الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

حكايات شعبية و تراثية

  الميمون شيخ القبيلة

رواية قصيرة من التراث

بقلم : عدنان الإسلام البحيصي

الواحة

                    كان الميمون شاباً مهذباً خلوقاً ، يعيش في قبيلة زرادة في قلب الجزيرة العربية، حيث الصحراء اللاهبة والشمس المحرقة، كان إمام قبيلته وقائدهم بعد وفاة والده الشيخ المؤمن.

لم يكن الميمون بالشاب العابث اللاهي، مع انه لم يتجاوز الثمانية عشر عاماً ، بل كان حازماً أريباً فطناً ، يجمع أفراد قبيلته كل صلاة ليصلي بهم ، كان محمود السر والسريرة فأحبته قبيلته.

وذات يوم رأت أمه سلمى أنه لا بد أن يتزوج، فشيخ القبيلة ينبغي له أن يكون متزوجاً بإمرأة من صميم العرب، ومن بنات كبار القبائل ، ومن يصلح له في نظرها غير إبنة اخيها فارس بني رغيد الأميرة المدللة هند.

عرضت عليه الأمر فوافق ، فهند كما يعرفها جميلة المطلع رقيقة المشاعر متدينة وهذا الذي كان يهمه.

وزفت العروس من قبيلة بني رغيد إلى قبيلة زرادة بموكب من فرسان كلا القبيلتين ، يلبسون سيوفهم ومقنعبن لا ترى إلا أعينهم، ودقت الطبول ونحرت النياق سبعة أيام ودعي كبار شيوخ القبائل، وكان عرساً تحدثت العرب عنه .

هكذا تزوج الميمون ، وعاش عيشة هنية مع زوجه هند ، غير أنه كان يتمنى الولد وهاهي هند تدخل عامها الثالث معه ولم يرزقا بذرية تقر بها عينه.

كان ذلك الأمر ينغص عليه معيشته، لكنه كان مؤمناً بالله متيقناً ان الأمر بيد الله .

وذات يوم جمع الصالحين من قبيلته، وطلب منهم الدعاء له بالذرية الصالحة.

ظل محباً لزوجه، وذات يوم وهو في مجلس الرجال إذ يسمع زغرودة من خباء هند، فيسرع ليرى أمه ويسمعها تقول له بشراك بشراك هند حامل يا بني.

لم تسعه الدنيا من الفرحة فسجد لله سجدة الشكر ثم أقبل على زوجه فقبل جبينها وقال لها : أشكري الله.

 

مرت الأشهر التسعة، ببطىء والميمون ينتظر بشغف، كان لا يتواني عن تلبية أي طلب لهند التي كانت تتدلل عليه و لكن من يخطب الحسناء لم يغله المهر.

ووضعت هند مولودا كالبدر ، ذكرا جميل الوجه أشبه الناس بأبيه ، فسماه أبوه بالمؤمن تيمناً باسم والده.

 

ذات يوم أخبرته امه سلمى بخبر لم يكن بالسار على قلبه، فهند لم تكن ملتزمة بالصلاة، فدخل على زوجه مغضباً، وعاتبها عتاباً شديدا، وقال لها إما أن تصلين وإما فراق بيني وبينك.

وخرج ، ونام عدة ليالي في مقعده ، وكان ينام بجواره رفيقه عدنان ، وموضع سره واستشارته، فظنت هند أن عدنان هو الذي أوقع بينهما ، فعزمت على قتله.

وذات ليلة خرجت من الخباء بعد أن نامت العيون، والميمون وعدنان في مكانهما نائمين ، حاملة لخنجر مسموم، وكان مقعد الرجال بجانب خبائها، تحرك الحقد في قلبها، وأقسمت لتقتلن عدنان .

