أدب

صفحات خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

المعلم ومارغريتا

تأليف :ميخائيل أفانيفيسيتش بولغاكوف

ترجمة : رشا المالح*

     ولد ميخائيل أفانيفيسيتش بولغاكوف عام 1891 في كييف التي هي اليوم عاصمة أوكرانيا. ودرس الطب وتخرج في عام 1916 ومارس عمله كطبيب في العديد من القرى النائية. وفي عام 1918 عاد بولغاكوف إلى كييف، وقد تزامنت عودته مع نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية الحرب الأهلية في روسيا التي كان أقطابها ألمانيا والأوكرانيين القوميين والجيش الأحمر البولشوفي. وأسوة بأخوته انضم ميخائيل إلى الحرس الأبيض المناهض للجيش الأحمر البولشوفي، وفي حين استقر إخوته في فرنسا فقد آل به الأمر إلى الاستقرار في القوقاز حيث تخلى عن الطب وبدأ العمل كصحفي.

 وهو من الكتاب الذين لم يغادروا روسيا أبدا.وفي عام 1924 كتب روايته الساخرة (الحرس الأبيض)، وهي بمثابة سيرة ذاتية لتجربته في الحرب الأهلية، وأيضا أول موضوع أدبي جاد تناول تلك الحرب. ثم كتب مسرحية «أيام التربين» وهي مستوحاة من روايته. وقد ساهم نجاح تلك المسرحية في تكريس مكانته كأحد كتاب المسرح الروسي. كما أثار عرض تلك المسرحية نقدا واحتجاجا في عالم الصحافة والمجتمع مما أدى إلى منع أعماله في عام 1929.

 وحينما أرسل من قبل ستالين إلى موسكو، قام بمسرحة العديد من الروايات ومنها، رائعة غوغول «أرواح ميتة» ورواية سرفانتس وموليير، وقد صور من خلالها التناقض بين الفنانين والنظام الذي يقمع الأعمال المسرحية لدى نجاحها شعبيا.وفي عام 1939 حاول العودة إلى الدراما، علما بأنه ارتبط بزوجته الثالثة سيرغيفنا التي رأى فيها نموذجا لمارغريتا بطلة روايته «المعلم ومارغريتا»، التي بدأ في كتابتها في عام 1928 وحتى زمن قصير قبل وفاته في عام 1940.

وتمتلك هذه الرواية كل المواصفات والميزات التي تضعها في مقدمة الرواية الكلاسيكية الخالدة وكذلك ضمن الروايات التي تمتلك ميزات الرواية الحديثة، وفي بعض الفصول الكافكاوية.

ويأتي تميز تلك الرواية من خلال جمعها بين الأفكار الشمولية لقيم الحياة وفلسفتها المتمثلة في الصراع الأزلي، بين الخير والشر والطمع والجشع والزيف والانتهازية وبين المهارة في التقنيات والحبكة وأسلوب صياغة الأفكار بصورة سريالية هي أقرب إلى الواقعية من الحقيقة نفسها سيما في عالمنا أو عصرنا الحديث الذي تترجمه تلك الرواية بصورة تثير الدهشة، حتى يعتقد قارؤها في زمننا الحاضر بأنها كتبت خصيصا لعصرنا استنادا على زمن أو حدث غابر.

 ففي الجزء الأول يقدم المؤلف للقارئ نموذجا لحياة المجتمع الذي يؤمن أفراده إيمانا قاطعا بالتقنية والمادة وكل ما هو بعيد عن الغيبيات. ومن هنا تبدأ أحداث القصة التي تتخذ صفة الإثارة المتمثلة فيما هو غير معقول ليصبح منطقيا وحقيقيا.بطل الجزء الأول هو الشيطان نفسه الذي يتخذ صفة الإنسان ويعرف عن نفسه باسم « فولند » مع فريقه وهما رجل قبيح يمتلك نظارة زجاجية واحدة مهشمة وقط أسود كبير مدمن للكحول ويتحدث الروسية ويسير على قائمتيه الخلفيتين،

إلى جانب امرأة من عالم الموتى.يدخل هذا الثلاثي وأحيانا الرباعي مدينة موسكو ليبدأ بإثارة الفوضى والرعب فيها، حيث يقدمون عرضا على مسرح موسكو، يسعى من خلاله الساحر فولند إحضار سكان موسكو إليه ومن خلال مشاهد عروضه، يرسم لنا المؤلف صورة عن جشع وطمع سكانها وتقبلهم للسحر لدى توافقه مع كسبهم للمال المجاني والهدايا.

