جولة في مجتمعنا ( 1 )
المنتفخون و المتسلقون
مقال
د. فاروق مواسي
ثمة
نفر في مجتمعنا يطعمون أنفسهم جوزًا فارغًا ، ويحمّلون أنفسهم ما لا طاقة
لهم به . الكبرياء الجوفاء سَــداهم ولحمتهم ، والادعاء مبتدأهم وخبرهم .
فمن مدع بالعلم وهو ما زال يحبو في فهم المقروء ، ومن متطاول في ميدان ما
وهو لم يعلم الهمزباء فيه ، وقس على ذلك في الصناعة والسياسة والدين
والفنون .....
ومجتمعنا يترك لهم المِقود
من غير أن يتجرأ أن يقول للأعوج " أعوج " ، وكله عند العرب
" مسح لحى " ، حتى بلغ بنا الأمر ألا نجرؤ على الذهاب إلى محكمة لندين
ظالمًا ظلم ، وسكتنا في وقت وجب فيه أن نتكلم ، واختلط علينا الأمر، أو
الشحم بالورم - على رأي المتنبي .
وهؤلاء الذين في شحمهم ورم
يتسلقون ويتسنمون مناصب ليسوا أهلاً لها ، وذلك بتفويض من السلطة العادلة
جدًا جدًا – التي تدَع الرجل المناسب لاصقًا في المكان المناسب ، وهذه
السلطة لا تتلاعب أبدًا بمقدراتنا ، ولا تستهزئ بمؤهلاتنا !!
ونحن إزاء ذلك غايتنا تبرر
كل وسيلة ، فمن وصل بـفَهلوية – على حد تعبير صادق جلال العظم – لا يخلد
إلى السكينة ، بل يشرع في التطاول على من هو أقدر منه ......
وهذا المغبون حقه أن يكرر :
" ضعيف يقاويني قصير يطاول "
،
ولكن من يسمع ؟!
وأنى توجهت تجد منتفخًا هنا
، ومتسلقًا هناك ، حتى اختلط الحابل بالنابل، والقارئ بالجــارئ .
والأدهى والأمرّ أن تجد بعض
هؤلاء الفارغين ، وهم بمظهر الادعاء والأستاذية والتعالم ، مع أن الإنسان
المملوء حكمة وخبرة يكون متواضعًا بطبعه ، أنيسًا إلى القلوب والعقول .
وما زلت أذكر درسًا تعلمته
في قراءة السكاكيني " الجديد " يروي أن رجلاً صحب ابنه إلى حقل فيه سنابل
. لاحظ الصغير أن بعض السنابل قد خفضت رأسها ، وأن البعض الآخر شامخ إلى
الأعلى .
سأل الصغير أباه عن سر ذلك ،
فشرح له بأن من يمتلئ رأسه بالعلم يخفض رأسه تواضعًا ، تمامًا كالسنبلة
الممتلئة حبًا ، ومن هو فارغ يشمخ إلى الأعلى .
وبعد ذلك بسنين وجدت المعنى
في بيت شعر :
ملأى السنابل تنحنـــي
بتواضـــع
والفارغات رؤوسهن شوامـــخ
كذلك يقول البحتري في أحد
ممدوحيه بهذا المعنى :
تواضع من مجد له وتكرّم
وكل عظيم لا يحب التعظــما
*
* *
ومن جهة أخرى فإن الترفع عن
هؤلاء المتعجرفين وعن مجالستهم ضرورة هامة للحؤول دون استمرارهم في غلوائهم
، وفي ممارساتهم السيئة ، وقد روي عن علي عليه السلام في نهج البلاغة :
" إن التكبر على ذوي التكبر
خضوع عند الله " .
إن هؤلاء المنتفخين /
المتسلقين عندما يصابون بالــعُجب يصبحون آفة ، وذلك لأنهم يتطاولون على من
وصل وسبقهم في ميدان المعرفة ، وهذا التطاول لا يتيح لهم حسن الاستماع حتى
يُقبلوا على مائدة العلم ، بل يولّدون بغضاء وعداوة من غير أدنى ضرورة ،
ولا يعلم إلا الله مــآلها .
وعن هؤلاء المصابين بداء "
الـعـُـجْب " يقول ابن دُريد في مقصورته :
من ناط بالعُجب عُـرا
أخلاقــه
نـيطت عُرا المقــت إلى تلك العُــرا
من طال فوق منتهى بسطـــته
أعجزه نيل الدُّنا بــلْــهَ القُــصا
ويشرح الشارح هذين البيتين
، فيقول :
" إن من امتلأ عُجْــبًا
بنفسه أو عمله أو ماله وما إلى ذلك ...فقد غرس في قلوب الخلق مقته ،
وألّبهم عليه من حيث يشعر ولا يشعر . والعُجب من أمراض القلوب ونقص العقول
، إذ يجر إلى التهاون والاستخفاف بغيره ، فيترك واجبهم ، فيقابل بالمثل أو
أنكى وأشد .
كذلك من رفع نفسه فوق قدرها
، وتمدد أطول من قامته وغاية بسطته لينال ما لا لا يناله مثله ، ويطلب ما
لا يرتفع له قدره ، فقد كلف نفسه أمرًا إدّا ، وكان كجُعَل يريد أن يسابق
في تسلق الأشجار قردًا ، أو كعصفورة أرادت أن تبيض بيض النعامة "
وبعد ،
ولرب سائل يسأل : وما العمل
إزاء هؤلاء ؟!
والجواب بعبارة فذة : أن
نعمل ، وأن نعمل !