تقدمت وهي مستلة لخنجرها وأقتربت من عدنان وهوت بالطعنة على صدره، فإذا بيد تمسك بقبضتها وإذا هو الميمون، يخلص منها سلاحها وأهوى عليها بصفعة أطارت الشرر من عينيها ، فأنتبه عدنان على الميمون وهو يرمى زوجه بالطلاق، بكت هند وهاجت وصاحت وقالت لأحرقن قلبك على ابنك المؤمن واسرعت تريد الخباء فاعترضها عدنان ، ولحق بها الميمون فربط يديها وقدميها وأركبها فرسه وأنطلق بها إلى مضارب قومها فك رباطها وأدخلها على أبيها وقال لها أمامه:انت طالق، ثم ركب فرسه وقفل عائداً إلى قبيلته.

الحلقة الثانية

 

وصل الميمون إلى خبائه فوجد عدنان يحمل طفله الرضيع ، ويلاعبه ، نظر الميمون إليه نظرة طويلة وعدنان غير منتبه ، وإذ بالميمون يقول :"السلام عليكم ورحمة الله " فينتبه عدنان ، يبتسم لدمعتين جرتا على خد الميمون قائلا "وعليكم السلام ورحمة الله أبا المؤمن ".

و أضاف المؤمن :"أتعلم يا عدنان .... لم أكن أتصور أبداً أن هند يمكن لها أن تقتل، أي قلب تملك لتقتل ....... ما كنت أراها إلا هند المنعمة المدللة، التي تتأثر لكل متألم ، وترق لكل فقير"

 قال عدنان :"لقد استعجلت في طلاقك إياها يا أبا المؤمن ....لعل الشيطان وسوس لها للحظة ، ولعلها تتوب إلى بارئها، ردها يا أخي فأنت تحبها وهي تحبك" قال الميمون :"ولكن هي قاتلة ....أرادت أن تقتل أحب الناس إلي بعد والدي أرادت أن تقتلك با عدنان"

 قال عدنان :"لا بأس يا أخي ...فالنساء سريعات الغضب، ولعلك جفاءك لها في الأيام الماضية حرك قلبها على موضع سرك فظنت أني من أوغرت صدرك عليها، ولكنها أم ولدك يا أبا المؤمن ، وليس من الحكمة ما فعلت..."

قال الميمون:"لا يا اخي ، فوالله لهي أبغض أهل الأرض إلي بعد اليوم ، فوالله لن تطأن لي فراشاً ، ولا تدخلن لي دياراً ما حييت"

قال عدنان"هدئ من روعك، فماهكذا تحل المعضلات ، خذ وقتك من التفكير ، وما قدره الله لا بد كائن"

مرت الشهور تسعة تباعاً وهاهو الميمون لم يرد زوجه ، وكثير ما كان عدنان يراجعه ويأبى عليه، وذات يوم خلا الميمون بعدنان فخاطبه:" أريد أن أتزوج يا عدنان"

"الحمد لله ، هل سترد أم المؤمن "

 قال الميمون "كلا ، ولكني أخطب أختك سمية فما ترى ؟"

 قال عدنان "يا صاحبي ، أخشى أن يتحدث القوم أني طلقتك من هند حتى أزوجك بسمية ، وأخشى أن تحمل خالتي سلمى الأمر على غير محمله، ولكن رأيي ان ترد هند"

 قال الميمون :" كلا والله ، هو قسم أقسمته، فأقترح الامر على اختك سمية ورد لي الخبر"

قال عدنان :"سأفعل إن شاء الله ، ولكن أريد أن تكون خالتي سلمى حاضرة لتسمع "

قال الميمون :"حسنا........ آماه تعالي "

"يا أم الميمون ، أريد الزواج فمن تقترحين علي "

قالت سلمي :"سمية ......أختك يا عدنان هي من تصلح للميمون "

تنهد الميمون وقال :" الحمد لله.... ليقضي الله أمراً كان مفعولا"

مرت ثلاثة أيام وعدنان يقلب الأمر، يخشى أن يقول القوم أنه طلق هند من الميمون ليزوجه اخته، لكنه عزم الأمر وتوكل على خالقه فأقترح الأمر على اخته فوافقت وبعث إلى الميمون بالموافقة

وأبى الميمون إلا أن يكون عرس سمية أبهج من عرس هند ، فنحرت النوق احتفالاً بزواجهما، وتم الأمر على أكمل الوجه .

