد انهمار العرق من الوجه والجسد .
صوت أجش مخيف يحاول تهدئتها !
- لا تخافي أيتها السيدة .. لا تخافي .. استريحي قليلاً هنا حتى نعود إليك .
جلست في المكان متهالكة .. حاولت أن تتمالك نفسها الجزعة وأنفاسها المضطربة بقدر المستطاع .. أخذت تنتظر وتنتظر .. طال بها إلى الانتظار كثيراً ولم يحضر إليها الرجال لإتمام الأمر ..
ساعات طوال حتى كاد أن ينتصف النهار .. تنازعها مختلف الأفكار وشتى الخواطر .. لم تدر ماذا يجب عليها أن تفعل ؟! .. هل انتظر ؟ .. هل تفر من هذا المكان اللعين ؟ .. لقد كان الانتظار صعباً جداً عليها .
بعد أن أصابها اليأس .. تناهى إلى مسامعها صوت أقدام تقترب من المكان ، استعادت شيئاً من رباطة جأشها .. ولملمت أطراف نفسها المنهارة . دخل إلى المكان مجموعة الرجال .. نظر أحدهم نحوها .. هتف كفحيح الأفعى :
- أرجو أن تكوني قد ارتحت ؟! .
لم تجد في نفسها القدرة على الرد بأي كلمة أو حرف .
يومئ لآخر إيماءة ذات معنى ومغزى غاب عن المرأة إدراكه أو ملاحظته ، يتقدم الآخر منها وهو يحمل كوباً يبدو أنه عصير ، يناوله للمرأة بيد معروقة خشنة :
- اشربي يا سيدتي هذا العصير .. فهو سيهدئ من روعك .. ويهدئ أعصابك كثيراً .. وهذا شراب ضيافتك عندنا .. فنحن نعرف واجب الضيافة جيداً ؟! .
تناولت المرأة الكوب بيد مضطربة مرتعشة ، أدنته من فمها ، فهي تشعر بالظمأ الشديد والجفاف في الحلق ، رغم ذلك فإنها رفعت الكوب عن فمها بعد أن ارتشفت منه رشفة صغيرة ، فلقد وجدت أن له رائحة وطعماً غريبين .. حثها أحدهم :
- اشربي يا سيدتي .. إنه شراب لذيذ .. منعش ، ولتعذرينا يا سيدتي ، فإن كل ما في الأمر أنه شراب محفوظ وليس طازجاً .
عادت المرأة إلى رفع الكوب إلى فمها مرة أخرى بتردد .. أدنته من شفتيها .. ارتشفت رشفة صغيرة .. حثها الرجال بالاستمرار في تناول الشراب ، هتف أحدهم بصوت كفحيح الأفعى :
- هيا يا سيدتي .. اشربي هذا الشراب بسرعة .. نريد أن ننهي الأمر، ولا داعي للتأخير أكثر من هذا .
حسماً للأمر .. شربت المرأة ما تبقى في الكوب دفعة واحدة بعد أن أغمضت عينيها وأنفها ، حتى لا ترى الشراب وحتى لا تشم رائحته ، ولم يلبث أن سقط الكوب من يدها على الأرض .
تمايلت المرأة ، أحست بدوار شديد ، كادت أن تسقط على الأرض ، امتدت نحوها أيدي الرجال تحاول إسنادها ومنعها من السقوط على الأرض ، شعرت المرأة بغشاوة تغطي عينيها ، لم تكن عصبة من قماش أسود كتلك التي كانت ، ولكنها بدأت ترى الرجال كأشباح والأشياء تتراقص من حولها .
أجلسها أحد الرجال على مقعد متهالك بينما راح الآخران يعدان لوحاً خشبياً وضع على الأرض ، فلما تم لهما إعداد ما أرادا ، أصدر أحدهما الأمر إلى الرجل الذي وقف إلى جانب المرأة يأمره بالتحرك :
- هيا .. هيا بسرعة ..
اقترب الرجل من المرأة أكثر .. مد يده نحوها يحاول مساعدتها على النهوض عن المقعد المتهالك ، ساعدها على الوقوف والسير قليلاً ثم الرقود فوق اللوح الخشبي .
استلقت المرأة على ظهرها ووجهها إلى الأعلى ، راح الرجال يقيدون اليدين والقدمين إلى اللوح الخشبي ، شدوا وثاق يديها بحزام جلدي كبير عريض ، وحزام آخر شدوا به وثاق القدمين ، وثالث في الوسط .
كل هذا وذاك كان يحدث أمام عيني المرأة كأنه حلم .. كابوس ، أو كأنه يحدث لشخص آخر وليس لها .. فلقد شعرت بأنها خائرة القوى .. لا تستطيع أن تحرك يداً أو قدماً ، أو حتى اللسان .
حمل الرجال الثلاثة على أكتافهم اللوح الخشبي الذي كانت تستلقي عليه المرأة ، ساروا عدة خطوات ، دلفوا إلى مكان آخر أشد وحشة ، ساروا قليلاً، ثم توقفوا وأنزلوا الحمل عن أكتافهم على الأرض .
تقدم أحدهم إلى الأمام قليلاً يحاول اكتشاف الطريق ، سار خطوات قليلة ثم توقف، جلس القرفصاء .. نظر نحو الأرض .. مد يديه وراح يزيل بعض التراب المتراكم .. إلى أن ظهر غطاء إسمنتي كبير يشبه إلى حد كبير غطاء فوهات " مناهل " شبكات الصرف الصحي .
تقدم آخر منه وساعده على رفع الغطاء من مكانه ، فتمكنا من ذلك بعد عدة محاولات ، فطهرت فوهة الحفرة المظلمة الموحشة ، نهض الرجلان من مكانيهما ، عادا أدراجهما نحو الرجل الثالث والمرأة الممددة فوق اللوح الخشبي ، حمل ثلاثتهم اللوح والمرأة ، حتى وصلوا ناحية مدخل الحفرة الذي تم رفع الغطاء عنه .
أنزل الثلاثة الحمل إلى الأرض ، اقترب أحدهم ناحية فوهة الحفرة ، جلس القرفصاء إلى جانب الفوهة ، لم يلبث أن دلى قدميه في الحفرة ، يبدو أنه قد وضعها على ما يشبه السلم الحديدي الصغير المثبت داخل الحفرة ، بدأ ينقل قدميه الواحدة تلو الأخرى داخل الحفرة ، هبط فيها إلى وسطه .. إلى صدره .. إلى رقبته ، ثم إلى رأسه حتى اختفى تماماً داخل الحفرة .
لحظات قليلة تحرك بعدها الرجلان بعد أن سمعا صفيراً مميزاً يأتي من داخل الحفرة ، فحملا اللوح الخشبي الذي شدت إليه المرأة ، أحدهما من الجانب الأمامي ، والآخر من الجانب الخلفي ، حتى وصلا فوهة الحفرة .
الرجل الذي كان يحمل اللوح من ناحية قدميّ المرأة كان الأقرب إلى الفوهة، وضع الجانب الذي يحمله على حافة الفوهة ثم بدأ يدليه داخل الحفرة بالتدريج يساعده في الأمر الرجل الثاني في الطرف الآخر .
شيئاً فشيئاً .. أخذ اللوح الخشبي الذي يحمل المرأة في الولوج داخل الحفرة ، ويغيب داخلها حتى انتصف تقريباً ، سارع الرجل القريب من فوهة الحفرة بمساعدة زميله بالتشبث باللوح من الطرف الآخر وإنزاله ببطء شديد إلى الأسفل .
اختفى اللوح الخشبي أو كاد داخل الحفرة وما زال الرجلان يتشبثان به بقوة وينزلانه ببطء ، فلما تم لهما ذلك ، راح كل منهما يمسك بحبل قويّ طويل مثبت بطرفيّ اللوح وراحا يرخيان الحبل بحرص شديد ، إلى أن أحسا بأنهما قد أنهيا المهمة ، وتأكدا من ذلك بالفعل عندما وصل إلى مسامعهما صفير مميز يصدر من زميلهما الثالث الموجود داخل الحفرة ، وقفا للحظات يلهثان ويحاولان استرداد أنفاسهما ويمسحان العرق عن وجهيهما بأطراف أكمامهما .
داخل الحفرة ، كان الرجل الثالث يقوم بعمل الترتيبات النهائية اللازمة وذلك على ضوء مصباح كهربائي يدوي .. قام بوضع اللوح الخشبي الذي كانت المرأة مثبتة إليه بقوة ، قام بوضعه على قضبان حديدية تشبه قضبان السكك الحديدية ، ولكنها كانت بشكل مبسط وبدائي ، ثم قام بدفع اللوح الخشبي فأخذ يسير على عجلات بدائية كانت معدة مسبقاً لهذا الغرض ، والتي كانت تشبه إلى حد ما عجلات القطار ولكن بشكل مصغر بدائي وسيئ.
أصدر حركة ما من طرف الحبل المتين الذي كان يمسك به ، وسرعان ما بدأ اللوح الخشبي في التحرك داخل النفق في الاتجاه الآخر ، ولم يلبث أن غاب في الظلمة الحالكة داخل النفق .
تململت المرأة قليلاً .. فتحت عينيها ببطء ثم أغلقتها .. كررت الأمر عدة مرات ، بدأ الخوف يتسرب إلى قلبها ، وبدأت الوحشة تسيطر على حواسها بعد أن أصبحت وحيدة داخل النفق ، أحست أن دقات قلبها تزداد ضجيجاً فأصبحت كقرع الطبول في مجاهل غابات أفريقيا ، أحست بقشعريرة غريبة تغزو أوصالها ، وشعرت بضيق في الصدر وصعوبة في التنفس ، فانهمر العرق غزيراً من شتى أنحاء جسدها .
ازداد المكان كآبة ووحشة بعد أن تحول النفق إلى ظلام دامس مخيف وبعد أن ارتفع صرير العجلات الحديدية وهي تصطدم بالقضبان الحديدية الصدئة ، فتصطك بها بقوة وتحدث صريراً مخيفاً .
حاولت أن تصرخ فلم تستطع لأنها شعرت أن لسانها أصبح في ثقل جبال الهملايا .. حاولت أن تتحرك فأحست أنها أصبحت باردة كثلوج المتجمدين الجنوبي والشمالي .. رائحة الرطوبة الغريبة تغزو خياشيمها فتثير في نفسها الغثيان والدوار العنيف ، وتشعر بميل شديد إلى التقيؤ .. ولم تلبث أن فعلت ذلك .
لم تستطع أن تنظف آثار القيء عن وجهها وصدرها وجسدها لأن يديها كانتا مكبلتين إلى اللوح الخشبي بقوة ، أغلقت عينيها .. فتحتهما .. أغلقتهما ببطء ..

-2-
- لا توجد طريقة أخرى .. لا داعي للتفكير وإضاعة الوقت ، فمهما قدحت زناد فكرك ، ومهما أطلت التفكير ، فأنت لن تهتدي لطريقة سواها ، لأنه ببساطة لا توجد طريقة أخرى .
صرخ الرجل العملاق ذو الشارب الكث الضخم الذي يقف عليه صقران وليس واحداً ، والذي يرتدي الكوفية المذهبة والعقال المقصب و" القمباز" الحريري الفضفاض ويرتدي فوقه " البالطو " الفخم ..
يضع في أصابعه العشرة عشرات الخواتم الذهبية الضخمة ، ينتعل حذاءً لامعاً باهظ الثمن برقبة تصل إلى ركبتيه ، يجلس على مقعد وثير فخم ويدخن " النارجيلة " ، بينما كان يضع سلاحاً أوتوماتيكياً على ركبتيه ، يضع في حزامه العريض عدة أجهزة اتصال خلوية وأشياء أخرى ؟! ، رغم أن المكان كان لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع مثل كل هذا البذخ .. فالمكان عبارة عن منزل متواضع ، بل هو شبه منزل أكل الدهر عليه وشرب .
كان الرجل العملاق الفظ يضع جهازي اتصال على أذنيه بينما كان يصرخ في وجه الشاب الذي كان يقف في مواجهته .
تنهد الشاب عدة مرات بألم وامتعاض .. راح يردد بصوت هامس متحشرج .
- حقاً لا توجد طريقة أخرى .. ولكن ..
قاطعه الرجل الفظ بحدة وحزم وهو ما زال يرد على الاتصالات المتوالية :
- ولكن ماذا ؟! .. دع عنك ولكن هذه ، احزم الأمر . لقد قتلت الوقت .. فوقتي كما تعلم ثمين .. ثمين جداً ، فإن لديّ عشرات بل مئات الطلبات ، وكلها صفقات مجدية بمئات الآلاف بل بالملايين .. على الأقل هي ليست كالصفقة هذه التي معك .. إنك رجل متردد ، وسوف تقتلني بترددك هذا ، فالآلاف من أمثالك يتمنون مثل هذه الفرصة ، ولولا أن صديقي العزيز هو الذي وجهك إليّ وأوصاني بك خيراً لرفضت طلبك هذا ، فأنا لم أتعود الالتفات إلى مثل هذه الصفقات التافهة القاتلة .
تململ الشاب قليلاً بعد الاستماع إلى تلك المحاضرة المطولة التي ألقاها الرجل الفظ على مسامعه .. حلق في السماء ببصره الزائغ بينما الدموع تترقرق في عينيه .
أشاح بوجهه وعينيه ليتفادى سياط الشمس الملتهبة التي تتوسط كبد السماء .. ألقى بنظراته التائهة نحو الرجل الفظ .. تمتم ببطء :
- ولكن .. هل من المضمون أن تتم العملية بنجاح ؟! .. إنني ..
قاطعه الرجل صارخاً بحدة وامتعاض وهو يتناول جهاز الاتصال الخلوي ويضعه على أذنه :
- لماذا تشكك في عملياتي ؟! .. هل تظن بأنني رجل هاوٍ ؟! .. لا .. فأنا رجل محترف .. اسأل كل التجار في المدينة .. في المدن الأخرى .. اسألهم من هو ملك السوق .. سلطان السوق .. إنه أنا يا هذا ؟! .. يبدو أنك شاب جاهل في مثل هذه الأمور، أنت لا تعرف من أنا .. ولقد صدق المثل القائل : " إللي ما بيعرف الصقر بيشويه " ..وأنت شويتني .. حرقني .. قتلتني بهذا التردد وهذا التشكيك .. إن الأنفاق التي أشرف عليها مضمونة .. البضائع التي أقوم بتهريبها مكفولة .. لتفهم هذا جيداً .
يبدو أن شيئاً من الطمأنينة قد تسلل إلى قلب الشاب ، أو لعله تقبل الأمر على مضض ، فهدأت نظراته بعض الشيء .. أردف :
- ولكن ..
قاطعه الرجل بتأفف وضجر وهو ما زال يرد على الاتصالات المتوالية :
- أوه .. ولكن .. ولكن .. لقد قتلتني هذه الكلمة اللعينة ، ألا يوجد في قاموس لغتك من كلمة سواها ؟ .. قلت لك آلاف المرات .. لا تخف .. لا تخش شيئاً .. فسوف تصل زوجتك إليك من الجانب الآخر سالمة .. معافاة .. دون أن يحدث بها أي خدش أو يصيبها أي مكروه . والآن أين هي النقود التي اتفقنا عليها ؟! .
حاول الشاب أن يتودد للرجل .. حاول أن يرسم ابتسامة على وجهه .. مال إلى جانب اللين والرقة .. فإنه بحاجة ماسة لإحضار زوجته من الجانب الآخر ، خاصة بعد أن أعيته الحيل واستعصت عليه الأمور وذلك من أجل إحضار زوجته من الجانب الآخر.
مد الشاب يده إلى جيبه الداخلي .. لم يلبث أن أخرج منها رزمة من الأوراق النقدية .. مد يده بالنقود ناحية الرجل .. لم يلتفت إليه الرجل الفظ ولم يمد يده لتناول النقود .. بادره بعجرفة وتعالٍ :
- كم ؟ ..
رد الشاب بابتسامة باهتة :
- ثلاثة آلاف .. ثلاثة آلاف دولار يا سيدي ..
- لقد قلت منذ البداية بأنك سوف تقتلني .. ولقد قتلتني فعلاً .. وها أنت تقتلني مرة أخرى .. وأخرى .. لقد قلت خمسة آلاف دولار .. هل تسمع ؟‍ .. خمسة آلاف دولار لا تنقص سنتاً واحداً .. هل تسمع ؟‍! .
تحشرج صوت الشاب .. اغرورقت عيناه بالدموع .. هتف متوسلاً مستعطفاً :
- صدقني يا سيدي .. صدقني بأنني طوال الأسبوعين الماضيين لم أستطع الحصول على أكثر من هذا المبلغ .. لقد بعت كل ما أملك من أثاث في منزلي .. لقد استدنت من الجميع .. اقترضت من البنوك .. لم أدع باباً إلا وطرقته .
- وما شأني بذلك كله ؟! .. هل تظن أنني مؤسسة خيرية .. شؤون اجتماعية ؟! .. خمسة آلاف دولار .. لا تنقص سنتاً واحداً هي ما أريد .. إذا كنت تظن أن هذا المبلغ سيدخل جيبي فسوف تكون مغفلاً .. مغفلاً كبيراً .. فما أنا سوى واسطة .. أعمل لحساب أشخاص آخرين .. أشخاص على مستوى المسؤولية .. وأنا لا آخذ سوى الفتات .. النزر اليسير .. أنا أقول لك هذه الأسرار لأنني أعلم أنك لن تفشي شيئاً مما تسمع أو ترى .. لا لشيء إلا لأنك بحاجة لي .. ولأنك أضعف من أن تتفوه بحرف .. لأنك ستصبح في خبر كان إن فعلت ذلك .
- حسناً .. حسناً يا سيدي .. سوف أدفع لك الباقي فيما بعد .. اكتب عليّ شيكات .. كمبيالات .. اكتب ما تريد .. وسوف أسدد لك كل ما تريد .. ولو كانت المبالغ مضاعفة .. فقط أريد أن تحضر زوجتي من الجانب الآخر.
- خمسة آلاف دولار .. دون أن تنقص سنتاً واحداً .
- حسناً .. لتقبل هذا المبلغ الآن .. وسوف أكون تحت أمرك للعمل في حفر الأنفاق بالمبلغ الباقي وللمدة التي تريدها .. حتى لو كانت خمس سنوات .. عشر سنوات .. سوف أتقدم باستقالتي من العمل الوظيفي غداً للتفرغ للعمل في حفر الأنفاق الجديدة التي تنوي القيام بها .
- هاها … ها ها .. يا لك من شاب مهذب فعلاً .. لا .. بل يا لك من شاب مغفل .. بل مغفل كبير ..هل تظن أن العمل عندي في حفر الأنفاق يتم بهذه البساطة ؟‍ .. إن هناك العشرات .. بل الآلاف الذين يتمنون العمل عندي .. منهم الموظفون .. الخريجون .. ال ..
- اعتبرني ولداً من أولادك .
- ليس عندي أولاد .. ولا أحب مثل هذا الشيء .. أريد الخمسة آلاف دولار ولا شيء سواها .. ألا يكفي أنني قمت بتعطيل صفقة مجزية من أجل إحضار حرمك المصون ؟.. ألا يكفي أنني لم أحاسبك على الصفقة بالوزن .. بالكيلو ؟‍ .. واكتفيت باعتبارها صفقة بدون وزن .. ولكنها كانت صفقة خاسرة فعلاً ..
بل خاسرة جداً .. وأنا لم أتعود الصفقات الخاسرة مطلقاً .. رغم أنني أعمل في هذا المجال منذ عشرات السنين .. وهذه أول صفقة خاسرة في حياتي .
- سيدي .. إنني ..
- استمع إليّ أيها الشاب .. سوف أعتبر الصفقة معك ملغاة .. سوف أعتبر أن الأمر كأنه لم يكن .. وسوف أعتذر لصديقي عندما أدعوه لشرب فنجاناً من القهوة وسيجارة ونارجيلة .. ولا بأس من سهرة في بيت إحدى النساء الجميلات .. وسوف يقبل صديقي بذلك .. وسأتحلل من وعدي له بمساعدتك عندما أعلمه
كم كانت الصفقة خاسرة .. فلتعتبر الأمر منتهياً .. هيا اغرب عن وجهي .
قال الرجل ذلك وهو ما زال يضع أجهزة الاتصال على أذنيه من الجانبين .
هتف الشاب برقة وتذلل :
- سيدي ..
قاطعه الرجل بعجرفة وعنجهية وهو يشيح بوجهه عنه إلى الناحية الأخرى :
- لست بسيدك .. لا أعرفك .. اغرب عن وجهي .. ابحث لك عن رجل آخر سواي لكي يساعدك .
- أعرف بأن لا أحد يجرؤ على القيام بأي عمل في هذا المضمار دون أن تكون على معرفة بذلك .. ودون موافقتك .. لأنك ستكون الشريك في النصيب الأكبر .. وإن لم يفعل فمصيره الموت .. ومصير نفقه سوف يؤول إليك .
- أوه .. ها أنت تعرف الكثير عني أيها الشاب الأحمق .. من أعلمك بذلك ؟!
- الجميع يعرفون ذلك ..
- إذن عليك أن تعيّ ذلك جيداً .
- أرجوك .. أرجوك يا سيدي .. أريد فرصة أخيرة ..
- لا فرصة لك عندي ..
- أرجوك .. أتوسل إليك .. أقبل يديك .. أقبل رجليك ..
- خمسة آلاف دولار لا تنقص سنتاً واحداً هي ما أريد .. ولا أريد أن تقبل يدي أو رأسي .. فإن المثل يقول : " بوس الأيادي ضحك على اللحى " .. وأنا لا أريد أن تضحك على لحيتي .. ولم يسبق لأي أحد أن ضحك على لحيتي مطلقاً .. بل أنا الذي أضحك على كل لحى رجال البلد .
- لك ما تريد يا سيدي .. فقط أعطني فرصة .. فرصة واحدة أخيرة .
قال الرجل الفظ وهو يتأفف ويشيح بوجهه عن الشاب وينقر على سلاحه الأتوماتيكي بيد ، ويرد على مكالمة الجهاز الخلوي باليد الأخرى .
- الغد .
- الغد ؟!
- نعم .. الغد على أكثر تقدير .. إن لم تحضر المبلغ بالكامل .. خمسة آلاف دولار لا تنقص سنتاً .. فإياك .. إياك أن تريني وجهك الأحمق هذا .
- سيدي ..
- انتهى اللقاء .. هيا من هنا .
أشاح بوجهه عن الشاب وهو ما زال ينقر بأصابعه الغليظة على سلاحه الأتوماتيكي بشكل عصبي ، بينما أشار باليد الأخرى التي تحمل جهاز الاتصال ناحية بعض الرجال الذين كانوا يقفون قريباً من المكان .. اندفع نحو الشاب رجلان كالعمالقة .. أمسكا به من يديه وقدميه .. سارا به كأنه طفل صغير بين أيديهما ، ولما ابتعدا عن المكان بعض الشيء .. ألقياه في الطريق .

