مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الميت

قصة قصيرة

بقلم :  سامي محمود طه
موقع حَماه


((يسود اعتقاد لدى بعض الناس أن روح الميت ترفرف في العالم الذي عاش فيه أربعين يوماً قبل أن تنتقل إلى حيث قدر الله، ترقب، ترى، تسمع، وعندما تغادر، تكون قد حملت عن عالمها صورة لا يكدرها زيفٌ)).‏



*****

متثاقلاً ينقل خطواته، باتجاه بيته، حيث تنتظره أفواهٌ وألسنةٌ أصبحت مطالبها رتيبة يحفظها عن ظهر قلب، تصارعت في رأسه رغباتٌ كثيرة، رغبة في الراحة، رغبة في القدرة على التلبية، رغبة في الصدق حتى مع أفراد أسرته، وربّما رغبة بالموت إن كانت الرغبات الماضية بعيدةً المنال.. وفي صخب رغباته، أثناء اجتيازه الشارع الأخير المفضي إلى بيته، سمع، أحسّ، ربّما... وربّما لم يكن لديه الوقت الكافي...‏
المهم ساد هرج ومرج... وجثّته ارتمتْ بقوةٍ صاعقةٍ على أرض الشارع وثوانٍ قليلة كانت كفيلة بتحوّل الشارع إلى تجمّعٍ كبيرٍ للناس الذين شقّ صفوفهم رجال الشرطة للمباشرة في إجراءات تحقيق بحادثٍ مروري أزهق روح رجلٍ...‏
أشياؤه تناثرت بين أرجل الناس، وهو واقف، تطلّع باستغراب إلى الجمع. نظر إلى سائق السيارة التي صدمتهُ. في المرّات الماضية عندما كان يشهد حادثاً مرورياً كان يشعر أحياناً بالغضب، بالاشمئزاز، بالحزن.. إلا أنّه هذه المرّة كان بعيداً عن الغضب والاشمئزاز.. أحسّ بالشفقة، هزّ رأسه وتابع سيره.. ولم ينتبه لمتابعته أحد.‏
والأمر الذي أدهشه كثيراً أنّه عندما يمرّ بأحد معارفه في الشارع ويحيّيه لا يتلقّى رداً.. وأكثر من ذلك فإنّ أحداً لم يكن ينتبه لمروره في الحي، كان خبر موته قد ألفَ ألسنة الناس في حيّه، ابتسم ربّما سخرية.. وتابع سيره.. أحسّ بقوة غريبة تملكّها الآن فقط إنه يستطيع القفز مسرعاً، بل الطيران، وأن يرى الناس ولا يروه، وعندما كان يستعدّ لقرع جرس باب بيته أدرك أنّ من القوى التي تملكّها الآن قدرته على دخول البيت دون أن يفتح الباب فانسلّ داخلاً عبر باب بيته، ودُهِش لأن الأفواه الفاغرة واسطوانه المطالب لم تدهمه هذه المرّة.. وشعر بحزنٍ لأن أحداً من أفراد أسرته لم يكترث لوجوده.. وفي تلك اللحظة كان خبر موته قد وصل إلى الأم والأبناء الذين يجلسون منتظرين وصوله، فقرّر أن يستوطن سقف بيته أربعين يوماً يراقب ما يجري...‏
وفود المعزّين تقاطرت، وأجواء الحزن ألقت ظلالها القاتمة على البيت، وكم أسعده صدق حزن زوجته وأبنائه.. رأى فيهم مثال الإخلاص والوفاء.. كانت زوجته تمزّق الصمت الذي تفرضه رهبة الموت بنشيج حزين مضطرب، وذكرٍ مستمرٍ لفضائل كانت موجودة في شخصه وأخرى لم يعرفها إطلاقاً..‏
أمّا أبناؤه فقد احتاج حزنهم جهود الأقارب لمواساتهم...‏
أسبوع مضى، والدموع بدأت تشحّ، ونار الحزن تخبو والضحكات تحطّ رحالها بعد غياب، على وجوه أسرته... أثاره ما رأى... أثارته أحاديث زوجته التي لم يعد محورها... أثاره قرار ابنه البكر أن الميت لا يرافق، والحي أبقى ورغبة ابنته في مشاركة رفيقاتها رحلتهنّ بعد شهر إلى الساحل للابتعاد عن أجواء الحزن... فقرر أن لا ينتظر أكثر من ذلك. فكر أن يحزم حقائبه، ويحمل أشياءه ويغادر إلى غير رجعة... أذهلته رؤية زوجته وهي تحمل حقيبتين حوتا ملابسه كاملة وقدمتهما إلى فقير سائل طارق الباب... إلا أنه تذكر أن من القدرات الخفية التي تملّكها أنه لا يحتاج إلى ملابس، أو نقود، ولا لأية أوراق ثبوتية.‏
كان هذا آخر عهده بهم، نزل من مكمنه، وسار بينهم، توقف، نظر إليهم واحداً واحداً، ودّ لو أنه يستطيع التخلي عن كل القوى التي امتلكها حديثاً... أحس بشوق عارم لطلباتهم، وأفواههم الفاغرة... عندما همّ بالرحيل أحزنه أن أحداً لم يلتفت إليه... وعلى باب بيته، حيث لا حاجة لفتح الباب ألقى نظرته الأخيرة... كان الابن يرسل صوته عبر سماعة الهاتف إلى... وابنته تتصفح جريدة يومية، أما زوجته فقد أباحت لدمعتين مغادرة عينيها... نظرت باتجاه الباب، ثم إلى صورته المعلقة قبالتها... وسارت خطوات متثاقلة نحو غرفتها... بينما انسلّ هو عبر باب البيت وسار خطوات قليلة ثم حلّق بعيداً بعيداً...‏