و حدث ما كان متوقعاً ، فالألسن ما كفت تتقول على عدنان بأن الأمر تخطيطه وتدبيره، فضاق بالأمر ذرعاً وتوجه للميمون شاكيا، فجمع الميمون رجال القبيلة فما تخلف عن الحضور أحد، فقام فيهم الميمون خطيبا بعد أن حمد الله وأثنى عليه خيرا فقال:" أما بعد فإذا ظننتم أن الأمر مكيدة من عدنان فظنكم خاطىء، فانتم تعرفون حبي لعدنان وقربه مني، وتعرفون نصح عدنان ومحبته لي ، فلا اسمعن بعد اليوم أحدا يذكر اخي بشر، فوالله ما كان زواجي من سمية إلا اقتراح مني عليه ، وإلحاح مني ، مع نصحه لي أن أرد هند، و قد أقسمت ان لا أردها، أما و قد علمتم الحق من الباطل ، فأنصرفوا إلى بيوتكم بارك الله فيكم"

أرسل الحارث أبو هند وخال الميمون إلى الميمون يعاتبه، ويطلب منه القدوم إليه بابنه المؤمن ، فرد عليه بالموافقة ، ولكنه أبى أن يأخذ المؤمن معه بل ذهب مع ثلة من فرسان قبيلته، فلما وصل إلى خاله الحارث أكرم منزله ، وسأل عن أبنه المؤمن فقال وهند تسمع :"في كنف أمه سمية"

فقال الحارث :" لكنه ابن بنتي ، وأنت تعلم أنه لا ولد لي ، وإني أحب أن يعيش معي "

فرد عليه قائلا :"وكيف لي أن أجعل ابني تعيش مع هند وقد أرادت قتل اخي عدنان؟"

"هو سيعيش في كنفي لا كنفها"

و أضاف قائلا :"كنفك و كنفها سواء يا خال ، فأعذرني إن رفضت طلبك ، هو قرة عيني فلا أفرط فيه"

فقال الحارث :"فما رأيك أن ترد هند، فهي ابنة خالك ....؟"

"لا يا أبا هند ، فلقد أقسمت أن لا تطئن هند لي فراشاً ولا تدخلن لي دياراً ما حييت"

قال الحارث مقاطعا:"أهكذا ترد على خالك طلبه، لبئس ما ربتك أمك " قال الميمون :" فمن علم هندا أن تقتل ، استودعك الله يا خال فإني قافل إلى قومي"

ركب الميمون وفرسانه خيولهم ، سائرين نحو مضاربهم التي لا تبعد عن مضارب بني الرغيد إلا يوماً واحداً، فوصلوا ، حيث كانت تنتظر سلمى ، فلما وصل الميمون نزل عن فرسه وقبل يد أمه، وأخبرها بالخبر.

و مرت الأيام هادئة تسكب شمسها على كثبان الصحراء الممتدة، وكبر الطفل بسرعة، ليصبح عمره سنتين ، و ليقر الله عين والده بابنة كالقمر ليلة التمام ، أشبه الناس بأمها ، وتمر الليالي وديعة ، يزيد من روعتها صوت الميمون وهو يأم قبيلته كل صلاة عشاء بصوته الشجي

لكن هناك قلباً لم يهدأ ، وهو قلب حاقد .

الحلقة الثالثة

كان ذلك القلب قلب هند، التي تملكها الحقد فأخذ يعصف بها يمنة ويسرة، وكانت قد عزمت أمرا أوحى به شيطانها .

خرجت ذات يوم ، تلبس لباس الفرسان -وهي فارسة _، ملثمة الوجه ، تتقلد سيفها ، متجهة إلى مضارب قبيلة زرادة، ثم أختبأت وراء شجر أثل كان يحيط بنبع الماء ، نعم ذلك هو النبع الذي كانت تخرج إليه هند مع كل اشراقة شمس ومعها نساء القبيلة ، هي اليوم ترقبه ولا تقترب منه وكأنها تنتظر شخصاً ما.

وفجأة يتعلق بصرها بتلك المرأة، تحمل جرتها ومعها ثلاثة من النسوة ، ومعهن طفل يافع.