-3-
فتحت المرأة عينيها مرة أخرى ببطء ، ثم راحت تستعيد الذكريات ببطء أيضاً ..
في صالة أحد الفنادق المتواضعة وسط مدينة القاهرة ، كانت تزف إلى العريس الشاب وذلك قبل حوالي العام .
هو شاب يقيم في الوطن ، أتم دراسته الجامعية في إحدى الجامعات المحلية منذ عدة سنوات ، استطاع الحصول على وظيفة متواضعة بشق الأنفس .
هي ابنة عمه المقيم في القاهرة منذ عشرات السنين ، أبوها نزح عن أرض الوطن بعد نكسة حزيران المشئومة .. تزوج من فتاة مصرية من عائلة محافظة ، أنجب العديد من الأبناء الذكور ، ولم تكن من ابنة أنثى سواها .
نشوة الفرح غطت على ما سواها عندما تزوجت الابنة المدللة من ابن عمها ، يومها قام بالتوجه إلى القاهرة عن طريق معبر رفح الحدودي ، وجد الصعوبات الجمة أثناء المغادرة .. الزحام .. الاختناق .. الانتظار الممل القاتل .
كان الشقاء عنده مزدوجاً بل لعله ثلاثياً .. فلقد اصطحب معه في تلك الرحلة والديه .. ليشهدا زفاف ولدهما الوحيد .. وكانت فرصة أيضاً للقاء الأخوة .. والد العريس الشاب وشقيقه والد العروس .
لقد تألم يومها كثيراً لما كابده الوالدان العجوزان من مشقة وعناء ، وفكر أن يعود أدراجه أكثر من مرة في أكثر من مرحلة من مراحل السفر المرهق .. ولكنهم في النهاية وصلوا القاهرة .
استقبلهم العم وزوجته المصرية بالترحاب البالغ ، والحفاوة العظيمة ، أقاموا في القاهرة عدة أيام من أجل القيام بعمل الترتيبات اللازمة لإتمام الزفاف .. حقاً أن الحفل كان متواضعاً نوعاً ما ، ولكنه كان بهيجاً وممتعاً .. بل رائعاً .
تم لهما الزفاف والزواج في جو يعبق بالسعادة والحبور ، أقاموا في القاهرة عدة أيام أخرى قاربت على الشهر ، ثم قرروا العودة إلى أرض الوطن برفقة العروس .
كانوا يعتقدون أن الأمر في منتهى السهولة ، وسوف يتم بدون أية تعقيدات ، ولكن الأماني والأحلام شيء والواقع شيء آخر .
فبعد الوقوف في الساحة المكتظة والطابور الطويل في الانتظار وذلك منذ الصباح الباكر بل منذ ساعات الليل المتأخرة في الجانب الغربي من المعبر الحدودي ، أبرز الشاب ووالداه الوثائق وجوازات السفر الخاصة بهم ، قام الموظف المختص بمراجعة البيانات وتدقيقها ، ثم قام بوضع الخاتم الخاص الذي يسمح لهم بمغادرة الأراضي المصرية ، عندما قدمت الفتاة وثائقها وجواز سفرها ، والتي كانت عبارة عن وثيقة السفر الفلسطينية الصادرة من القاهرة ، توقف الموظف المختص قليلاً وهو ينظر ناحية الفتاة وناحية الوثيقة .
- أين تأشيرة المغادرة ؟! ..
بهت الشاب ووالداه والفتاة للمفاجأة غير المتوقعة.. ردد الشاب بوجل :
- أية تأشيرة تعني ؟! ..
- تأشيرة السماح لها بمغادرة الأراضي المصرية ..
- ومن أين نستطيع الحصول عليها ؟! .
- من الخارجية المصرية ، وسوف تحصلون عليها بكل بساطة وسهولة .
- والآن .. ماذا علينا أن نفعل ؟ .
- أنتم يسمح لكم بالمغادرة ، أما هذه الفتاة ، فعليها العودة للقاهرة .
فوجئ الجميع بالأمر ، فلم يحسبوا لمثل هذه الأمور حساباً ، اعتقدوا أن الأمور سوف تسير بمنتهى اليسر والسهولة بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة .. تداول الشاب الأمر مع والديه وزوجته ، وأخيراً توصلوا إلى قرار .
استأنف الوالدان رحلة العودة إلى أرض الوطن ، وعاد الشاب برفقة زوجته إلى القاهرة للحصول على تأشيرة المغادرة ، والتي أفهمهم الموظف المختص بأن الحصول عليها سوف يكون بمنتهى السهولة واليسر .
فوجئ العم وزوجته بعودة ابنتهم العروس وزوجها إلى القاهرة ، واستفسروا منهما عما حدث ، فشرحا لهما الأمر بمرارة .
منذ صبيحة اليوم التالي قام الجميع بزيارة وزارة الداخلية للحصول على تأشيرة المغادرة لابنتهم العروس التي يجب أن ترافق زوجها للعودة إلى أرض الوطن .. وقد ظن الجميع أن الحصول على تلك التأشيرة سوف يكون بمنتهى السهولة واليسر كما قيل لهم .
انقضى النهار بطوله وهم يترددون على المكاتب ، الواحد تلو الآخر للاستفسار والحصول على الأوراق وتعبئة النماذج ودفع الرسوم المطلوبة وغير المطلوبة ، حتى قارب اليوم على نهايته ، وأعلن المسؤولون في الأقسام انتهاء يوم الدوام الرسمي للعمل ، وطلبوا منهم المراجعة في اليوم التالي لإتمام باقي الإجراءات .
وكان اليوم التالي .. والذي يليه .. والذي يليه .. زيارة لأقسام الوزارة والوزارات الأخرى .. الدائرة والدوائر الأخرى .. تعبئة النماذج من جديد والأوراق الأخرى والأخرى .. دفع الرسوم الأصلية والفرعية والجانبية .
انقضى اليوم واليوم التالي .. الأسبوع والأسبوع الذي يليه .. الشهر والشهر اللاحق .. دون جدوى .. وكان الجواب دائماً :
- الأوراق ناقصة .. البيانات غير مستوفاة .. ال .. عليكم أن تحضروا غداً .
ويبدو بأن غداً لم ولن يأتي أبداً .. وتذكر الجميع ذلك البرنامج الإذاعي الذي كانوا يستمعون له دائماً .. والذي كان ينتهي دوماً بعبارة شهيرة تقليدية يكررها المسئول بصوته الأجش في نهاية الحلقة :
" تفوت علينا بكرة يا سيد ؟! " .
وأحسوا أن هذه العبارة سوف تنطبق عليهم .. بل هي قد انطبقت عليهم بالفعل .
في النهاية .. وبعد المشوار الطويل الذي استغرق شهوراً وشهوراً .. وبعد إتمام كل الأوراق .. البيانات .. الرسوم . كان الجواب الذي نزل عليهم كالصاعقة .. فلقد كان الجواب الذي فاجأهم به الموظف المختص صاحب الصوت الأجش وهو يبتسم ابتسامة بلهاء غريبة .. هو لم يردد العبارة الشهيرة :
" تفوت علينا بكرة يا سيد "
وإنما كانت عبارة جديدة من نوع آخر ..
- آسف .. لا يوجد تأشيرات بالمغادرة حالياً .
وقع الأمر على الجميع وقوع الصاعقة ، فلقد ذهبت كل جهودهم سدىً .. وذهبت كل أحلامهم أدراج الرياح .. فكان على الزوج الشاب أن يغادر القاهرة إلى أرض الوطن يتدبر الأمور من هناك ، وليحاول أن يحضر زوجته إلى أرض الوطن بطريقة ما ..
* * *
أغلقت عينيها .. صوت احتكاك العجلات الحديدية بالقضبان الحديدية تأخذ شكلاً عشوائياً غريباً .. ترتطم بسمعها بقوة ، تشعر بالدوار من جديد .. الغثيان .. رائحة الرطوبة العفنة تغزو خياشيمها بقوة ، تشعر بالتقزز .
فتحت عينيها مرة أخرى .. راحت تستأنف رحلة استعادة الذكريات ..
بعد أن عاد زوجها الشاب إلى أرض الوطن ، راح يفعل المستحيل من أجل إحضار زوجته إلى أرض الوطن ليلتئم الشمل ، لم يدع باباً إلا وطرقه .. لم يدع مسئولاً إلا وسأله وتوسل إليه ، سأل أهل الخبرة والمعرفة ببواطن الأمور ، فلعل عند أحدهم الجواب الشافي والرد المريح .
تاه في دهاليز الأسئلة والاستفسارات ، وضاع في دنيا أهل المعرفة ومدعي المعرفة ، فكان كل منهم يدلي بدلوه ، يقترح الحلول ، يتفلسف في الرأي ويتحذلق في وجهات النظر ، فيخرج الشاب في النهاية بلا فائدة أو جدوى ، فيضيع مرة أخرى في دهاليز التيه المظلمة .. إلى أن أرشده أحدهم إلى الحل الأنموذج والرأي الأصوب ، فراح ينفذه بسرعة ودقة .. واتصل بزوجته في القاهرة لكي يطلعها على الأمر .
لا زالت تذكر كم كانت سعادتها يومها عندما ظنت أنها قد وصلت إلى الحل النهائي لهذا الموقف الشائك ، فحزمت حقائبها وتوجهت إلى المعبر ، ورافقها الأب حتى هناك ، واستطاعت بعد عذاب يوم طويل من الانتظار والزحام الشديد والجوع والعطش أن تتجاوز المرحلة الأولى ، حيث تمكنت وحسب الإرشادات التي تلقتها من زوجها
- وحسب التعليمات التي أشار بها أصحاب الخبرة - تمكنت من اجتياز المرحلة الأولى وهي مرحلة الجانب الغربي من المعبر .
تملكها الشعور العارم بالسعادة ، فلقد شعرت أن الغمة قد زالت ، وأن الأمور سارت على خير ما يرام ، واطمأن والدها على سير الأمور بمثل هذا الشكل الجيد .. فغادر المعبر مطمئناً ، وتوجه ناحية منزله في القاهرة .
وصلت إلى المرحلة الثانية من المعبر ، وأحست أنها قد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى الهدف المنشود، حيث أن أرض الوطن أصبحت على مرمى الحجر وأمام بصرها مباشرة ، فوقفت تنتظر الساعات الطوال في الساحة الواسعة الكبيرة ، واصطفت في الطابور الكبير .
تحملت الجوع والعطش .. الحر والعرق .. الذباب البغيض والناموس الأحمق . تحملت الزحام الشديد والتدافع بين أمواج البشر المتلاحقة ، يحدوها الأمل بتجاوز كل تلك الأمور بعد لحظات أو بعد ساعات قليلة على أكثر تقدير .
راحت تتصور اللحظات السعيدة تلك التي سوف تكون بعد وقت قصير .. عندما تلتقي بزوجها الشاب ووالديه في الجانب الآخر ، حيث ينتظرونها منذ الصباح الباكر هناك حسب الاتفاق .
ساعات وساعات كابدت شتى الأمور ، حتى وصلت إلى مكان تقديم الأوراق والجوازات والوثائق .. قدمت ما لديها من مستندات .. نظر الموظف المختص إلى الوثائق وإلى المرأة .. أعادها لها بهدوء محاولاً أن يوصل صوته إلى مسامعها وسط الضجيج الذي يغطي على المكان .
- معذرة يا سيدتي .. بمثل هذه الوثائق لا يمكنك الدخول .. فأنت بحاجة إلى وثيقة أخرى .. وهي ..
راح الموظف يحاول أن يشرح لها ما تحتاجه .. ولكنها لم تكن تسمع .. ولم تعد ترى .. ولم تعد تعي .. أحست بالدوار .. مادت الأرض من تحت قدميها .. شعرت بالغثيان .. سقطت على الأرض ٍفارتطمت بها بقوة أصابتها فشج رأسها ، عمل الحاضرون على إعادة الوعي لها ، فلما عاد لها الوعي .. كان عليها أن تعود
من حيث أتت !!.

