مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  المعلم الجلاد

 عبد الرحيم المرابطي

ميدوزا


     سمير ،  أنهى الثامنة من عمره منذ أسبوع، خرج مسرعا في الصباح الباكر نحو المدرسة، التي تبعد أمتارا قليلة عن المنزل الذي يسكن فيه مع أسرته الصغيرة وسط المدينة. كان الجو باردا، المطر بدأ يهطل لتبلل قطراته ثياب سمير الرثة.
المدرسة التي يتعلم فيها واسعة، لها فناء تتوسطه ساحة للرياضة وملعب لكرة السلة، عندما يلعب فيه التلاميذ يملئون المكان صخبا، لينضاف إلى ضجيج السيارات، التي تمر في الشارع الرئيسي الذي يفصله عن المدرسة، جدار عال ذو باب حديدي صغير نادرا ما يستعمل لخروج التلاميذ.
كثيرا ما يشعر سمير بالخوف وهو ذاهب إلى المدرسة، المعلمون الذين يشرفون على تعليمه لا يترددون في تأنيب التلاميذ، وزجرهم بأساليب العقاب البدني والنفسي.
بدأ الدرس بقراءة نصوص عربية وشرحها، فجأة قال المعلم :
ـ عبد المنعم، هل أتيت بألبوم الطوابع البريدية الذي حدثتني عنه؟
ـ نعم، بالتأكيد سيدي.
ـ أعطيني إياه.
توجه التلميذ إلى مكتب المعلم، وسلم له ألبوما ضخما له غلاف من الورق المقوى الناعم، عليه ألوان زاهية. هندام التلميذ كان أنيقا يوحي بأنه من وسط اجتماعي غني. بدأ المعلم يتصفح الألبوم بتمعن و اهتمام كبير. نادى على التلميذ وقال له :
ـ أريد أن آخذ بعض الطوابع من ألبومك، فأنا أيضا أهوي جمع الطوابع البريدية ؟
ـ تفضل سيدي، خذ ما شئت.
كان المعلم منشغلا باختيار ما طاب له من طوابع بريدية، بينما سمير منهمك في اللعب محدثا هرجا داخل القسم، يفوق ما يصدر عن زملائه بكثير. غضب المعلم واندفع نحوه منفعلا، وقال :
ـ أيها الوغد القذر، لا تتركني ولو لحظة واحدة أقوم بأشغالي.
أحس سمير بخفقان قلبه يزداد بقوة، وبيديه الصغيرتين ترتعشان.
تابع المعلم كلامه بهيجان:
ـ تعالوا هنا يا رشيد، حسن وعلي. أمسكا بيدي هذا الحمار) مشيرا بيده إلى سمير( يا حسن ورشيد، أما أنت يا علي فقم بصفعه عشر صفعات على خديه..أدبوا هذا الحمار.
رجع المعلم إلى مكتبه، وواصل اقتناء الطوابع البريدية من الألبوم، التي كانت تبدوا جميلة ومختلفة الأحجام. انشغل بهوايته الممتعة، غير آبه بصراخ سمير، وبوقع الصفعات المؤلمة على خديه الصغيرتين، محدثة رنينا في الحجرة، وحالة من الخوف والفزع في صفوف التلاميذ الذين دخلوا في سكون تام.
رجع سمير إلى مقعده، ولم يتوقف عن البكاء بصوت مرتفع، اختلط مع رنات الجرس الحديدي، معلنا انتهاء الحصة الدراسية.
عاد سمير إلى المنزل وهو في حالة نفسية مرثية، يشعر بدوار وبأوجاع في رأسه، وجنتيه تبديان كحبتي طماطم شديدتي الاحمرار.
عبد الرحيم المرابطي - المغرب