كانت تلك المرأة سمية زوج الميمون وذلك الطفل فلذة كبدها المؤمن.

وتخرج هند من مخبأها ويلمع السيف بين يديها تهوي به على سمية فتسقط قتيلة ، وتنثي هند عن جوادها لتختطف المؤمن ، ثم تجول والمؤمن على الجواد لتقتل رفيقات سمية، فتطيح باثنين وتستطيع الثالثة أن تهرب لاهثة خائفة.

لتركض مذعورة إلى خيمة الميمون فيصيح بها الميمون ما ورائك يا امرأة، فتقول وهي تبكي قتلت سمية قتلت سمية.

و يهرع الميمون ومعه صديقه عدنان إلى النبع ، ليريا سمية تسبح في بركة من دمائها، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لتموت بين يديه ، ويصيح الميمون صيحة تشق كثبان الصحراء : سمـــــــــــــــــية

وينتشر الفرسان ليبحثوا عن القاتل المجهول ، ويظل عدنان والميمون عند سمية يبكيان، وما عاد الفرسان إلا كما انطلقوا.

لم ترجع هند إلى ديارها، بل ذهبت لخيمة وسط الصحراء كانت قد أعدتها من قبل ، فيتفقد الحارث ابنته ، ويبحث عنها فلا يجدها ، فيظن ان الميمون قد خطفها ، وهو على علمه بأخلاق الميمون لكن الشيطان زين ذلك الظن في قلبه حتى جمع رجال القبيلة وتوجهوا مدججين بالسلاح إلى مضارب قبيلة زرادة.

حينها كان رجال قبيلة زرادة قد لبسوا لباس الفرسان وتقلدوا سيوفهم، وما تأخر عنهم إلا كبار السن .

و  أبلغ الميمون أن قبيلة بني الرغيد جاءت تطلبهم بعددها وعدتها ، فسل سيفه ثم صاح :"يريدها الحارث حربا فوالله لا يقتله أحد غيري" فتعلقت به أمه تبكي وهي تقول :" سألتك بالله يا بني ألا تتعرضن لخالك فهو قاتلك " فما أبه الميمون باستغاثتها بل التفت إلى جنده فقال بعد أن حمد الله وأثني عليه:" أما بعد فهذه قبيلة بني الرغيد جاءت تطلبنا من غير أن نتعرض إليها بشر، و ما جعلنا الله في موضع ذل ونحن خير العرب إن إعتلينا المطايا فما ترون؟"

فأجابوه بصوت واحد:" الله أكبر الله على من طغى وتجبر"

فصاح الميمون :"الله أكبر"

كان الحارث قد وصل إلى منتصف الطريق عندما فوجيء بفارس لوحده على فرس تنهب الأرض نهباً ، وتيقن أن الفارس يقصده، فانتظر واشار لجنده أن يتوقفوا ، فلما وصل الفارس صاح من بعيد :"أخي الحارث"

كانت تلك سلمى جاءت مسرعة علها تجد عند أخيها مالم تجده عند ابنها من اجابة لدعوتها بوقف كل هذا الشر .

نظر اليها الحارث وتمتم بصوت خافت:"لم تزَلي فارسة يا سلمي" ثم اشاح بوجهه عنها وصرخ فيها :" ما الذي جاء بك يا سلمى"

فأجابته :" لم حركت قومك صوبنا ، أما خشيت ان تقتل اختك سلمى في المعركة، اما خفت على ابن اختك الميمون"

فصاح بها : "بل اياه اريد ، لأقتلنه واشرب من دمه ، ذلك الخائن الحقير"

فصاحت به سلمى : " وما الذي اوغر صدرك عليه، أما يكفيه مقتل زوجه سمية ، أما يكفيه اختطاف ابنه المؤمن؟"

ذهل الحارث واقترب من اخته واحتضنها وقال لها وكيف قتلت سمية من قتلها وكيف اختطف المؤمن "

قالت :"لا نعلم من قتل سمية ، فارس لا نعرفه ملثم "

عندها اسقط في يديه وعلم ان ابنته هند هي من فعلت ذلك .