-4-
- هل أحضرت النقود ؟ .. لا أريد أن تفلسف الأمور على هواك .. فلا داعي للحذلقة .. ولا وقت عندي للجدال والنقاش .
صرخ الرجل الفظ بحدة وهو يوجه نظرات نارية إلى الشاب الذي كان يقف بذلة وانكسار أمامه .. رد الشاب بصوت تخنقه العبرات :
- نعم يا سيدي .. لقد أحضرت المبلغ .
- بالكامل ؟
- بالكامل يا سيدي ..
- خمسة آلاف دولار لا تنقص سنتاً واحداً .
- لا تنقص سنتاً .
- وماذا تنتظر ؟ .. هيا .. ضعها على هذه المنضدة .
راح الشاب يخرج النقود من بين ثنايا ملابسه .. رزمة رزمة .. وضعها أمام الرجل على المنضدة بيد مرتعشة .. تمتم الشاب بصوت متحشرج :
- خمسة آلاف دولار لا تنقص سنتاً .. ها هي يا سيدي .
- جيد .. لقد أصبحت شاباً عاقلاً .. ولم تعد أبلهاً .
- الله وحده يعلم كيف حصلت عليها .
- هذا لا يعنيني مطلقاً .. المهم أنك حصلت عليها .. والأهم .. أنني حصلت عليها في النهاية .. اطمئن .. فسوف يكون كل شيء على ما يرام .
- متى يا سيدي ؟
- عليك الانتظار قليلاً .. حتى الشهر القادم .
فوجئ الشاب بالأمر .. تمتم بألم وامتعاض :
- الشهر القادم ؟! .. مستحيل يا سيدي .. فإن زوجتي لا تستطيع الانتظار حتى الشهر القادم ، فمن الضروري أن تكون بيننا في أقرب وقت ممكن .
- المنتظرون على القائمة كثيرون ، عليك الانتظار حتى يأتي موعدك .. في الشهر القادم على أقل تقدير .
- أرجوك يا سيدي .. من المستحيل ذلك .. أرجو أن يتم ذلك في أقرب فرصة .. غداً .. أو بعد غد .. أرجوك يا سيدي .
صرخ الرجل الفظ بتهكم :
- ولماذا لا يكون اليوم ؟! .. ولماذا لا يكون الآن ؟! . إن الأمور تحتاج إلى تدبير وتجهيز وإعداد .. وهذا يحتاج إلى الوقت الكافي .. علاوة على ضرورة انتظارك حتى يأتي دورك على القائمة .
- أرجوك يا سيدي .. أتوسل إليك .
- أرى بأنك تكثر الرجاء ، وتكثر التوسل ، يبدو أنك تجيد هذه الأشياء ، ويبدو أن لديك الكثير منها .. إذا كان الأمر كذلك ، فأنا أنصحك الاحتفاظ بهذه الأشياء لعرضها على أناس آخرين غيري ، فإن مثل هذه العملة الرديئة غير مقبولة عندي ..العملة الوحيدة المقبولة عندي هي شيء اسمه الدولار ، هل تفهم هذا أيها الشاب؟ .. إن وقتي ثمين .. بل ثمين جداً كما أفهمتك ، فيكفيني ما أضعته معك من وقت طويل في هذه الصفقة الخاسرة .
صمت الشاب .. تحشرج صوته .. خنقته العبرات ، فهو في عجلة من أمره ، بل إن الأمر ضروري وملح ، فزوجته حامل في نهاية الشهر التاسع ، وهي ستضع مولودها خلال أيام قلائل .. الرغبة الأكيدة عنده وعند زوجته وعند والديه أن تكون زوجته بينهم عند الوضع ، فهذا أول مولود لهما ، وأول طفل للعائلة منذ سنوات طويلة .. وهو لا يستطيع أن يصارح الرجل الفظ بحقيقة الأمر ، هو لا يريد أن يعلمه بهذه الأمور .
غلب البكاء على الشاب .. سالت الدموع من عينيه كالمطر المنهمر ، حاول أن يتحدث ، أن يتفوه بحرف ، ولكن صوته كان مختنقاً بالعبرات والحشرجة .
يبدو أن الرجل الفظ لاحظ ما بالشاب من تأثر ، ويبدو أن قلبه قد رق للشاب أخيراً .. هتف بصوته الأجش من بين الدخان الأزرق المتصاعد من لفافته الغريبة :
- حسناً .. حسناً أيها الشاب ، لقد رق قلبي لك يا ولدي ، سوف أفعل المستحيل على أن تكون زوجتك هنا في الغد .. عليك أن تتصل بها في مكان إقامتها هناك ، وعليك أن تطلب منها أن تعد نفسها من الآن ، وعليها أن تكون جاهزة في الجانب الآخر غداً صباحاً .
ولم يلبث أن أخرج من أحد جيوبه الداخلية ورقة مطوية ناولها للشاب قائلاً :
- وهذه هي ورقة التعليمات ، مدون بها العنوان والأشخاص ، ويجب أن تلتزم أنت وزوجتك بما جاء بها جيداً .
- أشكرك يا سيدي .. أشكرك من كل قلبي .
- لا داعي للشكر يا ولدي .. هيا .. رافقتك السلامة .. وكذلك زوجتك .
غادر الشاب المكان وقد ارتسمت شبه ابتسامة على محياه ، فلقد شعر أن الجانب الإنساني قد غلب على الرجل الفظ أخيراً ، لام نفسه كثيراً لأنه كون فكرة سيئة عن الرجل في الوقت السابق .
لم يلبث أن تنبه من أفكاره بعد أن سار عدة خطوات مغادراً المكان ، فلقد أتاه الصوت الأجش للرجل الفظ :
- لقد نسيت أن أقول لك أمراً بسيطاً .. بل هو بسيط جداً .. فإن عليك أن تجهز نفسك أيضاً غداً صباحاً .
- سوف أكون جاهزاً يا سيدي ، وسوف أكون متواجداً منذ الصباح الباكر جداً .
- ولكن لا تنس أن تجهز نفسك جيداً ، وأن تجهز أيضاً ألف دولار .
- ألف دولار ؟! .
- نعم .. ألف دولار لا تنقص سنتاً واحداً .
- لقد دفعت لك قبل لحظات المبلغ بالكامل .. خمسة آلاف دولار .
- حقاً أنت قد فعلت ذلك ، ولكن ذلك كان للبريد العادي .
- البريد العادي ؟!
- نعم البريد العادي .. أما البريد المستعجل الذي تطلبه الآن ، فإنه يحتاج إلى مبلغ آخر .. ألف دولار أخرى .
تمتم الشاب بصوت متحشرج من بين الدموع والأنين :
- ألف دولار أخرى ؟! .. من أين ؟!
- هيا .. هيا أيها الشاب .. فلا داعي للولولة والبكاء .. دع الولولة للنساء ، واحتفظ بالبكاء والدموع لتذرفها على أبواب الدائنين .
* * *
منذ الصباح الباكر .. كان الشاب يقف في المكان ، وصل قبل وصول الرجل الفظ وزبانيته ، راح يغدو ويجيء في المكان في انتظار وصول الرجل وبطانته ، ولم يلبث أن انضم إليه بعض الرجال الآخرين بالتدريج .
بعد وقت طويل .. وصل موكب الرجل المهيب ، تحيط به زبانيته من كل ناحية ، يحملون البنادق الرشاشة الآلية بأيديهم والحقد في قلوبهم والتجهم على وجوههم .. أحضروا له المقعد الوثير فجلس الرجل في مكانه المعتاد ، حاول الشاب أن يصل إليه ليعلمه بوجوده منذ الصباح الباكر ، منعه الرجال المسلحون من ذلك ، صرخ الشاب بأعلى صوته :
- أنا هنا يا سيدي .
لم يلتفت الرجل إليه ولم يأبه به ، سرعان ما كان الرجال يجهزون له " النارجيلة " الخاصة غريبة الشكل ، ثم أتبعوها باللفافة المعهودة ، وفنجاناً كبيراً من القهوة .
راح الرجل ينفث اللفافة ويحتسي القهوة بينما انشغل أحد الرجال بتجهيز " النارجيلة " بما تحتاج إليه من أمور خاصة ! .
أشار الرجل بيده إشارة معينة للرجال المسلحين ، فأشاروا بدورهم لأحد الرجال الذين كانوا يقفون إلى جانب الشاب ، تقدم الرجل ناحية الرجل الفظ ، همس له عدة كلمات ، الرجل الفظ لم يتفوه بحرف ، اكتفى بالاستماع ، واحتساء القهوة وتدخين اللفافة ، كل ما فعله أن أومأ برأسه إيماءة خفيفة ، فهم الرجل الآخر منها الدليل على الموافقة على ما جاء من أجله وما همس به للرجل الفظ .. أخرج من بين ثنايا ملابسه رزمة ضخمة من النقود والعملات الأجنبية ، وضعها على المنضدة أمام الرجل الفظ وغادر المكان بهدوء ، أشار الرجل الفظ إشارة أخرى لأحد رجاله ، سرعان ما كان يتناول النقود عن المنضدة ويغادر المكان .
تكرر الأمر مع عدة رجال ، بينما الشاب ما زال يقف ينتظر الإشارة أو النداء للاستدعاء ، وفي كل مرة ينتهي الرجل الفظ من إتمام صفقة مع رجل ، كان الشاب يعتقد أن الدور قد وصله ، خاصة وأنه قد حضر منذ الصباح الباكر قبل هؤلاء جميعاً ، ولكن الأمر طال كثيراً .
بعد عدة ساعات ، كان الرجل الفظ قد أنهى عقد الصفقات مع الرجال الموجودين ولم يتبق منهم أحد ، وأصبح الشاب يقف وحيداً في المكان ، فاعتقد جازماً بأن الرجل الفظ سوف يستدعيه ويسمح له بالوصول إليه .
أشار الرجل الفظ إشارة معينة إلى أحد رجاله المسلحين ، فاعتقد الشاب جازماً أن الرجل سوف يسمح له بالمقابلة ، ولكن سرعان ما كان الرجل المسلح يندفع ناحية الرجل الفظ وهو يحمل بيده لفافة ورقية ضخمة وضعها على المنضدة ثم انصرف .
فتح الرجل الفظ اللفافة الورقية الضخمة فظهر ما بها على مرأى من الشاب الذي كان يراقب الأمر عن كثب وقد نفذ صبره .. فراخ ولحوم مشوية .. كباب .. أسماك كبيرة الحجم .. وأشياء أخرى .
ظن الشاب أن الرجل الفظ سوف يدعو الجميع لتناول الطعام ، فإن ما كانت تحتوي عليه اللفافة الضخمة من الطعام تكاد أن تكفي لعشرة رجال على الأقل ، واعتقد أن الرجل الفظ سوف يدعوه أيضاً لمشاركته في تناول الطعام ، وأنه قام بتأخيره كل هذا الوقت من أجل هذا الهدف ؟! .
بدأ الرجل الفظ في التهام الطعام بنهم غريب ، فانقض على الفراخ انقضاضاً وكأن له ثأراً قديماً عندها .. مال ناحية اللحوم المشوية فغرس فيها أصابعه ، وغرز فيها أنيابه .. ثم اندفع ناحية الكباب ، فرمى الإصبع منها وراء الإصبع في فمه المخيف .. ليلقي بها في جوفه الذي يشبه النفق ؟! .
دقائق معدودة .. أصبحت بعدها الفراخ عظاماً ، واللحوم سراباً ، والكباب رائحة ، والأسماك شوكاً ، فأصبح الجميع أثراً بعد عين .
مسح الرجل الفظ يديه وفمه بأوراق اللفافة الفارغة ، ثم ألقى بها بعيداً ، تجشأ بشكل غريب لعدة مرات ، أشار بيده ناحية أحد الرجال فاندفع نحوه يحمل بين يديه عدة زجاجات غريبة الشكل ، ليست بريئة المحتوى ، فتح الرجل الفظ إحداها وسكب نصفها في جوفه دفعة واحدة ، ثم تدارك الأمر فأتبعه بالنصف الآخر .
عاد إلى " النارجيلة " ، راح يضع مبسمها العاجي بين شفتيه ثم يسحب منها النفس العميق تلو النفس ، ولم يلبث أن .. نام .
جن جنون الشاب وهو يلاحظ تلك الأمور الغريبة تجري أمام ناظريه ، حاول أن يصرخ ، كاد أن يسب ويلعن ويشتم ، أن يتلفظ بأقسى أنواع الألفاظ والشتائم ، ولكنه أحجم عن ذلك عندما تذكر زوجته ، وما سيحدث لها لو أنه تمادى في الأمر ، كتم غيظه وسكت على مضض .
غط الرجل الفظ في نوم عميق ، راح يصدر شخيراً صاخباً يملأ المكان ضجيجاً ، بينما الرجال المسلحون من حوله يقفون في وضع الاستعداد والتأهب .
راح الشاب يكتم آهاته وأناته ، يكتم آلامه ومعاناته ، فأي خطأ منه سوف يكون كفيلاً بالنتائج الوخيمة التي لا تحمد عقباها ، فآثر الصمت والسكينة .
شخير الرجل الفظ يرتفع ويرتفع ، حط سرب من الذباب على فم وأنف الرجل ، ولم يلبث أن ولجهما ، تململ الرجل الفظ في جلسته على المقعد الوثير ، توقف الشخير لبعض الوقت ، صدر صوت هادر متقطع ، لم يكن صادراً عن فمه ، ولكن يبدو أنه كان صادراً عن مؤخرته !! .. رائحة كريهة غطت المكان عززت الأمر ، ابتسم الرجال المسلحون ولم يجرؤ أحد منهم على الضحك ، أشاح بعضهم بوجهه ليخفي ابتسامة تطورت إلى ضحكة .
ازداد الشاب امتعاضاً وتقززاً ، سيطر عليه شعور خفيّ قويّ يحرضه على الهجوم على الرجل الفظ ليقضي عليه ، ولكن طيف زوجته عاد ليفرض نفسه عليه ، فكظم غيظه وكتم غضبه .. وآثر الهدوء .
ساعة أخرى أو أقل قليلاً من العذاب والألم للشاب .. السعادة والهناء للرجل الفظ . فتح الرجل الفظ عينيه قليلاً ، شعر أخيراً بسرب الذباب الذي حط في أنفه وفمه .. وصلت إلى خياشيمه بقايا الرائحة الكريهة ، ، فراح يحاول طرد هذا وذاك بكلتا يديه ، فتح زجاجة أخرى وسكب بعضاً منها في جوفه .
تحرك الرجل الفظ من مكانه قليلاً ، سارع بعض الرجال المسلحين نحوه ، أمسكا به من جانبيه وراحا يسندانه ، فيما أخذ الرجل يتمايل يمنة ويسرة ، سارا به بعض الشيء .. غابا فيه عن المكان لبعض الوقت ، غاب الرجل الفظ في المكان المنزوي لبعض الوقت ، ولم يلبث أن خرج منه بعد لحظات غير قصيرة وهو يحاول أن يصلح من هندامه ويعيد ترتيب ملابسه ، إذ يبدو أنه كان منزوٍ في ذلك المكان لقضاء حاجته ، كما تبادر إلى ذهن الشاب ، ولكن الشاب لم يلبث أن شاهد بطرف عينه امرأة تفر من ذلك المكان بسرعة ، وهي تحاول أن تلملم ملابسها ، وتحاول تحاشي العيون المتطفلة ، تساءل الشاب في سره بتعجب :
" وهل كانت تلك المرأة تقضي حاجتها أيضاً في ذلك المكان المنزوي ؟! " .
عاد الرجل الفظ إلى مكانه بعد أن ساعده الرجلان على ذلك ، ثم انضما إلى مجموعة الرجال المسلحين الآخرين .
أشار بيده للرجال من حوله إشارة معينة ، لم يلبث أحدهم أن اقترب من الشاب ، سحبه من يده، قاده ناحية الرجل الفظ هامساً بابتسامة سمجة :
- الدور عليك الآن .. ! .
تمتم الشاب في سره : " أخيراً ؟! .. الحمد لله " ..
بادره الرجل الفظ بصوته الأجش شبه النائم :
- هل أحضرت المبلغ ؟!
- نعم يا سيدي ..
- وماذا تنتظر ؟! .. ضعه على المنضدة .
- حالاً .. حالاً يا سيدي .
- ألا ترى بأنني أهتم بك اهتماماً خاصاً ؟! .. ألم ترَ بأنني أتحدث إليك طويلاً ؟! مع أن وقتي ثمين جداً كما رأيت .. وإنني أضن بكلمة واحدة على جميع أصحاب الطلبات والصفقات كما شاهدت .. وأنني أكتفي بالهمسة والإيماءة فقط .. بصراحة .. لقد ارتحت إليك كثيراً أيها الشاب المهذب ؟! .
وضع الشاب النقود على المنضدة .. وهو يتمتم في سره :
" يبدو بأنك ارتحت لنقودي .. وليس لي " !!.
لم يلبث الرجل الفظ أن بادره :
- هل اتصلت بزوجتك ؟! .. هل أفهمتها ما يجب أن تفعله من إجراءات ؟! ..
- نعم .. نعم يا سيدي .. وهي الآن في الجانب الآخر من المعبر .. ومنذ الفجر .
- جيد .. وأنا قمت بعمل كافة اتصالاتي في الجانب الآخر لعمل اللازم من أجل إحضار زوجتك إليك .. اليوم .
- أشكرك يا سيدي .. من كل قلبي ..
- حسناً .. عليك الانتظار هناك في ذلك المكان المنزوي لبعض الوقت .. حتى تصل زوجتك . هل معك سيجارة ؟!
- لا يا سيدي .. أنا آسف جداً .. فأنا لا أدخن .. هل أشتري لك سيجارة ؟ .. علبة سجائر .. كرتونة سجائر ؟ .
- لا داعي .. لا داعي .. لا أريد أن أثقل عليك بشرائها وإحضارها .. أعط لذلك الرجل المسلح هناك ثمن العلبة وهو سيقوم بشرائها نيابة عنك .. ولا بأس بأن تعطيه ثمن علبة أخرى له .. وعلبة أخرى لكل واحد من زملائه من الرجال المسلحين ؟! .. أعطه ثمن خرطوشة .
- ولكن لا أريد أن أثقل عليه بالذهاب بعيداً لشرائها .
- لا تخش شيئاً .. فسوف لا يذهب للشراء من مكان بعيد .. سيكون الأمر أيسر مما تظن أيها الشاب الطيب .. فسوف يقوم بشرائها من مكان قريب .. قريب جداً .
- ومن أين يا سيدي وأنا لا أرى في هذا المكان النائي محلاً لبيع السجائر .
هتف الرجل الفظ وهو يبتسم ابتسامة عريضة تحمل ألف معنى ومعنى ، بينما كان يرفع الغطاء عن المنضدة ، فتظهر أسفلها عشرات " الخراطيش " مختلفة الأنواع .
- سيشتريها من عندي .. من عندي أيها الشاب الطيب !!.

