الأدب  ( 1 )

 أخبار و مقالات و دراسات أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

المقال

جولة في مجتمعنا ( 1 )

 

المنتفخون و المتسلقون

مقال

د.  فاروق مواسي

 

         ثمة نفر في مجتمعنا يطعمون أنفسهم جوزًا فارغًا ، ويحمّلون أنفسهم ما لا طاقة لهم به . الكبرياء الجوفاء سَــداهم ولحمتهم ، والادعاء مبتدأهم وخبرهم . فمن مدع بالعلم وهو ما زال يحبو في فهم المقروء ، ومن متطاول في ميدان ما وهو لم يعلم الهمزباء فيه ، وقس على ذلك في الصناعة والسياسة والدين والفنون .....

ومجتمعنا يترك لهم المِقود من غير أن يتجرأ أن يقول للأعوج " أعوج " ، وكله عند العرب
 " مسح لحى " ، حتى بلغ بنا الأمر ألا نجرؤ على الذهاب إلى محكمة لندين ظالمًا ظلم  ، وسكتنا في وقت وجب فيه أن نتكلم ،  واختلط علينا الأمر، أو الشحم بالورم  - على رأي المتنبي .

وهؤلاء الذين في شحمهم ورم يتسلقون ويتسنمون مناصب ليسوا أهلاً لها ، وذلك بتفويض من السلطة العادلة جدًا جدًا – التي تدَع الرجل المناسب لاصقًا في المكان المناسب ، وهذه السلطة لا تتلاعب أبدًا بمقدراتنا ، ولا تستهزئ بمؤهلاتنا !!

 

ونحن إزاء ذلك غايتنا تبرر كل وسيلة ، فمن وصل بـفَهلوية – على حد تعبير صادق جلال العظم – لا يخلد إلى السكينة ، بل  يشرع في التطاول على من هو أقدر منه ......

 وهذا المغبون حقه أن يكرر :

" ضعيف يقاويني قصير يطاول " ،

 ولكن من يسمع ؟!

وأنى توجهت تجد منتفخًا هنا ، ومتسلقًا هناك ، حتى اختلط الحابل بالنابل، والقارئ بالجــارئ .

 

والأدهى والأمرّ أن تجد بعض هؤلاء الفارغين ، وهم بمظهر الادعاء والأستاذية والتعالم ، مع أن الإنسان المملوء حكمة وخبرة يكون متواضعًا بطبعه ، أنيسًا إلى القلوب والعقول .

وما زلت أذكر درسًا تعلمته في قراءة السكاكيني  " الجديد " يروي أن رجلاً صحب ابنه إلى حقل فيه سنابل . لاحظ الصغير أن بعض السنابل قد خفضت رأسها ، وأن البعض الآخر شامخ إلى الأعلى .

سأل الصغير أباه عن سر ذلك ، فشرح له بأن من يمتلئ رأسه بالعلم يخفض رأسه تواضعًا ، تمامًا كالسنبلة الممتلئة حبًا ، ومن هو فارغ يشمخ إلى الأعلى .

وبعد ذلك بسنين وجدت المعنى في بيت شعر :

ملأى السنابل تنحنـــي بتواضـــع

                            والفارغات رؤوسهن شوامـــخ

كذلك يقول البحتري في أحد ممدوحيه بهذا المعنى :

تواضع من مجد له وتكرّم

                              وكل عظيم لا يحب التعظــما

                   

*                  *                  *

 

ومن جهة أخرى فإن الترفع عن هؤلاء المتعجرفين وعن مجالستهم ضرورة هامة للحؤول دون استمرارهم في غلوائهم ، وفي ممارساتهم السيئة ، وقد روي عن علي  عليه السلام في نهج البلاغة :

" إن التكبر على ذوي التكبر خضوع  عند الله " .

إن هؤلاء المنتفخين / المتسلقين عندما يصابون بالــعُجب يصبحون آفة ، وذلك لأنهم يتطاولون على من وصل وسبقهم في ميدان المعرفة ، وهذا التطاول لا يتيح لهم حسن الاستماع حتى يُقبلوا على مائدة العلم ، بل يولّدون بغضاء وعداوة من غير أدنى ضرورة ، ولا يعلم إلا الله مــآلها .

وعن هؤلاء المصابين بداء " الـعـُـجْب "  يقول ابن دُريد في مقصورته :

 

من ناط بالعُجب عُـرا أخلاقــه

                            نـيطت عُرا المقــت إلى تلك العُــرا

من طال فوق منتهى بسطـــته

                               أعجزه نيل الدُّنا  بــلْــهَ القُــصا

ويشرح الشارح هذين البيتين  ، فيقول :

" إن من امتلأ عُجْــبًا بنفسه أو عمله أو ماله وما إلى ذلك ...فقد غرس في قلوب  الخلق مقته ، وألّبهم عليه من حيث يشعر ولا يشعر .  والعُجب من أمراض القلوب ونقص العقول ، إذ يجر إلى التهاون والاستخفاف بغيره ، فيترك واجبهم ، فيقابل بالمثل أو أنكى وأشد .

كذلك من رفع نفسه فوق قدرها ، وتمدد أطول من قامته وغاية بسطته لينال ما لا لا يناله مثله ، ويطلب ما لا يرتفع له قدره ، فقد كلف نفسه أمرًا إدّا ، وكان كجُعَل يريد أن يسابق في تسلق الأشجار قردًا ، أو  كعصفورة أرادت أن تبيض بيض النعامة  "

وبعد ،

ولرب سائل يسأل : وما العمل إزاء هؤلاء ؟!

والجواب بعبارة فذة : أن نعمل ، وأن نعمل !