 

الحلقة الرابعة

 

نظرت سلمي إلى ذلك الوجه الذي يكتسي بلحية يتخللها البياض،وجه مشرق لكنه غاضب، كان وجه أخيها الحارث.

"أخي أهكذا تريد أن تغير على ابن اختك " قالت سلمى ، فأجابها الحارث :" ظننته ......ظننته إختطف هند"

قالت سلمى : " ماذا .....أو هند مختطفة ؟"

ترقرق الدمع من عيني الحارث وقال :"بل هند هي الخاطفة و هي القاتلة "، وانخرط الإثنان في بكاء عميق

استجمع الحارث قوته وقال :"يا رجال فلنرجع إلى خيامنا فقد ظهرالحق"

 

ودع الحارث اخته وبعث معها اربعة من رجاله ليوصلوها إلى مضارب قبيلة زرادة

 

"أمي ........أين كنت، خشيت عليك يا اماه" قال الميمون ، فأجابته :

"كنت عند خالك الحارث ،فهو لا ينوي حربك" وهنا أنخرطت الأم في البكاء

"ماذا دهاك يا امي ، هل اساء إليك الحارث ؟ ، لأقطعن رأسه إن تعرض لك بكلمة"

أجابته : "لا لا يا ولدي ولكن لكن عرفت من قتل سمية ........"

فصاح الميمون :"من هو ؟ أجيبني يا أماه ؟ أجيبني فنار الثأر تعصف بي "

أجابته :"إنها هند يا بني إنها هند..... هي ليست عند أخي ، الله وحده يعلم أين هربت بفعلتها ، يا الله كم أنا قلقة على المؤمن ، كيف تحمل أن يرى أمه سمية تقتل، كيف تحمل منظر الدماء ، هل نزعت الرحمة من قلبها بهذا الشكل ؟"

في ذات الوقت كانت هند تجلس في خيمتها بعيدا عن مضارب القبيلتين ، والمؤمن يبكي ويرتعش ويرفض أن يأكل ، "كل يا بني أنا أمك أنا من حرمني منك أبوك "

أجابها :"انت لست أمي أنت قاتلة...."

فهوت بكفها على خده وصاحت به :" كل ما فعلته من أجلك ، تركت ديار قومي من أجلك ، أتعرف جدتك سلمى ؟ أنا بنت أخيها الحارث، أنا من انجبتك وليست سمية ، حرموني منك يا ولدي ، ولكن ها نحن معا ، أريدك أن تكبر و تكبر لتقتل عدنان"

أجابها : " لست ابنك أنا ابن سمية أنا المؤمن بن الميمون وعدنان هو خالي .... دعيني وشأني أرجعيني إلى أبي ....أبي أبي أين أنت ؟!"

تضحك هند وتقول :" أبوك لن يسمعك ...........لا أحد سيسمعك هنا ، الليل معتم ونحن نبعد كثيرا عن ديار ابيك " وتستمر هند في الضحك

في هذه الأثناء كان الميمون يجهز فرسانه للبحث عن هند ، قد عزم ان يفتش عنها كل الصحراء ، لن يدع قبيلة إلا يسأل عنها ، لن يدع صخرة أو مغارة إلا يدخلها

وخرج الميمون ومعه عدنان ورجلان ، تطلع الميمون إلى أمه الباكية ، فنزل من على فرسه وقبل يدها وقال "أماه أهتمي بابنتي رقية ، سأرجع إن شاء الله واقدم للحارث رأس هند"

أجابته :"لا يا ولدي لا تقتلها ، ارجع ولدك لكن لا تقتلها ، هي بنت الحارث خالك ، هي بنت أخي "

قال :"وإن كانت ، سأهدي للحارث اليوم رأس ابنته "

ويركب الميمون فرسه ويسير هو وعدنان والرجال معه

و بعد مسيرة طويلة قال عدنان :"لقد ابتعدنا كثيرا يا أبا مؤمن ، هل يعقل أن هند قد ابتعدت أكثر من ذلك "