-5-
فتحت المرأة عينيها قليلاً ، حملقت في الظلمة الحالكة .. ما زالت عجلات اللوح الخشبي الحديدية تصطك في القضبان الحديدية بشكل يثير القشعريرة في النفس .. الصوت منفر مقيت ، تتمنى من صميم قلبها أن تنتهي هذه الرحلة لتنتهي من محنة ذلك الصوت الكريه الذي يكاد أن يصيبها بالجنون .
راحت تخوض ذكرياتها القريبة على وقع صوت احتكاك الحديد بالحديد :
لقد حاولت عدة مرات الوصول إلى أرض الوطن بشتى الوسائل ومختلف الطرق .
لا زالت تذكر كيف حاولت ذات مرة أن تستعمل أسلوب " الرشوة " مع أحد مسئولي المعبر ، وذلك حسب توصية زوجها لها بناءً على رأي أحد ذوي الخبرة والمعرفة ، ولقد قامت بالفعل بذلك ، ولكنها ردت خائبة لأنها فشلت في الأمر بمجرد أن لوحت لبعضهم بالورقة النقدية فئة المئة دولار ؟.
غضب المسئول يومها لفعلتها تلك .. هدر .. زمجر .. صخب .. صرخ ، اجتمع من حوله عدد من الزائرين والمتطفلين .. راح يصرخ بأعلى صوته موضحاً الأمر ، راح يفهم الجميع أن تلك المرأة قد عرضت عليه الرشوة .. وها هي الرشوة لا زالت في يدها تشهد على الجرم المشهود . فوجئت المرأة بالأمر ، لسانها أصبح كقطعة حطب جافة لا يقوى على النطق .. ألقى المسئول على مسامعها ومسامع الجميع محاضرة في الأخلاق .. الفضيلة .. الأمانة وشرف المهنة ، ولم ينس أن يعرج على الحديث الشريف :
" لعن الله الراشي والمرتشي والرائش " ، وتطوع بشرح الحديث على مسامعهم ليوضح لهم ما استعصى علي بعضهم من فهم ، وليفهم الجميع بأنه مثال الرجل الأمين ..الشريف .. الشريف جداً .
اضطربت المرأة ، تلعثمت ، كادت أن تسقط على الأرض ، انزوت في الركن البعيد ، أخذت تبكي بحرقة وانفعال وعصبية .
تردد صوت المسئول هادراً كالطوفان :
- والله لولا أنها امرأة ، لعرفت كيف أؤدبها ، كيف ألقنها درساً لن تنساه طوال عمرها ، ولكنها امرأة .
انفض الجميع من حولهما بعد حين ، فلكل منهم شأن آخر ، ولكن كل منهم راح يعلق على الأمر ويفلسفه بالكيفية التي يراها مناسبة .
راحت المرأة تبكي وتئن بصوت متحشرج ، وعاد المسئول لمزاولة عمله .. بينما كانت المرأة تجلس في الركن المنزوي لأنها لم تعد تقوى على الوقوف على قدميها .. راحت تراقبه عن بعد بعيون متقدة كالجمر المتوهج ودموع غزيرة كالمطر .
بعد لحظات .. لفت انتباهها مشهد رجل من القادمين ينسل من بين الجموع ويقترب من ذلك المسئول ، همس في أذنه بكلمات سريعة ، أخرج الرجل بعدها من جيبه الداخلي رزمة ضخمة من الأوراق النقدية من العملات الأجنبية ، تناولها المسئول ولم يلتفت حواليه وهو يبتسم ابتسامة عريضة بينما كان يفسح للزائر مكاناً رحباً للمرور وهو يصافحه ويحييه بحرارة ؟!.
أدركت المرأة لحظتها كم كان خطؤها ، وكم كانت مخطئة ، فأين ورقتها النقدية المتواضعة التي لوحت بها للمسئول من رزمة الأوراق تلك ؟! ، إنها بالتأكيد لم تقدم المبالغ المطلوبة ، ولا شك أن المسئول قد غضب كل ذلك الغضب لأنها قللت من المقام الرفيع له عندما حاولت أن ترشوه بالورقة فئة المئة دولار ، فأين ورقتها المتواضعة تلك من رزمة الأوراق هذه ؟! ، ولكن .. من أين لها بمثل تلك الرزمة الضخمة ؟! .
* * *
في مرة أخرى ، وحسب تعليمات زوجها ، وذلك بناءً على تعليمات وتوجيهات أحد المتحذلقين من ذوي الخبرة ، توجهت إلى المعبر للمرة التاسعة أو لعلها العاشرة ، وهي تعتقد جازمة أن هذه المرة ستكون هي الأخيرة ، وسوف تمر الأمور بشكل جيد ، وذلك حسب ما أفهمها زوجها أثناء الاتصال بها على الهاتف ، وحسب الأوراق والوثائق التي قام بإرسالها لها والتي تضمن دخولها بكل أمن وسلام .
كان عليها أن تتقدم بتلك الأوراق والتي كلفته الشيء الكثير الجهد والمال والبحث والتقصي من أجل الحصول عليها .
عندما وصلت المعبر وتخطت المرحلة الأولى بالأوراق والتأشيرة شبه الرسمية ، كان عليها تخطي المرحلة الأصعب ، وهي المرحلة التالية .
قدمت الأوراق والوثائق للموظف المسئول ، وحمدت الله كثيراً في سرها أنه لم يكن نفس ذلك المسئول السابق الذي حاولت أن ترشوه قبل عدة أسابيع .
دقق المسئول النظر جيداً في الأوراق والوثائق التي قدمتها له ، سألها عن اسمها ، فذكرت له الاسم المدون في الأوراق والوثائق .
كرر المسئول السؤال عليها مرة أخرى :
- هل أنت متأكدة من أن هذا هو اسمك ؟! .
أجابت باضطراب وارتعاش :
- نعم يا سيدي .. وها هو مثبت في الأوراق والمستندات .
- إن هذا الأمر غريب .. غريب جداً ؟!
- وما وجه الغرابة في ذلك يا سيدي ؟!
- إن هذا الاسم مطابق تماماً لاسم إحدى قريباتي .
- يجوز أن تكون مصادفة .. مصادفة بحتة يا سيدي ..
- وهل المصادفة أن يكون الاسم الشخصي مطابقاً تماماً وكذلك اسم الأب والجد وحتى اسم العائلة ؟! .
قررت أن تتماسك ، وأن تتمالك رباطة جأشها :
- قد يحدث مثل هذا الأمر في بعض الأحيان .
- ولكن لعله من سوء حظك يا سيدتي أن تحدث المصادفة إلى درجة أن تمر قريبتي والتي تحمل نفس الاسم وبالكامل من هنا قبل ساعة أو أقل ؟!.
- وماذا في ذلك ؟!
- أعتقد .. بل أجزم .. أن هذه الأوراق غير صحيحة .
- وماذا تعني يا سيدي ؟
- أعني أنها مزورة ؟! .
تلعثمت المرأة .. اضطربت .. ارتعشت ، بادرها المسئول :
- كم دفعت ثمناً لهذه الأوراق والوثائق ؟!
- إنها .. إنها أوراقُ حقيقية .. صحيحة ..
- أريد أن أعرف من الذي قام بتزويرها وإرسالها إليك ؟ .
- إنها أوراقي يا سيدي ..
- ما اسم أمك ؟!
كان السؤال مفاجئاً ومباغتاً :
- إنها .. إنها ..
- إنها ماذا ؟! .. هل رأيت ؟ يبدو أن من أعطاك التعليمات قد ركز جيداً على الاسم الرباعي ولم يهتم باسم الأم .. ما اسم أمك يا سيدتي ؟
- إنها .. إنها ..
- لكي تثبتي لي أن هذه الأوراق والوثائق غير مزورة ، عليك أن تخبريني باسم أمك الآن ، وأعتقد أن هذا الأمر سهل .. بل سهل جداً ، فالطفل وقبل مرحلة الروضة يعرف اسم أمه جيداً .
- أرجوك يا سيدي .. أرجوك ..
- عليك أن تعترفي بالحقيقة أيتها السيدة .. عليك أن تعترفي أنها أوراق مزورة بالتأكيد ، وعليه ، فهي جريمة .. جريمة كبرى يحاسب عليها القانون ، وعقابها السجن .. السجن ولمدة طويلة .
انهارت المرأة .. بكت بحرقة .. أخذت تهذي :
- السجن لا .. السجن لا .. أرجوك .. أنا .. لا ..
- لأنك امرأة .. سوف أكون رحيماً معك .. عليك أن تعودي حالاً من حيث أتيت .. وإياك أن تفعلي مثل هذا الأمر مرة أخرى .. وعليك أن تسألي أمك عن اسمها .. وعليك أن تحفظيه جيداً .

* * *
الشمس تلهب الأرض بسياطها اللافحة .. ترتفع رويداً رويداً حتى تتوسط كبد السماء ، المكان مكشوف .. خلوي ، لا مساكن ، لا أشجار ، لا ظل ، لا ماء .
تصبب العرق غزيراً من الشاب الذي أخذ يمسح العرق المنهمر من وجهه بمنديله الذي أصبح يقطر عرقاً .
أرهقه الجوع .. العطش .. حرارة الشمس ، أحس أنه يكاد أن يتهاوى إلى الأرض .. نظر إلى البعيد ، حيث كان الرجل الفظ يجلس في الظل ، يتناول أشهى أنواع الأطعمة وألذها بشهية غريبة ، يشرب الماء الصحي البارد والمشروبات الغازية والروحية المثلجة بتلذذ ونهم .
أحس أن حلقه أصبح جافاً كالصحراء .. وأن لسانه يابسُ كالصخر الصلد ، أحس أنه أصبح في حاجة ماسة للجلوس قليلاً ليأخذ قسطاً بسيطاً من الراحة ، حانت منه التفاتة إلى البعيد ، رأى حجراً ملقىً بإهمال في المكان المقفر ، اندفع نحوه ، جلس عليه ليرتاح بعض الشيء ، أخرج المنديل للمرة المئة ، راح يجفف عرقه ، وضع المنديل المبلل بالعرق فوق رأسه عله يقيه شيئاً من لفح الشمس الملتهبة ، وضع رأسه بين يديه . . أطرق إلى الأرض .. راح يخوض في خضم بحر زاخر من الأفكار .
.. لقد لجأ إلى الرجل الفظ بعد أن تقطعت به السبل للوصول إلى ما يرجو ، كل ما كان يرجوه هو أن تحضر زوجته إلى أرض الوطن ، خاصة وأنها حامل في الشهر الأخير ، خاصة وأن رغبة طاغية تملكته وأبويه بحضور زوجته إلى أرض الوطن ، لتكون بينهم .. في منزلهم الأسري المتواضع .
لقد فعل الشاب المستحيل من أجل تحقيق ذلك الهدف دون جدوى ، لم يدع وصفة إلا وجربها ، لم يدع نصيحة إلا ونفذها ، لم يدع مشورة إلا وطبقها . ولكن ذهبت كل جهوده أدراج الرياح ، ولم تأت بفائدة ترجى ، وباءت كل محاولاته بالفشل ، بل وزادت الأمور تعقيداً .
لقد أصيب بخيبة الأمل في كل تجربة كان يقوم بها ، إلى أن رق له قلب رجل ، رجل كان في مستوى المسئولية ، على قدر كبير من المكانة الاجتماعية والمهنية .
هو رئيسه في العمل ، مديره بشكل أدق .. مال المسئول إلى مساعدة الموظف الشاب ، استدعاه إلى مكتبه ، كانت هذه هي المرة الوحيدة التي يدخل بها الشاب مكتب المدير منذ بدء عمله في المؤسسة ، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يقابله فيها . أشار عليه المدير بما يجب عليه أن يفعل ، وأوصاه بالكتمان الشديد ، والمحافظة على السر ، وهدده بأن النتائج ستكون وخيمة إذا تصرف بحمق وأفشى السر . وأفهمه بأنه يقدم له هذه الخدمة ابتغاء مرضاة وجه الله فحسب ؟! ولا يريد من الشاب أجراً ولا شكوراً .
لم ينم الشاب ليلتها من فرط السعادة ، فلقد أحس أن الحلم سوف يتحقق بعد طول العناء ، سارع بالاتصال بزوجته وزف لها النبأ السعيد . رقصت الفتاة طرباً وسعادة ، وشعرت أن الدنيا لم تعد تتسع لسعادتها الغامرة .
توجه الشاب في صباح اليوم التالي إلى مدينة رفح ، هو لا يعرف تلك المدينة بشكل جيد ، فلقد سبق له أن قام بزيارتها عدة مرات ، ولكنها كانت زيارات خاطفة سريعة ، فكان عليه بمجرد الوصول إلى المدينة أن يتوجه إلى المكان الذي وصفه له مديره المسئول بالأمس .
المكان شبه مقفر ، قريب بعض الشيء من الحدود والأسلاك الشائكة التي كانت تفصل بين رفح ورفح .. رفح الفلسطينية ورفح المصرية . فهكذا الأمر كان ، فلقد شطرت رفح إلى شطرين ، أحدهما يتبع قطاع غزة ، والآخر يتبع مصر ، ولكن الوصول من أحد الشطرين إلى الآخر أصعب من الوصول إلى القمر .. الإجراءات .. التعقيدات .. الإغلاقات .. المحظورات .. المنغصات ، وكلها أمور تكميلية لأمور أخرى للتنغيص والتنكيد والإحباط .
مبان مهدمة مبعثرة هنا وهناك ، شاهدة على جبروت الطاغي .. وظلم المحتل الباغي . فلقد تم هدم عشرات بل مئات ومئات المنازل بحجة أو بدون حجة ، بدون أسباب في كثير من الأحيان . ولقد تم هدم بعض تلك المنازل على رؤوس أصحابها بالفعل بعد أن رفض العديد من ساكنيها مغادرة منازلهم .
كانت للشاب حصيلة متواضعة عما يدور في هذا المكان ، بل في باطن الأرض على وجه التحديد ، فالهدوء وموت الحياة بكل أشكالها يسيطران على تلك البقعة ، وذلك من الظاهر ، أما من الباطن فهناك حركة دائبة غريبة تدور في باطن الأرض وعلى أعماق مختلفة .. فهناك العديد من الأنفاق التي تصل بين الجانبين .. بين الشطرين ..
عندما وصل الشاب إلى تلك المنطقة ، كان عليه أن يبحث عن الرجل الذي أشار عليه المدير المسئول بالتوجه إليه لكي يساعده في إحضار زوجته من الجانب الآخر ، كان عليه أن يصل إلى الرجل دون أن يسأل أحداً عنه ، فهكذا هي تعليمات المدير المسئول ، عليه فقط أن يستدل على الرجل ومكانه من خلال تعليمات وأوصاف وإرشادات قدمها له المدير المسئول .
استطاع أن يصل إلى المكان الذي كان يقصده ، المكان شبه مهجور ، شبه موحش شبه خالٍ . هيئ له أن لا بشر يسكنون أو يتواجدون في مثل هذا المكان المنزوي ، وقف مطرقاً للحظات وهو يفكر فيما يجب عليه أن يقوم به ، فهو يدرك أنه قد أصبح قريباً جداً من مكان تواجد الرجل الذي كان يقصده .
كأن الأرض قد انشقت عنه فجأة ، انتصب أمامه دون أن يشعر به ، رجل طويل القامة ، عريض المنكبين كالعملاق ، ولكنه عملاق بشكل آخر ، يسير على عكازين ضخمين ، يقفز بخفة ورشاقة شياطين جهنم رغم الإعاقات الواضحة في قدميه .
توجه ناحية الشاب باندفاع غريب :
- لا شك أنك تبحث عن ( ... ) أليس كذلك ؟.
فوجئ الشاب بالرجل الغريب وسؤاله المفاجئ .. تمتم مضطرباً :
- نعم .. لا ..
- كل من يأتون هنا يسألون عنه .. أنا أعرف ذلك جيداً .. وأعرف الرجل جيداً .. لا تخش شيئاً .. ولتعتبرني صديقاً لك .. ولا بد أنك سوف تحتاج لصديق في موقفك العصيب هذا ، خاصة لصديق مثلي ، يستطيع أن يخفف عنك .. يحادثك .. يسليك .. يرشدك .. نسيت أن أعرفك بنفسي .. يدعونني الجميع بـ " الحاج " ! .
نظر الشاب نحو الرجل مرة أخرى .. دقق النظر إليه جيداً ، لاحظ التشوهات العديدة في وجهه ، في يديه ، إضافة إلى تلك الإصابات البالغة في قدميه ، والتي قام بتركيب أجهزة طبية عليها تصل حتى فخذيه علاوة على العكازين الرهيبين ..
تساءل الشاب في سره :
" وماذا عسى مثل هذه الكتلة الآدمية أن تقدم لي من مساعدة ؟! " ..
تدارك الأمر .. تمتم في سره مرة أخرى : " يوضع سره في أضعف خلقه ".
فاجأه الرجل ذو العكازين مرة أخرى :
- لعلك تقول في سرك .. وماذا يستطيع أن يفعله هذا الرجل المعاق من أجلي ؟ ..
وكيف سيساعدني وهو بمثل هذه الحالة ؟؟.. الكثيرون مثلك قالوا ذلك عند أول لقاء .. وسرعان ما كانوا يغيرون رأيهم عندما كانوا يدركون كم فعلت من أجلهم من خدمات .. ولكي تتأكد من ذلك .. فإنني سوف أقدم لك أول خدمة .. عليك أن تسير قليلاً حتى تصل تلك الشجرة المهشمة هناك .. وعليك أن تطلق صفيراً متقطعاً ثلاث مرات متتالية ، فسوف تصل إلى الرجل الذي تريده بسرعة . وستعرف بعدها جيداً من هو " الحاج " ؟! .
يبدو أن ذلك الرجل كان بمثابة رزمة من المفاجآت المتتالية التي فوجئ بها الشاب .. في قرارة نفسه ، كان يشك بجدوى الاستماع إلى مثل هذا الرجل ، فلقد اعتقد بأنه أصيب في تفكيره مثلما أصيب في جسده . نظر الرجل نحوه مرة أخرى وهو يبتسم ابتسامة مشجعة هاتفاً :
- عليك أن تجرب .. جرب فقط . لن تخسر شيئاً .
أومأ الشاب برأسه قليلاً وكأنه يوافق الرجل ، ولكن على مضض .. لم يلبث أن سار عدة خطوات .. توقف قليلاً .. أصدر صفيراً متقطعاً ثلاث مرات ..
فوجئ الشاب بأكثر من رجل مسلح يفاجئونه وكأنهم يخرجون من باطن الأرض أو ينزلون من السماء ، أشهروا السلاح الآلي في وجهه ، بينما أياديهم على الزناد وهي على أهبة الاستعداد للضغط عليه .
تلعثم الشاب واضطرب ، رفع يديه إلى الأعلى تنفيذاً لأوامرهم الصاخبة المتتالية، اقترب أحدهم منه وقام بتفتيشه بدقة ، ابتعد عنه بعض الشيء وهو ما زال يشهر السلاح في وجهه .. صرخ فيه مزمجراً .
- من تريد ؟! .
خرجت الحروف والكلمات من حنجرة الشاب بالكاد :
- أريد السيد ( ... ) .
نظر الرجال المسلحون إلى بعضهم البعض بتعجب ودهشة .. صرخ أحدهم بحدة :
- وماذا تريد منه ؟! .
أجاب الشاب بتلعثم واضطراب :
- لقد أرسلني إليه السيد ( ... ) ، وهو مديري المسئول في العمل .. من أجل مساعدتي في إحضار زوجتي إلى أرض الوطن .
لم يلبث أحدهم أن أخرج جهاز اتصال خلوي ، راح يضغط على بعض الأزرار ، طلب رقماً معيناً ، تحدث بصوت منخفض جداً .. بطيء جداً .. مهذب جداً . تفوه ببعض الكلمات ، ولم يلبث أن صمت لحظات وكأنه ينتظر الرد من المتحدث على الجانب الآخر، وبعد لحظات يبدو أنه قد تلقى الرد فعلاً ، اقترب من الشاب ، نظر إليه وكأنه يتفحصه من جديد .. زمجر بصوت أجش :
- اتبعني ولا تسأل عن شيء .
سار الرجال المسلحون ، وسار الشاب بينهم دون أن يتفوه أحدهم بحرف . وصل الموكب حيث يجلس الرجل ، أشار للرجال المسلحين بيده إشارة معينة ، سمح المسلحون للشاب بالمثول بين يدي الرجل ، اقترب منه الشاب ، همس له ببعض كلمات ، لم يلبث الرجل أن أخذ يشرح للشاب الأمر بصوت هامس ، أفهمه فكرة إحضار زوجته من الجانب الآخر ، يبد أن الأمر كان مفاجئاً للشاب ، فهو لم يكن يعتقد أن الأمور ستكون بهذا الشكل الغريب ، حاول أن يبدي رأياً أو وجهة نظر ، خاصة بعد أن همس له الرجل بالمبلغ المطلوب ..
صرخ الرجل الفظ بعصبية ونزق :
- لا توجد طريقة أخرى .. لا داعي للتفكير وإضاعة الوقت ، فمهما قدحت زناد فكرك ، ومهما أطلت التفكير فأنت لن تهتدي لطريقة سواها .. لأنه وببساطة .. لا توجد طريقة أخرى ..