وسرعان ما يصاب الناس بالخيبة لدى اختفاء الهدايا وتحول النقود إلى قصاصات ورقية لا قيمة لها.ومن جانب آخر، يتحدث المؤلف عن بعض الشخصيات التي أدى لقاءها بالشيطان إلى موتها أو دخولها مصحة الأمراض العقلية مثل شخصية رئيس التحرير برليوز الذي تنبأ له الشيطان بميتة مأساوية تحققت بعض مضي زمن قصير حيث فصل رأسه عن جسده بعد أن دهسه الترام،

 وشخصية الشاعر بيزدومني الذي أدخله الناس المصح حينما بدأ بالتحدث عن الساحر فولند وقطه والرجل العجوز الذين تسببوا في مقتل صديقه.ويستعرض بولغاكوف عددا من الشخصيات الانتهازية المزيفة في جمعية الكتاب والمزايا التي يتمتعون بها رغم عدم كفاءتهم، حيث يتضح بأن معظم أعضائها رغم شهرتهم كتاب وشعراء يدركون في أعماقهم زيفهم وعدم امتلاكهم لأية موهبة تبرر لهم المكانة التي يحتلونها.وفي المصح يلتقي بشخصية المعلم الذي يروي قصته وسبب دخوله المصح بملء إرادته.

 ويمد بولجاكوف محورا جديدا في الرواية حيث يتحدث المعلم عن مأساته التي بدأت بعد لقائه بالمرأة التي يدرك بأنها الحب الحقيقي في حياته وكذلك الأمر بالنسبة لها. وتشجعه تلك المرأة وتدعى مارغريتا على متابعة كتابته لرواية «بيلاطيس البنطي» التي تتحدث عن الحاكم اليهودي في أورشليم ونهايته الغامضة التي يتشوق القارئ لمعرفتها أسوة بالشاعر منذ بداية الرواية وحتى نهايتها.

 وفي الجزء الثاني ينتقل المؤلف إلى مفصل جديد في الرواية، حيث يجسد اللقاء بين مارغريتا وفولند وجماعته مفارقة جديدة في الأحداث. وفيه تجسد شخصية مارغريتا، الإنسان المحب العزيز النفس الذي ينشد مصلحة الآخرين قبل مصلحته أي الإيثار.

 وربما يسعى بولغاكوف من خلال هذا العرض، التأكيد على أن فولند القاسي الشرير بمفهوم المجتمع، يملك رحمة وتقديرا لخصال الإنسان النبيلة، أكثر بكثير من الناس الذين لا يترددون في سحق من يهدد طموحاتهم أو كبريائهم سواء في الماضي أو الحاضر. ومن هؤلاء مجموعة كتاب ماسوليت السوفيتية الذين لم يترددوا في تدمير المعلم لدى تقديمه عملا أدبيا يتضمن الفكر والإبداع.

 وبالتأكيد لا يضيّع جاره الكاتب فرصة الاصطياد في المياه العكرة التي تعكس هجوم النقاد والصحافة على المعلم وسخط الرأي العام ضده، إذ يرسل إلى التحريات خطابا يبين فيه بأن المعلم يمتلك منشورات سرية، وكان الهدف من تلفيق التهمة الحصول على شقة المعلم.وتوافق مارغريتا أن تنفذ رغبة فولند بلعبها دور الملكة في احتفاله السنوي مقابل حصولها على معلومات عن مكان المعلم بعد اختفائه قبل عام تقريبا.

وهنا يصور المؤلف عالما سرياليا يشمل أدوات السحر كالمكنسة التي تطير عليها البطلة، والكريم السحري الذي يجدد شبابها، إلى جانب عالم الجحيم والنماذج التي تستحق وجودها في ذاك العالم.ويعود المؤلف مجددا إلى محور القصة الآخر ليسرد تطورات الأحداث مع الحاكم بيلاطس البنطي سيما بعد صلب ووفاة اليشوع، وتحرير جسده من الصلب مع الإثنين الآخرين من قبله صديقه الوفي متى،

 حيث تساعده الأمطار الغزيرة الأشبه بالطوفان في الوصول إليه بعيدا عن أعين الحرس.وحينما يصر فولند على تحقيق رغبة مارغريتا بعد إنجازها للمهمة، تطلب تحرير المعلم وإعادته إليها. وحينما يخرج من المصح العقلي تكون رغبته الوحيدة العيش برفقة مارغريتا في شقة القبو المتواضعة التي كان يكتب فيها.

 وفي النهاية، تأتي رسالة من اليشوع إلى فولند يطلب فيها أن يمنح كل من المعلم ومارغريتا السكينة والسلام، ويتم تنفيذ الطلب بدس السم في النبيذ لكليهما، ليفارقا الحياة ويهنآ بالأمان.ويتضح للقاريء في النهاية بأن شخصية الشيطان إنما تسعى للكشف عن جوانب الشر والضعف في نفوس البشر وتعاقب مرتكبيها بلا رحمة وبقسوة أشد، والعكس تماما مع النفوس الخيرة، أي أن شخصية فولند هي أقرب إلى الجن في عالم الخيال، أو ربما في الواقع!

 وفي المحصلة فإن تلك الرواية التي تلقى لدى كل قارئ مساحة مشتركة من التقارب، تتخذ مكانتها المتميزة سواء على صعيد الأدب الروسي وكتابه الكبار أو على صعيد الأدب العالمي بلا أي منافس.

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com