فأجابه :"وإن ذهبت لأقاصي الدنيا سألحقها ، دعونا ننزل لنستريح يا رجال"

و ينزل الرجال الأربعة ليوقدوا النار ، ويأكلوا ويبقى الميمون بعيدا عنهم يعبث في الأرض بخنجر في يده ، و يقترب منه عدنان يحمل قصعة من اللبن و هو يقول له : "أخي اشرب لا بد أن تأكل ، منذ أن قتلت سمية رحمها الله وأن لا تأكل ولا تشرب إلا الماء ، بالله عليك أشرب هذا اللبن"

أجابه الميمون"آه يا عدنان ، أي أكل يهنأ لي وقرة عيني المؤمن ليس معي ، أي أكل يهنأ لي وحبيبة قلبي سمية مقتولة "

تسيل دموعه ، وتسيل دموع عدنان ولكن ميمون يتناول اللبن ويشرب بعد أن ألح عليه عدنان.

فتش الرجال الأربعة الأرض فما وجدوا هند ، فغيروا مسيرهم و ظلوا يسيرون ، إلى أن لمح الميمون ناراً بعيدة فقال لعدنان :"أنظر ما عهدت هناك مضارب قبيلة"

فقال عدنان :" لعله ضال طريق او مسافر "

فقال الميمون :"بل لعلها هند " فشدوا الهمة يا رجال"

الحلقة الخامسة

أقترب الفرسان الأربعة من الخيمة ولفوا حولها قبل ان ينزل الميمون مستلاً سيفه ، فإذ به يرى رجلاً وإمرأة تتوجع، فصاح الميمون : من أنتما وما الذي جاء بكما إلى هنا.

قال الرجل وهو يرتعد خوفاً من سيف الميمون: "أنا القاسم وهذي زوجتي المجد ، نحن من بني فزارة، أشتد على زوجي ألآم الوضع ونحن في طريقنا إلى قبيلتنا فأوقدت لها نارا وهاهي كما ترى تعاني من هذه الآلأم ونحن نتنظر المولود."

فأجابه الميمون :"حسنا.... أخي لا عليك ، إنما نحن نطلب قوماً آخرين ، هون الله عليكما ، لكن ألم تريا أمرأة ومعا طفل صغير؟"

قال الرجل :"لا لم أرََ أحدا، لكن هلا أغمدت سيفك حتى لا تفزع المجد؟"

أنتبه الميمون لنفسه حينها فأغمد سيفه وهو يقول:"أنا آسف لم انتبه ، أعذروني"

ثم ركب خيله وقال :" بالسلامة يا أخا العرب"

لم ييأس الميمون من إيجاد هند، فقد عزم ان يقدم رأسها هدية لأبيها الحارث، رغم توسلات أمه سلمى وبكائها.

تابع الأربعة السير حتى أشرقت الشمس ثم ارتفعت فلفحتهم بحرارتها ، فأختاروا ان ينزلوا بين شجر ونبع ماء كان في المكان ليستريحوا ويأكلوا.

وبينما هم كذلك إذ أقبلت نسوة نحو الشجر فأختبأ الرجال الأربعة، كانت النسوة من قبيلة ضربت خيامها حيث نبع الماء، فإذا بأحدى النسوة تقول :" ألم تسمعن بما حدث في قبيلة زرادة؟"

"وما الذي حدث"

"هند ، زوج الميمون الاولى قتلت زوجه سمية وخطفت أبنه ، والميمون لن يهدأ له بال حتى يقدم رأس هند إلى خاله الحارث هدية،شبخ بني الرغيد"

قالت أخرى" كان شيخ بني الرغيد، فبعد أن فعلت هند فعلتها تنازل لأبن أخيه الشاب عبد الرحمن وخرج يضرب في الصحراء لا يلوي على شيء وكأن خبلاً أصابه"

قالت أخرى :"يقولون أن هند ستلجأ إلى قبيلة بني عمر لما بينها وبين قبيلة زرادة من خلاف ، لعلها تجد عندهم الحماية والمنعة"

أجابت ثالثة :"لا أظن أن الميمون سيدعها وشأنها حتى يقتلها وإن كانت ابنت خاله "

علقت الأخيرة قائلة :" ستأتينا الأيام  بالمزيد من الأخبار"

نظر الميمون إلى الرجال الثلاثة وهز رأسه وهو يقول:"إلى قبيلة بني عمر"

امتطى الأربعة خيولهم بعد انصراف النسوة ، وتوجهوا إلى قبيلة بني عمر، وكان الميمون قد عزم ان يقتل هند ولو كلفه ذلك حرباً مع بني عمر أو بني الرغيد بل مع العرب كلها.