 

-6-
- " فيلادلفيا " .. إنها " فيلادلفيا " يا عزيزي ..
هتف " ذي العكازين " بابتسامة عريضة غريبة وهو يطوح بأحد عكازيه في الهواء حيث المكان الرحب . نظر الشاب نحوه وقد علت وجهه علامات التساؤل والاستفسار :
- " فيلادلفيا " ؟! .. ما شأنها ؟..
- أنت الآن في " فيلادلفيا " يا عزيزي ..
- أعرف أن " فيلادلفيا " موجودة في أمريكا ، وأنا ما زلت هنا !!.
- بل إن المنطقة التي حولنا هذه هي " فيلادلفيا " … " ممر فيلادلفيا " .
- وكيف ذلك بالله عليك ؟! .
- كما تعلم يا عزيزي بأن قوات الاحتلال البغيض وقبل انسحابها من أرض الوطن كانت قد قامت بحملات تدمير وتجريف كبيرة تعرضت لها المناطق والأحياء السكنية القائمة على الشريط الحدودي ، ودمرت ونسفت وهدمت آلاف وآلاف المنازل وشردت آلاف وآلاف الأسر .
- كنت أسمع بمثل هذا وذاك .. فلتوضح لي أكثر عن الداعي لمثل كل تلك الأمور؟!
- كل ذلك التدمير التعسفي جاء تحت ادعاء العدو بوجود أنفاق لتهريب أسلحة من الجانب الغربي إلى المقاومة داخل رفح وباقي أرض الوطن .. وبناء على هذه الحجة ، تم هدم آلاف المنازل تمهيداً لتوسيع ممر " فيلادلفيا " إلى ما يقرب من خمسين متراً ؛ وفي بعض المناطق إلى مئة متر ؟! .. إضافة إلى ذلك قاموا بالبدء ببناء جدار حديدي داخل أراضي رفح ، هذا الجدار يبلغ طوله ما بين تسعة إلى عشرة كيلومترات ، وارتفاعه ستة عشر متراً ، منها أربعة أمتار تحت الأرض وسمكه ثلاثة سنتيمترات من الحديد المقوى " الفولاذ " ويمتد من قرية " السويدية " غرباً وحتى قرية " الدهنية " شرقاً .
- كل هذا ؟!
- بل إن هناك فكرة وتخطيطاً وبدء عمل لحفر خندق عميق يصل إلى عمق عشرة أمتار ، وبطول عدة كيلومترات ، للحيلولة دون حفر الأنفاق وتهريب الأسلحة والذخائر ، ولقد تم بالفعل الحفر في المشروع ولكنه كان بطيئاً جداً .
- ولكن ما هو سبب تسمية ذلك الممر بممر " فيلادلفيا " أو ممر " فيلادلفي " ؟! .
- بالنسبة للاحتلال ، فقد أشارت مصادر متعددة إلى أن الاسم تم اختياره " عشوائياً " عبر جهاز " حاسوب " جيش الاحتلال قبل أكثر من عشرين عاماً .
- عشوائياً ؟! هل يمكن أن يتم ذلك بمثل هذه العشوائية ؟! .
- والبعض قال أن التسمية جاءت نسبة إلى أحد المواقع العسكرية الموجودة للاحتلال بمحاذاة الشريط الحدودي .
- لعلها أمور تحتاج إلى توضيح .
- وقال البعض أن التسمية جاءت على أساس جغرافي ، حيث أن هناك تشابهاً جغرافياً بين هذا المكان ومدينة " فيلادلفيا " الواقعة شرقي الولايات المتحدة الأمريكية في ولاية " نيو جيرسي " .
- وما هي العلاقة بين هذا وذاك ؟! .
- المدينة الأمريكية تقع إلى الغرب من خليج " ديلاوير " وعلى شاطئه الضيق المار فيها ، وهذا يجعل المنطقة وكأنها مجزأة إلى قسمين ، ويجعلها مدينة استراتيجية ، وكان لها دور كبير في الحرب الأهلية الأمريكية ، وتتلاءم مع الخطط الإسرائيلية القديمة والتي تسعى إلى شق قناة بين البحر المتوسط والبحر الميت وتبدأ من جنوب قطاع غزة .
- يا له من تشابه غريب حقاً .
- وهناك أسطورة يونانية أن بعضاً من أهالي اليونان استيقظوا ذات يوم فوجدوا شجرة زيتون ضخمة ونبع ماء انفجر إلى جانبها في ليلة واحدة ، حاول العامة من الناس الاستعانة بالعلماء على فهم ما استعصى عليهم من الأمور ، قال لهم العلماء بأنه سر إلهي ، مما دفع الملك حينها إلى التوجه إلى كهنة معبد " الإله دلفي " وهو إله الحكمة عندهم ، فقال لهم الكهنة أن الشجرة هي الإلهة " أثينا " والتي اختارت أرضهم لتعيش فيها ، وأن النبع هو الإله " بوسيدون " وهما يخيرانهم باختيار اسم منهما ليكون مسمى لعاصمة اليونان ، فتم اختيار اسمم " أثينا " .
- يا لها من أسطورة حقاً ! .. ولكن ما هي صلة الربط بين الأسطورة والحقيقة ؟! .
- الشجرة في الأسطورة ، ما هي إلا جدار اليوم الذي كان يبنيه العدو ، أما النبع الغزير في الأسطورة ، فهو النفق المائي الضخم الذي حدد العدو معالمه على الخارطة المزعومة والذي كان العدو ينوى إتمام مشروعه .. وأن الأسطورة بمجملها وعلى أرض الواقع ترسم التغيرات في الطبيعة التي كانت دولة الاحتلال تنوي غرسها بين ليلة وضحاها حتى يفيق الفلسطينيون على واقع غريب عنهم كما في الأسطورة .
- يا لها من معلومات مسلية حقاً .. ولكن دعني أسألك سؤالاً محدداً .. كيف عرفت كل هذه الأمور ؟!
ضحك الرجل ذو العكازين الضخمين حتى ظهرت أسنانه السوداء المتفحمة :
- إنها أمور ليست للتسلية ، بل هي حقائق .. فأنا ابن رفح .. أنا ابن الأنفاق .. بل قل رجل الأنفاق .. وفوق هذا وذاك فأنا جامعي .. حاصل على شهادة جامعية عليا .. ولا داعي لأن تعجب من ذلك .. فإن لإعاقتي وإصاباتي العديدة شأن آخر .. سأرويه لك .. فهل تريد أن تسمع ؟! ..
ردد الشاب في سره : " إنه فعلاً رزمة من المفاجآت .. ولقد شوقني فعلاً لسماع بقية حديثه .. والحقيقة أنه واساني قليلاً وخفف عني بعض الشيء في موقفي العصيب هذا .. فلأستمع لبقية الحديث " .
قبل أن يومئ الشاب برأسه علامة الموافقة .. أفاق من أفكاره المتزاحمة على صوت جلبة وضوضاء ، حركة غريبة ، أشخاص يروحون ويجيئون بسرعة وعصبية ، يقترب بعضهم ناحية الرجل الفظ ، يهمسون له بعدة كلمات ، لا يلبث الرجل أن يخرج من حزامه العريض أحد أجهزة الاتصال الخلوية التي يحملها ، يحاول الضغط على بعض الأرقام على لوحة الجهاز ، ينتظر الرد ، يتهامس مع المتحدث على الجانب الآخر ، يضع الجهاز في مكانه وسط حزامه ، يخرج جهازاً آخر ، يقوم بعمل عدة اتصالات متسارعة بعصبية ، يخرج جهازاً ثالثاً .. رابعاً .. وخامساً ..
تتناهى الكلمات والهمسات المتوالية إلى مسامع الشاب الذي ألهبته سياط أشعة الشمس الحارقة ، يجهد تفكيره في محاولة فهم الأمور ، يشعر بيد خشنة غليظة تربت على كتفه ، يلتفت ناحية صاحب اليد ، يصطدم بصره بـ " ذي العكازين " .. الرجل ذو العكازين الضخمين ، يبتسم له ابتسامة غامضة ، يهمس الشاب متسائلاً :
- ماذا حدث يا ترى ؟! .
زادت ابتسامة الرجل المعاق وهو يهتف :
- سترى بعد قليل ..
يجهد الشاب تفكيره في محاولة لفهم كنه الأمور ، وبعد أن يقدح زناد فكره ، وبعد أن يحاول تجميع ما تناهى إلى مسامعه من حروف وكلمات ، يستطيع بالكاد أن يفهم أن شيئاً ما قد حدث ، أو لعله سيحدث ، ولا بد أنه أمر خطير ..
ينهض الرجل الفظ من مكانه بسرعة ، ويسارع إلى مغادرة المكان ، يتبعه الرجال المسلحون ، يتأبط الرجل ذو العكازين ذراع الشاب ويدفعه إلى السير ، يجد الشاب نفسه وبلا وعي يختلط بهم ، يسير الجميع عدة خطوات ، يتوقفون لبرهة ، ثم يستأنفون السير.
بعد وقت يسير يصل الجميع إلى مكان آخر .. بناء شبه مهجور ، في منطقة شبه نائية تطل عن بعد على الشريط الحدودي الذي يفصل رفح عن رفح .. يدخل الرجل الفظ إلى المكان .. يتبعه الرجال المسلحون وبعض الرجال الآخرين ، يقف الجميع لحظات ، يشير الرجل الفظ إلى أحد رجاله إشارة معينة ، يتقدم بعدها المسلح قليلاً ، ينحني على الأرض ، يزيل بعض التراب المتراكم على أرضية المكان ، يظهر غطاء يشبه إلى حد كبير غطاء " مناهل " الصرف الصحي ، يحاول المسلح ان يرفع الغطاء الكبير الثقيل ، يتقدم آخر نحوه ، يساعده في المأمورية . بعد عدة لحظات يتمكن الرجلان من رفع الغطاء ، لا يلبث أن يهبط إلى داخل الحفرة رجل ثالث ، يهبط إلى أسفل عن طريق سلم حديدي بدائي الصنع ، ينزل خطوة خطوة حتى يختفي داخل الحفرة ، يغيب لبعض الوقت في الداخل .
يفاجأ الشاب بوصول بعض الرجال الآخرين ، كانوا مسلحين أيضاً ، كانوا يرتدون ملابس عسكرية مميزة ؟! .. لم يستطع الشاب معرفة جهة انتمائهم ، رأى وجوههم وكأنها مطموسة ، رأى زيهم العسكري وكأنه مموه ، لم يدر إن كان الأمر حقيقياً أم أن ضربة الشمس التي أصابته هي التي صورت له الأمور بهذا الشكل ؟! .. في قرارة نفسه أحس أن هذا أو ذاك لا يعنيانه في شيء ، فكل ما يعنيه هو وصول زوجته من الطرف الآخر عن طريق النفق ، ظن أن الأمر يخصه ، اعتقد أن زوجته هي التي ستصل بعد لحظات ، ولكنه تساءل في نفسه عن سر تواجد كل هؤلاء الرجال المسلحين ذوي الأزياء العسكرية الرسمية المميزة ؟! .. أجهده تفكيره بالسؤال والتساؤل ، ولكنه لم يصل إلى الجواب الشافي .. نظر ناحية الرجل ذي العكازين مستفسراً ، فرأى ابتسامة غامضة غريبة ترتسم على وجهه ، وغمز له بإحدى عينيه ؟! .
عندما هبط الرجل داخل الحفرة العميقة ، وصل إلى فوهة النفق ، بعدها قام بإصدار بعض الإشارات المتفق عليها سلفاً ، فلقد قام بشد أطراف الحبل الطويل الممتد حتى الناحية الأخرى من فوهة النفق ، ويبدو أن من كان في الطرف الآخر من النفق في الجهة الغربية قد تلقى الإشارة بشكل جيد ، فيما راح الرجل الفظ الذي يقف في المكان يعزز الأمر باتصالاته المتعددة عبر الأجهزة الخلوية التي يحملها ، ويعطي كلمات السر المتوالية والمتفق عليها .
سرعان ما كان الرجل الذي هبط إلى الحفرة ووقف عند فوهة النفق ، سرعان ما كان يشد الحبال بطريقة معينة يبدو أنه قد أتقنها لطول الممارسة ، أصابه شيء من التعب نتيجة الجهد الكبير الذي يقوم به ، انهمر العرف منه كالمطر ، راح يسحب ، ويسحب ، يمسح العرق ، ثم يسحب .. ثم ..
لحظات مرت والرجل يسحب ، بينما الرجل الفظ يقوم باتصالاته المكثفة المتوالية ، الرجال المسلحون يقفون على أهبة الاستعداد ، والشاب يتابع الجميع بدهشة وغرابة ، بينما الرجل ذو العكازين يتابع الأمور عن كثب .. الدقائق تمر بطيئة قاتلة ، الزمن يكاد أن يتوقف ، الأنفاس كذلك .. إلى أن ..
الرجال الذين يقفون عند فوهة الحفرة في الأعلى يتلقون إشارة معينة من داخل الحفرة ، صفيراً مميزاً ، فيسارعون إلى إنزال بعض الحبال المتينة داخل الحفرة ، ينتظرون لحظات ، ثم يبدأون بشد الحبال بعد أن تلقوا صفيراً آخر يؤكد إنهاء المهمة داخل الحفرة .
يسحب الرجال الحبال ينضم إليهم آخرون ، يبدو أن الحمل كان ثقيلاً .. يستمرون في العمل .. لحظات ولحظات ثم تصل الأشياء إلى فوهة الحفرة من الأعلى .
يعاودون إنزال الحبال وسحبها محملة بالأشياء والأشياء عدة مرات ، يصاب الشاب بالدهشة ، لم تكون زوجته هي محور الأمر كما كان يعتقد ؟! .. وإنما كانت الأحمال المربوطة إلى الحبال داخل بعض الأكياس الصغيرة والكبيرة .
أسلحة ؟! .. من كل الأنواع والأشكال ، أسلحة وأشياء أخرى ؟! .. بالكاد استطاع الشاب أن يدرك كنهها ؟! .
هو لم يسبق له أن رأى المخدرات ، ولم يسبق له أن تناول شيئاً منها ، ولم يسبق له أن حضر مجلسها ، ولكن الهمس الذي تناهى إلى مسامعه أكد ذلك بشكل لا يقبل مجالاً للشك والتأويل ، و ..
تقدم الرجال المسلحون ذوو الزي العسكري الرسمي المميز من الرجل الفظ الذي كان يعاين الأشياء معاينة الرجل الخبير ، والتي وصلت من فوهة الحفرة تباعاً ، تقدموا من الرجل الفظ ، ناولهم الأسلحة ، واحدة واحدة ، وهو يقوم بإحصائها وفحصها :
- قطعة .. اثنتان .. ثلاث ..
فغر الشاب فاه الدهشة وهو يرى ما يتم على مشهد منه ، وحانت منه التفاتة نحو الرجل ذي العكازين فوجده يشير له بوضع سبابته على فمه كأنه يقول له : صــه .. ، بينما كان الرجل الفظ يتابع الإحصاء والفحص والتسليم :
- عشرون ,. إحدى وعشرون .. إثنتان وعشرون ..
أنهى الرجل الفظ تسليم الأسلحة للرجال ذوي الزي العسكري المميز المموه ، صافحه الجميع .. غادروا المكان .
تقدم رجال آخرون من الرجل الفظ ، مسلحون أيضاً ، ولكنهم لم يكونوا يرتدون الزي العسكري ، كانوا بالملابس المدنية ، اخذ يناولهم الأكياس المعبأة بالمخدرات وهو يقوم بإحصائها :
- كيس .. إثنان .. ثلاثة ..
فغر الشاب فاه الدهشة كالأبله وهو يتابع ما يحدث على مرأى ومسمع منه ، بينما الرجل ذو العكازين ما زال يشير له بالسكوت والرجل الفظ ما زال يقوم بالإحصاء :
- عشرون .. واحد وعشرون .. إثنان وعشرون ..
الرجال يتناولون الأكياس ويضعونها في حقائب كبيرة والرجل الفظ ما زال يقوم بالتسليم والإحصاء :
- خمسون .. واحد وخمسون .. إثنان وخمسون ..
تسلم الرجال الأكياس ، صافحوا الرجل الفظ ، غادروا المكان ، لم يتبق في المكان سوى الرجل الفظ والرجال الذين يحملون الأسلحة ويقومون بحراسته ، والرجل ذي العكازين الذي تقدم من الرجل الفظ بابتسامته شبه البلهاء ، تنبه له الرجل الفظ فتناول من أمامه قفصاً مغطى ووعاءً زجاجياً كبيراً مغطى أيضاً ، قدمهما ناحية الرجل ذي العكازين .. رفع الرجل الغطائين عن القفص والإناء الزجاجي .. شهق الشاب للمشهد الغريب ، هتف بتعجب وغرابة :
- حتى أنت يا " بروتس " .. أقصد .. يا " حاج " ؟! ..
القفص كان يحتوي على مجموعة من العصافير والطيور مختلفة الأشكال والألوان .. متباينة الحجم .. الإناء الزجاجي فكان يحوي مجموعة من الأفاعي ؟! .. ابتسم الرجل ذو العكازين هاتفاً وهو يوجه حديثه للرجل الفظ :
- شكراً لك يا سيدي .. ولكن أرجو أن تأمر أحد الرجال بحمل هذه الأشياء حتى الخارج ، فإنني لا أستطيع حملها كما تعرف .
أشار الرجل الفظ ناحية أحد الرجال المسلحين ، فاقترب من المكان ، حمل الأشياء وخرج بينما كان يتبعه الرجل ذو العكازين وهو ينظر نحو الشاب بابتسامة غريبة ! .
حانت من الرجل الفظ التفاتة نحو الشاب ، زمجر وهدر .. صرخ فيه بجنون وحمق :
- أنت هنا ؟! .. ماذا تفعل أيها الأحمق ؟! ..
اضطرب الشاب ، تلعثم ، ود لو يفر من المكان ، تمتم ببطء بصوت متحشرج :
- كنت أعتقد أن زوجتي هي التي ستصل ؟! ..
- لقد قلت منذ البداية أنها صفقة خاسرة .. فيا لها من صفقة خاسرة وتعيسة حقاً تلك التي أبرمتها معك ..
توقف للحظات .. وجه نظرات نارية نحو الشاب وهو يصرخ بصوت مجلجل :
- إياك أن تكون قد رأيت شيئاً مما يدور هنا ؟! ..
تدارك الشاب الأمر بسرعة ، أحس بالخطر المحدق به والذي قد يؤدي به إلى التهلكة .. تمتم بوجل :
- لا .. لم أر شيئاً يا سيدي .. مطلقاً ! .
أتم الرجل الفظ صراخه وهديره :
- حتى لو كنت قد رأيت .. فإياك أن تتفوه بكلمة .. بحرف .. وإلا .. فسوف أقطع لسانك ، هذا أولاً . ثم أفقأ عينيك ، هذا ثانية . ثم أحطم جمجمتك ، هذا ثالثاً .
ثم ألقي بك إلى الكلاب المتوحشة الجائعة ، هذا رابعاً . ثم ..
قاطعه الشاب بخوف ووجل مرتعشاً :
- لن أتحدث بشيء .. صدقني .. أقسم لك بشرفي .. فأنا لا تعنيني مثل هذه الأمور .. فقط .. أريد زوجتي ..
- ستصل .. ستصل إليك اليوم .. فقط ، عليك أن تنتظر ، ولا داعي لأن أذكرك أيضاً بأن عليك أن لا تتفوه بكلمة .. بحرف مما رأيت أو سمعت .. وإلا ..
قاطعه الشاب :
- أعرف .. أعرف يا سيدي .. أعرف ما سيحدث لي أولاً ، ثم ثانياً ، ثم ثالثاً ، ورابعاً أيضاً .
- هيا اغرب عن وجهي الآن .. هيا .. انتظر هناك بعيداً .. بعيداً عني أيها الأبله .

* * *

استولى الإرهاق عليها بشكل مخيف ، راحت تحاول جاهدة أن تفتح عينيها ، تمنت لو تستطيع تحريك يديها لتصل إلى عينيها لتفتحهما ، لتصل إلى وجهها لتمسح العرق الغزير الذي ما زال يتصبب منها ، فيسقط في عينيها ، في أنفها ، وفمها ، فتحس به بمذاق غريب .
تمنت لو تستطيع أن تمد كلتا يديها نحو أذنيها لتغلقهما قليلاً ، كي تتخلص من تلك الأصوات البغيضة التي تصدر من أسفل اللوح الخشبي اللعين حيث العجلات الحديدية بدائية الصنع التي ما زالت تصطك بقوة وعنف بالقضبان الحديدية الرديئة الصدئة والتي تدق مسامعها بقوة ، وتدك أعصاب السمع وباقي الأعصاب دكاً ، فلا يسعفها سوى بعض الدموع الحارقة ، والأنين المكتوم .
ودت لو تصرخ ، فلم تستطع ، وأدركت سخافة الأمر وعقم المحاولة ، فمن ذا الذي سيسمع صراخها حتى لو تمكنت من الصراخ ؟! .
فعندما اصطحبها الرجال الثلاثة لم يكن يدور في خلدها ما ستؤول إليه الأمور ، فلقد اعتقدت أن الأمر في حكم المنتهي ، فما هي سوى دقائق معدودة وتكون في الجانب الآخر ، في أرض الوطن إلى جانب زوجها .
فها هي الأمور تنتهي بشكل جيد ، فهي لم تحتج إلى أوراق .. مستندات .. وثائق، فيبدو أن الطريقة الأخيرة التي سيتم من خلالها وصولها إلى أرض الوطن لا تحتاج إلى أيٍ من هذه الأشياء التي تكدست لديها وأصبحت كومة كبيرة ، ولكنها كانت كومة بلا جدوى أو فائدة ترتجى .
هون عليها الأمر أحد الرجال عندما كان يتقدم منها ويضع العصبة الكثيفة على عينيها ، أخبرها أن هذا ما هو إلا شكل بسيط وسينتهي بسرعة ، لم يعلمها أن ذلك الأمر الذي كان يقوم به هو من دواعي الحيطة والحذر ، خشية أن ترى الطرق والدروب والأزقة التي سوف تمر بها قبل وصولها إلى النفق .. تقبلت الأمر على مضض ، واعتبرته إجراءً جانبياً لا يستحق أن ترفضه أو أن تتمنع عن القيام به ، خاصة وأنها تعتقد أن الأمر برمته سوف ينتهي سريعاً ، بل سريعاً جداً .
كانت تعتقد أن من سيستقبلها ويقوم بالإجراءات اللازمة لنقلها إلى الجانب الآخر ، حيث ارض الوطن ، رجال محترمون ، ذوو ياقات منشاة ، أو مكوية على الأقل ! .. يرتدون الملابس الرسمية أو شبه الرسمية . لم يخطر ببالها أن تلتقي بمثل هذه الوجوه المشوهة المتجهمة ، والشخصيات المزرية المخيفة ، ولكنها في النهاية وقد أسقط في يدها، تحملت الأمر على مضض ، ورددت في نفسها عدة مرات أن الغاية تبرر الوسيلة ، فكل ما عليها أن تتحمل الوجوه الكريهة لبعض الوقت ، حتى تصل إلى بر الأمان
بعد لحظات ؟! .
لم يكن يخطر ببالها أن تكره على تناول ذلك الكوب الغريب من العصير
ذي الرائحة الكريهة ، فهي لم تكن تحب شرب العصير أصلاً ، حتى ولو كان طازجاً ومن صنع يدها ، ولكنها تناولته مكرهة بعد أن أحست بأنها عقبة جديدة يجب أن تتجاوزها للوصول إلى الهدف المنشود والوصول إلى بر الأمان .
لم تكن تدري وهي تتناول الشراب الغريب بأنها سوف تصاب بالدوار والغثيان ، وبأنها سوف تصبح شبه كومة آدمية ، ومجرد جسد بشري لا يملك لنفسه شيئاً ، لا حول لها ولا قوة .
تساءلت في سرها عما حدث لها حينئذ ، ورغم أن فكرها كان مجهداً ، ورغم إصابتها بالدوار والغثيان ، إلا أنها استطاعت الوصول بتفكيرها إلى حقيقة ذلك الشراب اللعين ، وعرفت أنه لا بد وأن يكون فيه شيء من المخدر من ذلك النوع الذي يلقي بالمرء إلى غيبوبة تامة ، بل يسبب شبه غيبوبة ، يرى .. يسمع .. يحس ، ولكن لا حول له ولا قوة ، ولا يستطيع أن يبدي أية حركة .
لعلها تأكدت من ذلك وقتئذ عندما نظرت إلى الوجوه الكالحة والعيون المرهقة للرجال وهم يتابعونها لحظة بلحظة ، حتى كادت أن تسقط على الأرض ومسارعتهم لمساعدتها ، وأية مساعدة تلك ؟!.. وتناهى إلى مسامعها صوت أحدهم وهو يهمس لصاحبه :
- إياك أن تكون قد زدت من الجرعة ..
فيرد عليه الآخر :
- هي مثل الجرعة التي نتعامل معها عادة مع الآخرين ؟! .
اعتقدت لحظتها أن هذه هي آخر العقبات ، وما هي سوى لحظات وتكون في أرض الوطن ، حيث ستضع مولودها ، إلى جانب زوجها .. بين أهله وعائلته .
ما حدث بعد ذلك كان وكأنه لا يعنيها .. كأنه يحدث لامرأة أخرى وليس لها أية علاقة بالأمر . لم تكن تستطيع المقاومة ، أو الرفض ، أو التمنع . فهي لا تستطيع أن تحرك لسانها .. يدها .. جسدها . يبدو أن تركيز المخدر قد كان قوياً بعض الشيء .. فها هي ترى الرجال يتقدمون منها .. يلقون بها على ظهرها فوق اللوح الخشبي اللعين الذي يشبه اللوح الخشبي الذي يقوم " الحانوتي "بغسل الموتى عليه عادة .
لم يكتف الرجال بإلقائها فوق اللوح الخشبي بمثل ذلك الشكل المزري ، حمدت الله أن ثوبها كان جلباباً طويلاً ، وأنها ارتدت سروالاً طويلاً تحته .
فلقد قام الرجال بشد وثاقها بحبال وأحزمة قوية متينة إلى اللوح الخشبي وكأنهم يخشون أن تفر من المكان أو أن تفكر بالعودة ، رغم أنها لم تكن بحاجة لمثل تلك الاحتياطات من الأدوات الكريهة ، فإن المخدر يقوم بشل حركتها بشكل تام .
اعتقدت أن هذه القضية هي نهاية المطاف ، وسوف تكون آخر العقبات من أجل الوصول إلى ارض الوطن بعد عدة دقائق ؟! .
لم تكن تدري أن الرجال قد شدوا وثاقها بهذا الشكل حتى لا تسقط داخل النفق نتيجة للاهتزازات المتوالية للعربة بدائية الصنع التي سوف تسير على قضبان حديدية رديئة وضعت بشكل غير دقيق وغير متقن على طول النفق الطويل .
أدركت مدى جسامة المخاطرة وخطورة الأمر ، خاصة عندما طرأ إلى ذهنها أمر فرض نفسه فرضاً ، إذ راحت تحاول احتساب موقعها ومكانها في باطن الأرض ، وعلى أية مسافة هي الآن من باطن الأرض ، هل هي عشرة أمتار ؟ .. خمسة عشر ؟ .. عشرون ؟ . إنها وحيدة .. مخدرة ، موثقة الأطراف والجسد إلى ذلك اللوح الخشبي اللعين .
أصابتها قشعريرة مخيفة ، تملكها الخوف واستولت عليها الرهبة عندما وصلت بتفكيرها إلى درجة أن راح سؤال غريب يلح على فكرها المجهد .. فماذا لو حدث لها مكروه ؟! .. ومن ذا الذي سينقذها من الخطر فيما لو .. انهار النفق فوق جسدها ؟! .


-7-
- لا تعجب أيها الشاب مما أحدثك به ، فأنا لا أحدثك إلا بالواقع والحقيقة ، ولتسأل الجميع هنا ، فهم يعرفونني جيداً ، الجميع يعرفون " الحاج " ، وهذا اللقب لم يطلقوه عليّ جزافاً ، بل عن جدارة واستحقاق .. لقد عملت بعد التخرج من الجامعة بعامين أو ثلاثة مدرساً .. في إحدى مدارس رفح .. لا تعجب يا هذا من قولي .. فهذه هي الحقيقة ، كنت رجلاً طموحاً .. شاباً متمرداً .. فلم أقتنع بالراتب الشهري الضئيل الذي تعود عليّ به الوظيفة المتواضعة .
- أعلم أن الراتب الوظيفي ليس سيئاً إلى مثل هذه الدرجة ، فأنا أيضاً أعمل موظفاً ، وبراتبي أستطيع أن أتدبر أموري والحمد لله .
- هذا بالنسبة لرجل قانع مثلك ، ولكن الأمور تختلف بالنسبة لرجل طماع مثلي ، فقررت ترك الوظيفة والعلم والتعليم ، فما لي وهؤلاء الطلاب المشاكسين والمفتشين الحمقى ، والتعليمات الجوفاء ، فاتجهت للعمل في حفر القبور .
- حفر القبور ؟! .
- أقصد حفر الأنفاق ، فلقد أعلمني الكثير من الأصدقاء أن العمل في حفر الأنفاق يدر على صاحبه النقود الكثيرة ، ويفتح أمامه آفاقاً جديدة ، وعالماً آخر .
- لا بد أنك وجدت ضالتك المنشودة للعمل في حفر الأنفاق والمردود المادي الجيد .
- قلت لك أنني رجل طماع ، وشاب متمرد ، فلقد وجدت أن المردود من حفر الأنفاق لا يكفي متطلباتي العديدة أيضاً ، فلقد رأيت كيف يتم التهريب عبر الأنفاق التي أحفرها ، وكم هو المردود المادي الهائل ، فقررت أن أعمل في التهريب إلى جانب حفر الأنفاق .
- التهريب ؟!
- نعم .. التهريب .. فإنه يتم من خلال الأنفاق ، فلقد رأيت العمليات الرهيبة والمردود الفاحش لتلك العمليات ، تهريب كل شيء .. الأسلحة .. المتفجرات .. المخدرات .. السجائر .. الذهب .. النقود .. الحيوانات النادرة والأفاعي .. الطيور والعصافير غالية الثمن .. ولقد وجدت العديد من الشباب قد سبقوني إلى هذا المجال ، مثلما سبقوني في مجال حفر الأنفاق ، وهم يجازفون ويخاطرون بحياتهم يدفعهم إلى ذلك حالة الفقر والعوز في بعض الأحيان ، والطمع والجشع في كثير من الأحيان .
- لا بد أنك استفدت كثيراً من العمل في هذين المجالين ، حفر الأنفاق ، والتهريب .
- أكثر مما تتصور ، ولكن ماذا تقول لرجل طماع .. جشع .. مثلي .. فكلما ازدادت أرصدتي في البنوك كلما ازداد رصيد جشعي وطمعي في صدري ، ولقد كانت نهايتي بيدي ، لا بيد غيري .. " بيدي لا بيد عمرو " .
- وكيف ذلك بالله عليك ؟! .
- لقد قررت أن أجازف بتهريب كمية كبيرة من المخدرات مع علمي بخطورة مثل هذا الأمر على أبناء شعبي ووطني ، وخطورة عواقبه التي قد لا تحمد عقباها .. ولكن الأرباح الهائلة المحتملة أعمت بصيرتي مثلما أعمت بصري ، فلقد فقدت كل شيء .. كل شيء ..
- وكيف ذلك بالله عليك أيها الرجل ؟!
- لقد قررت أن أقوم بتهريب بضاعتي والإشراف عليها بنفسي داخل أحد الأنفاق والتي قمت بحفرها بنفسي .. ولكن يبدو أن خبرتي كانت لا تزال محدودة في مجال الحفر ، ومجال التهريب أيضاً .. فلقد انهار النفق فوق جسدي .. حطمني .. شعرت بالموت بل عشته .. ولست أدري كيف حدث ذلك ، تماماً كما لم أدر كيف وجدتني داخل المستشفى في السرير الأبيض الذي تحول إلى أحمر لغزارة الدماء التي انسابت من جسدي ، لقد أنقذتني العناية الإلهية ولم أدر كيف تم انتشالي من القبر .. أقصد النفق .. محطم العظام .. مهلهل الجسد والوجه .. تماماً كما لم أعرف كيف تم انتشال .. بل نشل وسرقة تجارتي التي كنت أقوم بتهريبها داخل النفق ، المخدرات التي وضعت بها كل ما أملك وكل ما ادخرته من عملي في حفر الأنفاق والتهريب .. والتي لم يظهر لها أي أثر وكأنها تبخرت ؟! ..
عشرات العمليات الجراحية في الوجه والجسد ، أجريت لي .. عشرات عمليات العظام أجريت لي في يديّ .. وفي قدميّ .. حوضي .. صدري .. وظهري . صارعت الموت بإصرار وعزيمة لأسابيع وشهور طوال .. حتى كتب الله لي الحياة مرة أخرى .. ولكني أصبحت إنساناً آخر .. محطم كما تراني .. لا حول لي ولا قوة ، ولقد أدركت أن ذلك كان انتقاماً من الله حل بي ، فقررت عدم العودة لحفر القبور أقصد حفر الأنفاق .. وقررت عدم القيام بالتهريب ، عدا أنني لم أعد أستطيع ذلك أصلاً لأنني أصبحت رجلاً معاقاً ، وقررت عدم التجارة في كل حرام .. المخدرات .. السجائر ، وحصرت تجارتي وكما رأيت في تجارة الحيوانات النادرة .. الأفاعي .. الطيور الغريبة غالية الثمن فقط .. وأقول لك بصراحة .. إنها تدر عليّ أرباحاً لا بأس بها .. وأصبحت تكفيني وتزيد .. لأنني تخلصت من الطمع والجشع .. وأصبح الجميع يطلقون عليّ لقب " الحاج " .. ولعل بعضهم يفعل ذلك على سبيل التندر والتفكه ؟! و ..
أفاق الشاب من أفكاره المتزاحمة ، والتشويش الذي سببه له " الحاج " ذلك الرجل الغريب ذو العكازين ، أفاق على صوت جلبة وضوضاء ، لم يتبين مصدرها في البداية .
رأى الرجل الفظ يهرول خارجاً من مكانه مضطرباً هادراً ، يحيط به الرجال المسلحون من كل جانب ، يركضون هنا وهناك بلا وعيّ ولا هدف ، جهازي اتصال بين يدي الرجل الفظ ، يضع كلاً منهما على أذن وهو يتحدث بعصبية .. يصرخ .. يسب .. يشتم .. يلعن كل الأشياء .. كل الأنبياء ، والعياذ بالله لم تسلم الذات الإلهية من إحداها ؟!.
وقف الشاب مشدوهاً كالأبله .. لم يدر ماذا حدث .. هو لا يهمه أن يحدث أي أمر .. فأمور الرجل الفظ لا تعنيه في شيء .. ما يعنيه فقط هو وصول زوجته إليه وبأسرع وقت ممكن .
نظر ناحية " الحاج " ذي العكازين الضخمين عله ينجده ويخلصه من أفكاره وتساؤلاته المتوالية ، وجه نحوه نظرات استفسار واستفهام .. ابتسم " الحاج " للشاب ابتسامة عريضة .. طوح بأحد عكازيه في الهواء .. أشار له بالانتظار والصبر .
لقد أخبره الرجل الفظ قبل وقت ليس بالقصير أن زوجته سوف تصل خلال دقائق .. لحظات .. وأخبره أنها الآن داخل النفق كما أعلمه رجاله في الجانب الآخر .. فماذا حدث يا ترى ؟! ..
هل ما يقوم به الرجل الفظ ورجاله المسلحون هو حفل استقبال ابتهاجاً بوصول زوجته بالسلامة ؟! .. هل تصل الإنسانية بالرجل وبطانته إلى مثل هذا الحد ؟! ، ولكن إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا يتحدث الرجل بعصبية ونزق إلى مثل هذا الحد ؟! .
أفاق الشاب من أفكاره على صوت جلبة جديدة تصل إلى المكان .. رجال .. شباب .. كلهم مسلحون .. ردد الشاب في سره :
" هل وصول زوجتي أمر مهم إلى هذه الدرجة ؟! " .
لم يلبث أن ابتسم ابتسامة ساخرة من نفسه لغبائه وبلاهته .
وصل إلى مسامعه صوت غريب !؟. الصوت يقترب بالتدريج شيئاً فشيئاً .. أصاخ السمع جيداً .. تبين الصوت .. ثم لم يلبث أن تبين مصدره .
عدة جرافات تصل إلى المكان من عدة جهات .. الرجل الفظ يتوجه ناحية سائقي الجرافات ومساعديهم ، يصدر التعليمات المتلاحقة هنا وهناك ، رجال آخرون ينضمون إلى المكان .
يهمس الشاب بصوت منخفض بالكاد يصل إلى أذني " الحاج " :
- هل سيقوم الرجل الفظ بحفر أنفاق جديدة ؟! .. هكذا .. في وضح النهار ..
و " على عينك يا تاجر " ؟! .
يبتسم " الحاج " ابتسامة ساحرة غامضة .. ويبتسم الشاب ابتسامة ساخرة من نفسه لتلك الخاطرة والتي يبدو أنها كانت سخيفة .
وصلت إلى المكان بعض سيارات الإسعاف ؟! .. الدفاع المدني .. وسيارات أخرى وأخرى ..
تساءل الشاب بغباء بصوت وصل إلى مسامع " الحاج " وهو يتابع السيارات العديدة القادمة إلى المكان :
- هل وصول زوجتي مهم إلى هذه الدرجة ؟!
يبتسم " الحاج " ابتسامته الغامضة الغريبة الساحرة مرة أخرى .. ويبتسم الشاب ابتسامته البلهاء للمرة العاشرة سخرية من أفكاره البلهاء المتوالية .
الرجل الفظ يعدو هنا وهناك وهو ما زال يضع أجهزة الاتصال على أذنيه بينما الأجهزة الأخرى العديدة المثبتة إلى حزامه تئز وتئن وتصدر إشارات الاتصال المختلفة المتوالية بنغماتها الغريبة النشاز .
تناهت بعض الكلمات إلى مسامع الشاب ، فلم يصدق أذنيه في البداية ، تأكد مما سمعته أذناه عندما ردد البعض ما سمعه ، تأكد أن الأمر جد خطير .. استنجد بـ" الحاج" عله يسعفه بالرأي والمشورة ، ابتسم " الحاج " ابتسامته الغريبة المعتادة .. أحس الشاب بالدوار .. بالغثيان .. بالارتعاش .. كاد أن يسقط على الأرض ، ولكن ذراع " الحاج " القابضة على العكاز أسندته بقوة في الوقت المناسب ، أحس الشاب أن " للحاج " قوة مذهلة رغم إصاباته العديدة ؟! .. استعاد شيئاً من وعيه .. تمتم بالهمس كالمحموم :
" يبدو أن النفق قد انهار .. فوق زوجتي " !!..
فلقد سمع البعض يسرون بالأمر لبعضهم البعض وهم يرددون ..
" هناك نفق انهار .. لقد انهار نفق .. يبدو أن هناك بشراً في النفق الذي انهار .."
استفسر بعضهم وتساءل آخرون : " هل أولئك الذين كانوا داخل النفق هم أناس كان الرجل الفظ يقوم بتهريبهم ؟! .. هل كان النفق جديداً تحت الإنشاء يقوم الشباب والرجال بأعمال الحفر فانهار عليهم وهم بدور العمل لإعداد النفق ؟! .. هل ؟؟ هل ؟؟ .
لم يجد الشاب الجواب الشافي في تفكيره ، ولم يجده لدى " الحاج " رغم استنجاده به لعدة مرات .
اندفع الشاب ناحية الرجل الفظ .. صرخ فيه :-
- زوجتي ؟!
نظر الرجل الفظ نحو الشاب بازدراء وعنجهية .. صرخ في وجهه :
- لقد قلت منذ البداية إنها صفقة خاسرة .. يا له من يوم سيئ .. لقد كنت أيها الشاب أول من رأيته هذا الصباح .. إنك فأل شؤم .. أغرب عن وجهي .. أغرب ..
أشار بيده ناحية الرجال المسلحين الذين التفوا من حوله .. اندفع أحدهم نحو الشاب .. راح يبعده عن المكان بفظاظة .
صرخ الشاب .. نادى .. حتى بح صوته :
- زوجتي .. زوجتي .. ماذا حدث لها ؟! .. هل انهار النفق فوقها ؟! ..
اندفع الرجل الفظ كالطوفان .. اقترب منه بما فيه الكفاية .. بحركة مفاجئة كان يوجه صفعة قوية لوجه الشاب هادراً :
- اخرس .. انصرف من هنا ..
ثلة من الرجال المسلحين اندفعت نحو الشاب .. يلقون به على الأرض .. راحوا يجرجرونه .. يبعدونه عن المكان .. لم يسع الشاب سوى أن يطلق كتلة لزجة من فمه .. إلى الأرض ؟! .. بينما امتدت إليه يد قوية تحمل عكازاً ضخماً تساعده على النهوض ..