و وصل الأربعة إلى مضارب بني عمر بعد ثلاثة أيام من السير الجاد، فاستقبلهم الرضيّ شيخ القبيلة وهو شاب في مقتبل العمر، لم يستطع أن يخفي من عينيه بريق الحقد على ذلك الشاب الذي يتقدم الرجال الثلاثة" و لكنه استقبلهم قائلا : " كبير زرادة في دياري ....أهلا وسهلا تفضلوا يا رجال "

" لم نأت لنجلس ، لكن سمعنا ان هندً بنت الحارث من بني الرغيد عندك مقيمة"

فأجابه :"تقصد هند زوجي ؟ نعم نعم "

بدت علامات الاستغراب جلية على وجه الميمون وهو يقول :"زوجك؟"

فأجابه :" نعم زوجي وهي في كنفي وابنها المؤمن"

قال المؤمن بنبرة حادة"اسمع يا هذا ، سلم لنا هندً فهي قاتلة ، ولنا عندها ثأراً وسلم لنا المؤمن فهو ابني"

فأجابه الرضي :" ليس لكم عندي شيء ، رافقتكم السلامة " و أشاح  بوجهه عنه.

أجابه الميمون :"ستندم أيها الرضي ، فوالله لأقدمنَّ إليك برجال صدقوا عند اللقاء ، و ستعلم على من ستدور الدوائر"

أجابه الرضي غير مهتم :"أفعل ما بدا لك ، فلن تنال خيرا وسترى منا كل بأس" .

"هيا يا رجال " أمرهم الميمون ، فقفلوا راجعين من طريق مختصر فلما وصلوا إلى مضارب قبيلتهم ، صاح عدنان فيهم :"يا رجال زرادة أين فرسانكم ، لا يتأخرن منكم أي قادر ، إنها الحرب  أرادها بنو عمر أرادها الرضي شيخهم ، فقد أوى من لنا عندها ثأراً ، فاستعدوا للقتال ايها الرجال"

اخذت قبيلة زرادة في التجهيز ، وكان المنظر مهيباً حيث التحق بالميمون جيرانه من قبيلة بني فزارة حتى بلغ عدد الفرسان ألفاً وعدد المشاة ألفاً وخمسمئة، وعدد الرماة خمسئة .

كان هذا العدد ينذر ان معركة حامية الوطيس سيقودها الميمون ، وقد قسم جيشه إلى أربعة أقسام ميمنة وجعل عليها عدنان وميسرة وجعل عليها الصعب أمير بني فزارة، والوسط و جعل عليه المقداد من قبيلته و ترأس الميمون القلب .

وسار الجيش ، يهدأ في النهار وينشط في الليل .

و في الوقت ذاته كان الرضي قد تجمع بجيشه على الطريق المؤدية إلى قبيلة زرادة واختار مكاناً وسطاً للمعركة حتى يأمن الصبية والنساء، ولحق بجيشه بنو الرغيد ، حيت أن عبد الرحمن كان بينه وبين الميمون عداوة قديمة، فملأت جنودهم السهل وبلغ عددهم ما يزيد عن الثلاثة آلآلآف

الحلقة السادسة والاخيرة

 

تقارب الجيشان، وأصبح كل منهما يرى الآخر، غير أنهما أختارا المكوث قليلاً قبل البدء.