* * *
اندفعت الجرافات وسيارات الإسعاف والدفاع المدني نحو المكان الذي أشار إليه الرجل الفظ .. تبعهم الرجل الفظ والرجال المسلحون .. تبعهم رجال وشباب آخرون .. تبعهم الرجل ذو العكازين الضخمين .." الحاج " .. يسند بذراعه القوية الشاب ويساعده على السير .
بدأت الجرافات في الحفر حيث أشار الرجل الفظ ، كان العمل شاقاً بالنسبة لهم ، خاصة بعد أن أعلمهم الرجل الفظ ان النفق على عمق خمسة عشر متراً أو أكثر قليلاً .. ولكن الحماس دب في العاملين على الجرافات ، وبعد وقت قصير كانت جرافات جديدة أخرى تصل إلى المكان تباعاً ، وتبدأ في العمل بالحفر مباشرة قريباً من المكان .
حبس الشاب أنفاسه وهو يتابع عمليات الحفر .. أصابه الجزع والخوف ، لم يتلق جواباً شافياً من الرجل الفظ أو من غيره .. جزم أن النفق لا بد وأن انهار فوق جسد زوجته ، أيقن أن النفق قد أصبح لها قبراً .. قبراً عميقاً عميقاً .
نظر ناحية " الحاج " عله يجد عنده شيئاً يخفف عنه .. وجده يهمس بصوت منخفض : " يبدو أنني قد كنت في مثل هذا الموقف عندما انهار النفق فوق جسدي ؟! " .
تهالك الشاب .. كاد أن يقع على الأرض لولا أن تداركته الذراع القوية والعكاز الضخم .
الجرافات تصدر صريراً مخيفاً تئز .. تتحرك في كل الاتجاهات .. تقوم بالحفر هنا وهناك فتصدر أزيزاً صاخباً وهديراً مخيفاً .
الحفر تزداد اتساعاً .. تزداد عمقاً .. الرجل الفظ يزداد صخباً وضجيجاً وعنفاً ..
الجمع الغفير يزداد تجمعاً ..آلاف الأسئلة .. الاستفسارات .. الاستيضاحات .. التخمينات.
الرجل الفظ يتحرك في كل الاتجاهات بنزق وعصبية ، يصرخ في وجوه المتجمهرين بعصبية وعنجهية .. يطلب من رجاله المسلحين القيام بإطلاق النار عليهم ، يبادر الرجال المسلحون بإطلاق النار في الهواء لمحاولة تفريق الجموع ، يهزأ البعض بهم .. يسخر آخرون منهم .. يقترب أحد المسلحين من الجموع .. يسب .. يلعن .. يقترب من أحدهم ويصفعه على وجهه .. تثور ثائرة الرجل الذي صفعه المسلح .. يندفع نحوه .. يمسك به من رقبته .. يلقى به على الأرض .. يخلص منه سلاحه .. يفر من المكان ؟! .. يهرول خلفه بقية المسلحين يحاولون اللحاق به دون جدوى ، فلقد اختفى الرجل ولم يظهر له أثر .. يعود المسلحون أدراجهم مطأطئي الرؤوس ، يوجه الرجل الفظ الكتل اللزجة الملتهبة إلى وجوههم ، لم يرفعوا أيديهم مطلقاً . ولم يجرؤ أحدُ منهم على مد يده ليمسح ما علق بوجهه من مادة لزجة حارة ؟! .
ازداد الضجيج .. الصراخ .. الأصوات . تداخلت الأمور بشكل يثير الجنون .. خاصة بالنسبة للشاب الذي كان يصرخ بجنون وهو يعدو هنا وهناك :
- زوجتي .. النفق .. الطفل ..
لم يلتفت إليه أحد ، فالجميع يحاولون متابعة الأمور ، التفت نحوه رجل هرم ، ابتسم نصف ابتسامة .. تمتم ببطء .. هتف به بابتسامة بلهاء :
- عفواً يا ولدي .. إن نظري لا يسعفني على متابعة مجريات الأمور .. فهلا تكرمت وشرحت لي ما يحدث هنا ؟! ..
صرخ الشاب من أعماق قلبه بلوعة وحزن وهو يفر من أمام الرجل الهرم :
- زوجتي .. النفق .. الطفل ..
تمتم العجوز والابتسامة البلهاء ما زالت تغطي وجهه :
- مسكين هذا الشاب .. يبدو أنه مجنون ؟! .
* * *
الأزيز والهدير الصاخب المدوي المنطلق من الجرافات العديدة يصم الآذان ، الجرافات ما زالت تقوم بالحفر بهمة ونشاط ، ازدادت الحفر عدداً .. عمقاً ، ازداد الرجل الفظ صخباً .. صراخاً .. حركة .. اتصالات بواسطة الأجهزة الخلوية وغيرها .
الجرافات بدأت تغوص في الرمال .. أعماق الحفر فتتوارى بداخلها ، يحاول الجمهور التقدم أكثر لمشاهدة الأمر عن كثب ، محاولات رجال الشرطة والدفاع المدني والرجال المسلحين تذهب أدراج الرياح وهم يحاولون صد الجمهور ومنعهم من الاقتراب أكثر .
أبواق سيارات الإسعاف وسيارات الدفاع المدني تدوي في المكان بصخب وهي تلتف حول المكان وتزداد عدداً وصخباً ، الأمور تزداد تعقيداً ، السيطرة على الوضع تصبح شبه مستحيلة ، بل هي المستحيل بعينه ، فطوفان المتطفلين يزداد .. يتقدم .. يثرثر بصخب .. الرجل الفظ يزداد عصبية وصخباً .. الشاب يزداد صراخاً وجنوناً .
يخرج سائق إحدى الجرافات من الحفرة الكبيرة وهو يقود جرافته الضخمة ، يشاهده الجميع وهو يصرخ وينادي .. ولكن الصراخ والنداء يضيعان في خضم البحر المتلاطم من أصوات الأمواج البشرية والأزيز والهدير الصاخب ، يلاحظ الجميع أن هناك شخصاً آخر إلى جانب السائق ، ملقى على ظهره ، يبدو أنه استطاع إنقاذ أحد الموجودين في النفق بعد طول عناء بمساعدة بعض الرجال من سائقي الجرافات ؟! .. يشير سائق الجرافة لرجال الدفاع المدني وسيارات الإسعاف بضرورة سرعة الحضور إليه لنقل الشخص الذي أنقذه من الحفرة العميقة التي وصل بها إلى النفق بمساعدة الآخرين .
ما إن يلاحظ الجميع ذلك ، حتى يبدأ أحدهم بالصفير الحاد ، وآخر بالتهليل والتكبير ، وثالث بالصراخ ، فيتبعهم الجميع بالصراخ والتكبير والصفير ، فيصبح المكان وكأنه قطعة من الجحيم ، أو ساحة من ساحات الحرب ، فيزداد الرجل الفظ عصبية ويزداد الشاب جنوناً وهو يصرخ :
- زوجتي .. زوجتي ..
تسارع مجموعة من سيارات الإسعاف تتخطى الحفر والمطبات ، ناحية الجرافة التي أنقذت الرجل ، فتصل إحداها قريباً منها ، يهب بعض رجال الإسعاف وهم يحملون " الشيالة " .. يصلون الهدف .. يصعد بعضهم فوق الجرافة ، يحملون الرجل الذي تم إنقاذه ، يضعونه فوق " الحمالة " ويسرعون ناحية سيارة الإسعاف التي تنطلق نحو المستشفى وهي تطلق أصواتاً صاخبة مميزة ليفسح لها الجميع الطريق . يضيع صوتها الصاخب بين الأصوات الرهيبة .. تمر بصعوبة من بين الجموع .. يتدافعون بتطفل للنظر من خلال النوافذ الزجاجية لسيارة الإسعاف لمحاولة معرفة هوية الشخص .
صرخ رجل متألماً :
- لقد داست السيارة على قدمي ..
لم يلتفت إليه أحد ، ولم يسمع صوته أحد .
بعد جهد جهيد يستطيع سائق سيارة الإسعاف تجاوز الجمهور والانطلاق بسرعة نحو المستشفى .
صرخ أحدهم :
- يبدو أنه ميت ؟! .
رد آخر :
- بل لعله مغمىً عليه ؟! ..
هدر ثالث :
- يبدو أنه مصاب ؟! ..
اختلطت الأصوات والتعليقات وتداخلت بشكل غريب .
لم تلبث الجرافة أن غابت داخل الحفرة العميقة مرة أخرى ، وبعد لحظات ، كان السائق يخرج شاباً آخر من الحفرة ، فسارع بالاستغاثة بإحدى سيارات الإسعاف القريبة منه والتي سارعت بدورها لتلبية النداء ، ونقلت المصاب بسرعة .. وانطلقت به إلى المستشفى ..
ثالث .. رابع .. وخامس .. تكرر الأمر .. وتكررت التعليقات .. الاستفسارات والصراخ .
انطلق الرجل الفظ ناحية رجال الإسعاف والدفاع المدني ، يصرخ فيهم بصوته الأجش المدوي ، يعلمهم أن الأمور قد انتهت ، وأنه لم يتبق أحد في النفق ، فالجميع أصبحوا الآن في المستشفى ، وعلى الجميع مغادرة المكان .
بدأت الجرافات وسيارات الإسعاف والدفاع المدني بالانسحاب من المكان .. بدأ الجمهور بالانسحاب وإخلاء المكان بعد أن انتهت الأمور بهذا الشكل ، لقد شاهدوا كل شيء .. ولكنهم لم يدركوا كنه أي شيء ، فهم ما زالوا يتساءلون عن الرجال والشباب الذين تم إنقاذهم .. هل هم أحياء أم أموات ؟! .. مغمىً عليهم أم مصابون ؟! ..
الشاب ازداد جنوناً وهياجاً .. صخباً وضجيجاً .. اندفع ناحية الرجل الفظ هادراً :
- زوجتي .. أين زوجتي ؟! .. لماذا لم يتم إنقاذها ؟! .. هل دفنت تحت الرمال في النفق ؟! ..
أشاح الرجل الفظ بوجهه عنه .. ثم ركز عيونه
 التي  تقدح  شرراً  في  عينيه هادراً :
- لقد قلت منذ البداية أنها صفقة خاصرة .. بل خاسرة جداً .
- زوجتي .. أين زوجتي ؟! لماذا لم يتم إنقاذها ؟!
- زوجتك ؟! .. زوجتك لم يتم إخراجها من النفق .
- هل معنى هذا بأنها ماتت فيه ؟! .. هل كان من الصعب الوصول إلى مكانها ؟! - لا .. لا أيها الأبله .. أيها الأحمق ..
- لماذا ؟!
- ببساطة .. لأنها كانت في نفق آخر .. وكل ما في الأمر أن وصولها سوف يتأخر لبعض الوقت لأن العمل في جميع الأنفاق قد توقف عندما انهار هذا النفق فوق رؤوس العاملين ؟! .

- 8 -
- مليوني دولار ..
- مليوني دولار ؟! .. هل يعقل ذلك ؟! ..
كان الحوار يدور بين الشاب والرجل ذي العكازين " الحاج " .. أردف " الحاج " :
- وقد يكون أكثر من هذا المبلغ في بعض الأحيان .. هذه الأرباح السنوية لبعض الأنفاق ، فإن عملية حفر النفق قد تستغرق عدة أشهر ، وقد تكلف أكثر من خمسين ألف دولار ، أو مئة ألف ، وقد تكون أكثر من ذلك بكثير في بعض الأحيان ، وذلك حسب طول النفق وعمقه ، والنفق يحتاج في البداية إلى حفرة عمودية لتوصله إلى فوهة النفق قد يصل طولها إلى خمسة أو عشرة أمتار ، وفي أحيان كثيرة أكثر من ذلك ، باتساع قطره يزيد على المتر في بعض الأحيان ، وقد يصل طول النفق في بعض الأحيان أكثر من ألفي متر ، لكن الربح سيكون في النهاية مجزياً بشكل رهيب ..
- كم يبلغ تعداد الأنفاق تقريباً ؟! .
- حسب معلوماتي المتواضعة فهي قد تتجاوز الألف ، منها البسيط المتواضع ، ومنها العظيم الفخم .. منها ما يستعمل لمرة واحدة ، ومنها ما يستعمل لمرات عديدة .. بعضها للإيجار .. والبعض للبيع ، والبعض للتأجير لصفقة واحدة أو عدة صفقات. فلقد دأب الشباب من السكان المحليين على حفر الأنفاق التي توصلهم بالجانب الغربي وذلك نظراً لارتفاع العائد المادي للعمل في الحفر متجاهلين المخاطرة بالحياة ، ومن أجل تهريب السلع والأشياء البسيطة في البداية ، مثل السجائر والقهوة، الحيوانات والطيور والبلابل ، ثم تطور الأمر إلى تهريب الأشخاص والسلاح والمخدرات والذخائر المختلفة .. وكل ما يخطر في بالك من السلع والحاجيات .
- ولكن كيف يمكن التخلص من كل كميات الرمال والأتربة التي يتم استخراجها من تلك الأنفاق ؟!..
- إنه سر .. سر أيها الشاب .. ولكني لن أضن عليك به أيضاً .. فأنا أعلم تماماً أنك لن تفكر بالعمل في حفر الأنفاق أو التهريب في يوم من الأيام ، ولن تفكر بإفشاء هذا السر لأحد ؟! .. لتعلم يا عزيزي أن هناك طرقاً عديدة للتخلص من تلك الرمال والأتربة ، فلقد كان يتم نقلها بواسطة وسائل النقل المختلفة أثناء الليل ، بواسطة السيارات أو الحيوانات ، وثمة طريقة أخرى ، تتلخص في شراء منزل أو منزلين أو أكثر ، من بعض السكان القريبين من الحدود لاستعمالها كمداخل للأنفاق ولاستيعاب الرمال والأتربة المستخرجة ، وذلك حسب الحالة وحسب الاحتياج ، وبأي سعر كان ، وقد تكون الأسعار خيالية في بعض الأحيان ، وثمة طريقة سرية أخرى لن أبخل بالبوح لك بها ، وهي عملية التخلص من الأتربة والرمال وذلك بضخها في شبكات الصرف الصحي " المجاري " وذلك باستعمال آلات ضخ ومضخات قوية جداً وفائقة السرعة للتخلص من الأتربة في شبكات الصرف الصحي الرئيسية ؟! .
- يا لها من طرق جهنمية حقاً! .. ويا لها من معلومات غريبة ! .. ولكن أليس هناك من مخاطر ؟! .
- أوه .. المخاطر عديدة وكثيرة ، مخيفة ومميتة ، منها وكما رأيت انهيار الأنفاق على العاملين بها أو الأشخاص الذين يتم تهريبهم داخلها ، أو البضائع التي يتم تهريبها كما حدث بالنسبة لي شخصياً ولبضاعتي .. ليس ذلك فحسب ، بل هناك حالات من الاختناق والوفاة تتم داخل الأنفاق للأفراد والأشخاص ، والتي تم بعضها نتيجة لإطلاق قنابل الغاز بداخلها من الجانب الغربي ، وقد قتل عدة أشخاص من السكان المحليين داخل بعض الأنفاق وذلك نتيجة للاختناق وليس نتيجة لانهيار الأنفاق ، فالغاز الذي يطلق داخل الأنفاق يتسبب في قتل أي كائن حيّ داخل النفق ولمدة عدة أشهر .. علاوة على إغلاق فوهات بعض الأنفاق على من بداخلها فجأة في بعض الأحيان ؟! .. علاوة على احتمال التعرض للاعتقال بسبب الحفر تحت الحدود في الأنفاق .. ولقد كانت أطوال الأنفاق في البداية بسيطة لا تتعدى المئة متر ، ثم ازدادت بالتدريج ووصلت إلى سبعمائة أو ألف متر في بعض الأحيان ، وفي الآونة الأخيرة امتدت لمسافة تزيد على ألفي متر ، وفي بعضها وسائل إضاءة متواضعة ووسائل تهوية صحية لا بأس بها ، وقد تكون بارتفاعات مناسبة لمرور الأشخاص وهم يحنون ظهورهم ؟! .. وبعض الأنفاق تمتد لمئات الأمتار في الجانب الغربي داخل الأراضي المصرية ، بحيث تصل إلى الحقول الزراعية ، حيث يقوم العاملون في النفق برفع أنبوب إلى الأعلى لمساعديهم في الجانب الغربي وذلك من أجل تحديد " عين " النفق . وقد يتم فتح تلك العين في الجانب الغربي في ساعات الليل بحيث تكون البضائع المتفق على تهريبها جاهزة ، وموجودة بالقرب من مكان " عين النفق " ، وقد يتم استخدامها لمرات قليلة ثم يتم إغلاقها أو تركها .
- وإذا حدث أن اكتشف الأمر ؟! .
- كما قلت لك سابقاً .. فقد يلقى القبض على العاملين في الحفر بالأنفاق ، أو قد يلقى داخل الأنفاق بقنابل الغاز القاتل ، وقد حدث أمر مضحك .. وحقاً : " إن شر البلية ما يضحك " .. فلقد كان بعض الرجال يعملون في حفر بعض الأنفاق ، وكان يساعدهم " ناضورجي " يقف فوق أحد المنازل القريبة من مكان النفق ، وهو يحمل منظاره المكبر ليعرف إلى أي مدى وصل الحفارون بالعمل داخل النفق ولتوجيههم بمعرفة كم من المسافة يحتاجونها للوصول إلى الأماكن الآمنة في الجانب الغربي . كان الحفارون يقومون برفع قضيب حديدي قوي عندما يعتقدون أنهم على مقربة من مكان الوصول إلى النقطة التي يريدونها ، يقومون برفع القضيب الفولاذي إلى الأعلى باستعمال أدوات بدائية للوصول إلى سطح الأرض ، فيراه " الناضورجي " من مكانه بمنظاره المكبر ، فيتصل بمن داخل النفق بطريقته الخاصة ويعلمهم أنهم على مسافة معينة من الوصول إلى الهدف ، وأن عليهم متابعة الحفر لعدة أمتار أخرى . ولقد حدث في إحدى المرات أن قام الحفارون برفع القضيب الحديدي القوى إلى الأعلى ، وتصادف وجود شرطي مصري في الجانب الغربي يقوم بأعمال الدورية ، فثقب القضيب الفولاذي حذاء الشرطي وأصاب قدمه ، فاتصل الشرطي بالضابط المسؤول عنه ، فأمره بتجاهل الأمر مؤقتاً وعليه أن لا يبدي أي اهتمام بالأمر حتى لا يلاحظه " الناضورجي " ، فامتثل الشرطي للأمر ، واستأنف الحفارون داخل النفق العمل ، حتى وصلوا إلى الجانب الغربي ، حيث كانت أجهزة الأمن المصرية في انتظارهم ؟! .
* * *
أخرج الرجل الفظ جهاز الاتصال من حزامه بعد أن تلقى رنيناً معيناً ، استقبل المكالمة دون أن يتفوه بحرف ، أومأ برأسه قليلاً قبل أن يقفل الجهاز و
هو  يردد :
- علم .. علم ..
لم يلبث أن أشار لأحد الرجال المسلحين الذين يتحلقون حوله بإشارة معينة ، اقترب منه الرجل المسلح ، همس له الرجل الفظ بشكل سريع .. اتجه المسلح إلى الخارج حيث الشاب .. رافقه حتى وصلا مجلس الرجل الفظ وتركه .
كان الرجل الفظ يجري المكالمات العديدة ، بعضها يتلقاها ، وبعضها يقوم بالاتصال بها من جانبه . وقف الشاب أمامه لوقت ليس بالقصير ، تماماً كالتلميذ البليد المذنب الذي يقف أمام معلمه . أنهى الرجل الفظ اتصالاته ، توجه ببصره ناحية الشاب ، حاول أن يرسم شبه ابتسامة على وجهه المكتنز ، كانت الابتسامة مفتعلة سمجة .. ردد :
- مبروك .. زوجتك ستصل بعد دقائق ..
زغردت نفس الشاب .. فرح .. سعد .. كاد أن يقفز أو يطير من الفرحة ،
فها هي زوجته تصل أخيراً ، بعد طول المعاناة والمشقة والمكابدة هي تصل .
أشار الرجل الفظ بيده إشارة معينة إلى أحد رجاله المسلحين ، اقترب الرجل المسلح منه ، همس له بكلمات مبهمة وكأنها طلاسم ، لم يلبث الرجل المسلح أن تأبط ذراع الشاب .. وغادرا المكان بعد أن انضم إليهما رجل مسلح آخر .
سار الرجلان المسلحان برفقة الشاب مسافة لا بأس بها ، كان الوقت قد قارب على الغروب ، وأخذت الشمس تلملم بقاياها استعداداً للغوص في أعماق البحر البعيد ، فأصبح لونها أصفراً ، تماماً كوجه الشاب بعد أن كان متوهجاً قبل ساعات .
لم يلبث الرجلان المسلحان أن سارا بالشاب في أزقة ملتوية ، ومناطق شبه موحشة .. إلى أن وصل الجميع أحد المنازل شبه المهدمة شبه المهجورة .
بعض النسوة كن يجلسن أمام المنزل يثرثرن بأصواتهن المتداخلة ، عجب الشاب كيف أنهن يعشن في هذا المكان المنعزل الموحش ، وعجب كيف كن يتحدثن جميعاً في نفس الوقت ؟‍ ، ويستمعن أيضاً في نفس اللحظة ؟‍ .. لم يفهم الشاب من حديثهن شيئاً ، فالحديث متداخل بشكل غريب .
طرق أحد الرجلين المسلحين الباب عدة طرقات بشكل معين ، لم يلبث أن انفرج الباب عن وجه رجل آخر في الداخل ، أفسح المجال للقادمين بعد أن تبين شخصية القادمين ، دخل الرجلان المسلحان إلى المكان برفقة الشاب .
أحس الشاب بالوحشة والرهبة ، فالمكان موحش ورائحته عفنة . لم يلبث الرجال أن توجهوا ناحية حجرة من حجرات المنزل ، انحنى أحدهم على الأرض ، أزال بعض التراب عن أرضية المكان ، ظهر الغطاء الإسمنتي الضخم ، انحنى آخر إلى جانبه ، قاما برفع الغطاء عن فوهة الحفرة لم يلبث أحدهما أن بدأ النزول في الحفرة ببطء حتى اختفى تماماً داخل الحفرة .. وقف الشاب يراقب الأمر وقد أصابته القشعريرة لرهبة المكان وعفونته .
تحرك الرجلان بعد أن تلقيا إشارة معينة من داخل الحفرة وراحا يسحبان ببطء بعض الحبال المدلاة في الحفرة ، راحا يسحبان .. يسحبان .. ويسحبان .
شعر الشاب أن الوقت يمر ببطء .. ببطء شديد ، أحس بالقشعريرة تسيطر على سائر أعضاء جسده ، شعر بالعرق غزيراً يتصبب من شتى أنحاء جسده ، راح يراقب الأمر بأنفاس لاهثة وعيون زائغة ، شعر أن دقات قلبه تقرع بسرعة وشدة .. مشاعر طاغية متداخلة تسيطر عليه وعلى حواسه ، لم يلبث أن أخذ في الظهور من فوهة الحفرة شيء يشبه اللوح الخشبي .. هاله أن يرى شيئاً مثبتاً إليه بقوة ، أطل شيء يشبه رأس الإنسان .. لعله رأس امرأة .. ثم بدأ يظهر باقي الجسد بالتدريج .
الأيدي مثبتة إلى اللوح الخشبي بحزام متين .. الوسط والقدمان أيضاً .. حتى تمكن الرجلان في النهاية من سحب اللوح الخشبي بالكامل ، وما عليه من حمل مثبت بقوة .
الوقت أصبح متأخراً بعض الشيء .. جحافل الظلام الحالك أخذت ترخي سدولها على المكان ، فزادت الأمر وحشة ورهبة .
لم يلبث الرجل الذي كان داخل الحفرة أن خرج منها وانضم إلى الرجلين المسلحين .. أخرج من جيبه " ولاعة " .. أشعل شمعة ، تراقص ظل الجميع على الجدران بأشكال مخيفة .
نظر الشاب ناحية المرأة المثبتة إلى اللوح الخشبي ، أنكر معرفتها ، هيئ له أنه لا يعرف هذا الوجه مطلقاً ، لم يلتق بصاحبته في يوم من الأيام .. ولكنه تدارك الأمر ..
فإذا كان الأمر كذلك ، والمرأة ليست زوجته .. فلماذا طلبوا منه الحضور إلى هنا ؟! .. بينما المرأة كانت شبه نائمة .. فهي لا تبدي حراكاً .
تقدم الشاب متطوحاً ناحية المرأة التي جلست على اللوح الخشبي بعد أن فك الرجال وثاقها ، جلست مرهقة متعبة ، يسندها الرجال من الجانبين .. يساعدونها على النهوض عن اللوح الخشبي .
أحس الشاب بالدوار .. بالغثيان .. بالارتعاش . اقترب من المرأة ، دقق النظر إليها على الضوء الباهت الذي يصدر عن ذبالة الشمعة السيئة ، مال إلى الاعتقاد أنها زوجته .. دقق النظر أكثر .. تأكد فعلاً أنها زوجته .. تساءل في سره بمرارة بصوت هامس : " ولكن .. ما الذي فعل بها كل ذلك ؟‍ "
دنا من المرأة .. هتف باسمها عدة مرات ليتأكد وبشكل قاطع أنها هي ..
نظرت إليه بعيون ذابلة ونظرات زائغة ، هتفت باسمه وكأن صوتها يأتي من وراء البحار .. من وسط القبور .. من داخل النفق .. كاد أن يصرخ .. كاد أن يبكي .. كاد أن يغمى عليه .. كاد أن يقع على الأرض . تماسك قليلاً.. تمالك نفسه .. كتم غيظه .. ألمه .. عذابه .. أنينه ..
مد يده ناحية زوجته .. أسندها إلى صدره .. حاولت أن تمد يديها إليه فلم تستطع .. ألقت برأسها إلى صدره ، لم تلبث أن تقيأت بشدة .. بللت ثيابها وثيابه ، راح يمسح بقايا القيء عن فمها .. عن وجهها .. عن صدرها بمنديله .. أنهضها بصعوبة .. شعر أن قدميها لا تستطيعان حملها حتى بالكاد .. طوقها بذراعيه .. سار بها قليلاً .. كاد أن يقع على الأرض عدة مرات .. تمالك نفسه .. تماسك .. شعر بالوهن والضعف الشديدين ، والبرودة الغريبة ، القشعريرة تسيطر على جسده وعلى جسد زوجته .. حملها بين ذراعيه .. سار خطوة .. أخرى .. وأخرى ..
خرج الرجال من المكان .. خرج الشاب يجر قدميه جراً بينما كان يحمل زوجته المتهالكة ، النسوة في الخارج ما زلن يثرثرن ..
أشارت زوجته بإيماءة خفيفة من رأسها ، وحركة بطيئة من يدها ناحية بطنها المنتفخ .. همست بوهن وإعياء :
- سأضع .. مولودي ..
تنبه الشاب للأمر .. زاده الأمر المفاجئ حيرة واضطراباً .. فهو لا يدري ماذا عليه أن يفعل ؟ .. وها هي زوجته تعلمه أنها سوف تضع مولودها في مثل هذا الظرف وفي مثل هذا المكان ؟‍ .. فالمكان مقفر .. موحش .. ناءٍ .. لا طبيب ولا مستشفى ..
لا عيادة .. لا مساعدة من أحد .. فقط عليه أن يستنجد بالنسوة الثرثارات ، فلا بد أنهن على دراية أو معرفة بمثل هذه الأمور ..
استنجد بالنسوة اللواتي كن ما زلن يثرثرن .. صرخ فيهن بصوت مليء بالحزن .. بالألم .. بالعذاب :
- أدركنني .. أرجوكن .. زوجتي ستضع مولودها .
توقفت النسوة عن الثرثرة قليلاً بعد أن كرر الشاب النداء بالاستغاثة .. نهضت إحداهن من مكانها ، توجهت ناحية الشاب ، ثم ناحية المرأة .. شهقت المرأة بحدة :
- يبدو أنها اللحظات الأخيرة من الوضع .. لا بد أن تسرع بها إلى المستشفى .. العيادة .. يجب أن يراها الطبيب حالاً ..
هتف الشاب بصوت متحشرج تخنقه العبرات :
- هل يوجد مستشفى قريب هنا ؟‍ .. عيادة ؟‍ .. طبيب ؟ .. سيارة ؟.
- المستشفي بعيد عن هنا ، ولا يوجد عيادات أو أطباء في مثل هذه المنطقة ..
إن أقرب وسيلة للمواصلات من هنا تحتاج إلى السير مئات الأمتار .
- أرجوك يا سيدتي .. أرجوك .. حاولي أن تساعديني .. أن تساعديها ..
توجهت المرأة نحو بقية النسوة اللواتي ما زلن يثرثرن .. هتفت بهن .. استنجدت بهن لمساعدتها .. سارعت بعض النسوة بالاندفاع إلى المكان بعدما تلكأن قليلاً .. هالهن حال المرأة زوجة الشاب وما وصلت إليه الأمور ، ساعدنها على السير .. دخلن منزل جانبي .. اختفين بالداخل .
وقف الشاب بباب المنزل جزعاً .. مضطرباً .. باكياً .. يروح ويجيء بعصبية .. ينتظر وضع زوجته لمولودها ، مولودهما الأول الذي تكلفا من أجله كل هذا العناء .
جلبة وضوضاء عن بعد .. يلتفت الشاب ناحية مصدر الصوت .. من خلال العتمة الحالكة والظلمة الدامسة ، يستطيع بالكاد أن يتبين ملامح القادمين .
إنهم الرجال المسلحون .. يقتربون من المكان .. يسير بينهم الرجل الفظ بعد أن ترجلوا من السيارة الفارهة .. شعر الشاب بالسعادة والارتياح ، أحس أن الفرج قد أتى .. وأن النجدة والمساعدة قد وصلت في الوقت المناسب ، فلا بد أن يكون الرجل الفظ وبطانته قد حضروا للمساعدة والنجدة ، إذ يبدو أنهم شعروا بالوضع السيئ الذي آلت إليه الأمور ، شعر بشيء من الارتياح والهدوء .. أحس أنه كان يظلم الرجل الفظ كثيراً .. فها هو يأتي للمساعدة والنجدة في الوقت المناسب .. المناسب تماماً .
بدد تفكيره صوت الرجل الفظ الأجش مجلجلاً في المكان :
- لقد قلت منذ البداية أنها صفقة خاسرة .. بل خاسرة جداً .. لقد خدعتني أيها الشاب الأبله .. لقد خدعتني بشدة .. فالاتفاق بيننا أن أحضر لك شخصاً واحداً .. فرداً واحداً .. وهي زوجتك .. زوجتك فقط . ولكنك خدعتني .. وأحضرت شخصاً آخر .. أحضرت الطفل معها .. ونحن لم نتفق على ذلك . وعلى ذلك فإنني أطالبك بدفع مبلغ آخر عن الطفل الوليد . وسوف أتعاطف معك في هذا الأمر ، فأنا لن أطالبك بمبالغ كبيرة ، فقط أريد منك ألفي دولار فقط ؟‍ .
أصيب الشاب بالغثيان .. بالدوار .. كرر الرجل الفظ الصراخ عدة مرات بصخب وعنجهية .. خرجت إحدى النسوة من ذلك المنزل الذي دخلته برفقة زوجته وباقي النسوة .. كانت تحمل بين يديها شيئاً لم يستطع الشاب أن يتبينه .. فالغشاوة الكثيفة من الدموع والحزن والألم تحجب الرؤية عن عينيه .
تقدمت المرأة منه أكثر وأكثر .. الصراخ المتوالي للرجل الفظ يرتفع أكثر وأكثر .. ناولت المرأة للشاب ما كانت تحمل بين يديها وهي مطرقة إلى الأرض ..
هتفت بصوت هامس متهدج :
- إنه طفلك يا سيدي .. إنه المولود . سيدي .. لقد ولد طفلك ميتاً !!! ..

*سليم عوض عيشان العلاونة

عرض للرواية - بقلم : نزار ب. الزين ، على الرابط التالي :

http://www.freearabi.com/النفق=رواية-الأديب-الفلسطيني-سليم-عوض-عيشان=عرض=نزار-ب-الزين.htm