وفي اليوم الثاني خرج الميمون بين الجيشين فصاح :" أين الرضي" فخرج الرضي على فرسه يتبختر في مشيته وقال :" أنا الرضي بطل المعارك ، كريم النفس ذو السيف البتار"

فأجبه الميمون :" الله أعلى وأجل و هو على ردك لقادر ، وعلى البغي تدور الدوائر"

وبينما هما يتبادلان الكلام ويتحفزان للقتال إذ برز فارس مهيب الطلعة على وجه وقار ، وصاح :" يا أيها الرضي أتعلم من أنا ، أنا الحارث ، لا تتعرض للميمون "

" الحارث ......" صاح الميمون والتفت إلى الفارس فرأى خاله

"أيها الرضي أين ابنتي ، سلمها لي وابنها ، ولا تركب الخطر ، وقد أعذر من أنذر"

قال الرضي :"لكنها زوجي أيها الحارث"

فأجابه الحارث :"تزوجتها من غير رضاي ، ومن غير علمي ردها إلي "

فأجابه الرضي :"لن يكون لك ذلك ، وهذا عبد الرحمن جاء لي سندا وعونا"

فقال الميمون :" دعه يا خال فلأدعن السيف يرتوي من دمه ....."

 و لكن أبا هند قال للرضي :"ايها الرضي بارزني فإن غلبتني فهند لك زوجة، وإن غلبتك فردها إلي "

ضحك الرضي وقال : "وهل يغلبني عجوز مثلك ، وأنا الشاب الفتي "

"لا تكثرن الحديث ، وبارز" قال الحارث

واصطدم الإثنان ، وثار الغبار حولهما ، ولمعت السيوف ، وحجبت الرمال عن الجمع الرؤية ، وظل الميمون يرقب ، فإذا بالغبار يهدأ والرضي مقيد والسيف مسلط فوق رقبته :"أعرفت كيف يغلبك العجوز يا يا أيها الشاب المغرور" قال الحارث

فأقبل الميمون وحمل الرضي على خيله واقتاده ثم صاح :"يا بني عمر هذا سيدكم قد أسرناه وما غلبه إلا الحارث سيد بني الرغيد ، يا عبد الرحمن هذا عمك فاسمع منه "

"يا عبد الرحمن يا ابن اخي ما حملك على قتال الميمون وانت تعلم أن الحق في ركابه ، أرجعوا لنا هنداً والمؤمن يرد إليكم سيدكم الرضي" قال الحارث

و بينما هم كذلك إذ بفارس ملثم يخرج على جواده رادفا خلفه المؤمن ثم ينادي :"أنا هند أخرج لي يا الميمون وبارزني ، بارزني إذا أردت المؤمن "

صاح المؤمن:"أنا لا أبارز النساء ، فلا تكثري الحديث"

وبينما هم كذلك إذا صاح فارس من زرادة :"بل أنا التي سأبارزها ..."

"أماه ...مالك وللحرب " صاح ميمون

قالت سلمى :" النساء يبارزهن النساء ...."

وبينما هم في أخذ ورد إذا بالحارث يتقدم على صهوة فرسه ، وأنحنى بسيفه فعقر فرس هند ، فوقعت هند والمؤمن " فارتجل الحارث عن فرسه وجرى المؤمن نحو أبيه ، واقبل الحارث على ابنته والسيف يلمع بين يديه ، ثم أنحنى عليها بسيفه فطار رأسها من فوق كتفيها، و صاح الحارث :"بهذا أغسل عاري ...ها أنا أقدم الهدية  لنفسي  يا ابن اختي " ثم وقع على الأرض باكيا

ثم صاح :" يا عبد الرحمن ارجع الى مضاربك وديارك ....انت سيد قومك فاحفظ دماءهم ......أيها الميمون ارجع إلى ديارك واحفظ دماء قومك..يا بني عمر دونكم سيدكم ثم قام فنخز الفرس التي تحمل الرضي المقيد إلى جنده وقال ارجع ايها الرضي فأنا من قتل هندا لا الميمون ، انا من قتل ابنته " و وقع الشيخ مرة أخرى و هو يبكي فأركبه عدنان على حصانه ، ثم رجع كل إلى دياره ،إلا الحارث فإنه اختار ان يقيم عند ابن اخته الميمون .