
رواية
قصيرة

أحمد
القاطي
عـند
حلول فـصل الربيع الأخير، قـررت أسرتي التوجه نحو القـرية قـصد زيارة
جـدتي التي كانت طريحة الفـراش بسبب مرض عـضال ألم بها . امتطينا سيارة
أبي الجديدة اللماعة التي اشتراها حديثا، وأوصانا بضرورة أخـذ الحيطة
والحذر من القيء بداخلها عـند الوصول إلى المنعرجات الكثيرة المشرفة
على القـرية وأعطى لكل واحد منا كيسا بلاستيكيا لاستعماله عـند الضرورة
القـصوى. انطلـقـت السيارة تطوي بنا الطريق طيا ،وعـبر نوافـذها كنا
نمتع النظر بمناظر الطبيعة المخضرة بكل أنواع النباتات،
والزاهـية
بالزهـور المختلفة الألوان والأشكال، والتي تبدو لوحة بديعة الصنع
والإتقان تـفـننت في إبداعها يد الخالق الرحمن. لما وصلنا ، كان علينا
جميعا أن نترك السيارة جنب الطريق الرئيسية المعبدة، و نكمل السير مشيا
على الأقدام نظرا لوجود مسكن جدتي فوق ربوة يستحيل معه وصول السيارة
إليه . وفي الطريق ، وقـرب باب كهف مخيف بظلامه، ووحشة المكان، رأيت
صندوقا يبرق ويشع نورا، فـدفعني فـضولي إلى التوجه نحوه لأخذه ومعرفة
سره. حملته وأنا كلي فـرح ، ثم وقع نظري على لافـتة كانت جنب الصندوق ،
مرسوم عليها سهم بالأحمر يشير إلى باب الكهف، معناه ادخل إلى الكهف،
وتحته كتابة لم أعرها أي اهتمام. وبينما أنا أهم بالدخول إليه سمعت صوت
أبي يناديني:
ـــ أحمد ، يا أحمد ، أين أنت؟
ـــ أنا هـنا يا أبي، أنا أقـطف بعض زهـور الأقحوان كي أقـدمها
هـدية لجدتي المريضة.
أخـفـيت الصندوق تحت إبطي كي لا يراه أي أحد ،وكي يكون ما بداخله خالصا
لي وحدي، وقـفـلت راجعا، فالمسافة الفاصلة بيني وبين أسرتي قـصيرة .
تابعنا سيرنا نحو الربوة التي تحتضن مسكن جدتي ،وكـنت أتعمد البقاء في
الخلف، كي لا يفـتضح أمر الصندوق الذي كـنت أتأبطه.
وصلنا بعد جهد وعـناء، ووجدنا في انتظارنا خالي الذي فـتح الباب، لقـد
كان على علم بمجيئنا ، فالهاتف النقال، وصل إلى جل القـرى وسهـل حياة
الناس فـيها. استقبلنا بحرارة ،وحفاوة أهـل القـرى المعروفـين بكرمهم ،
حيث قـدم لنا " حرشة " مغطاة بالسمن والعسل، وناولنا الشاي المنعـنع
الذي يعبق المكان برائحته.
وفي
غـمرة تلذذ الأسرة بأكلتها، اغـتنمت فـرصة انشغالها، وخرجت مهرولا
قاصدا الكهف ، ومعي الصندوق اللماع، الساحر بزخارفه التي تشي بأنه
ينتمي إلى حقـبة زمنية زاهـرة من تاريخ المغرب القـديم ، واللافـتة ،
وقـبل أن ألج إلى داخل الكهف توجهت إلى الله بالدعاء كي يحـفـظني من كل
شر قـد يصادفـني ويعرض حياتي للخطر، ثم دخلت إلى الكهف الدامس ،
المترامي الأطراف الذي شعرت فـيه برهـبة لا قـبل لي بها ، لم يخـفـف
من وطأتها إلا ذلك الضوء الباهت الذي كان ينبعث من فـوهة في أعلاه.
فـقـلت في نفـسي: لابد أن أقـصد مكان الضوء، عـله يسعفـني كي أتبين من
خلاله ما بداخل الصندوق. وبينما أنا أتقدم بخطوات وئيدة، وعيناي
مسمرتان في اتجاه واحد لا تزيغان عنه، زلت قـدمي وسقـطت ، وسقـط مني
الصندوق على الأرض، فانفـتح ، فإذا بي أرى نورا يصعد منه ويملأ المكان،
الشيء الذي مكنني من رؤية المسحوق الذهبي الذي كان بداخله.
غمرتني فـرحة عارمة، فاستجمعت قـواي محاولا الوقـوف، لاسترجاع الصندوق
وغـلقه ، والعودة إلى مسكن جدتي. لكن ما أن كدت أفعل، حتى تحول المسحوق
الذهـبي إلى مخلوق عجيب رأسه رأس إنسان غـير أنه ضخم ، به عـينان
صغيرتان تشبهان عـيني الحرباء، وتستديران للرؤية في كل الاتجاهات،
وأذنان كبيرتان أما وسطه فـرقـيق لا ينسجم مع حجم رأسه ، ورجلاه تشبه
قـوائم الحيوانات، ضاربة في الطول، إنه مارد. إنه ... جلست القـرفـصاء
وتسمرت في مكاني، أتأمل هذا المخلوق الغريب، وأسلمت أمري إلى خالق
الكون . رفعت كـفي إلى الأعلى قـصد التضرع والابتهال إلى الله كي
يحفـظني من كل مكروه ، فـكانت حركتي تلك كافـية كي تثير انتباهه ويراني
. نظر إلي، فانبعث من عينيه نور، لم أتبين لونه، لأنه كان دائم التغير
والتبدل، وخاطبني مستهزئا: آدمي، مخلوق حقـير أمامي، هـذا يوم عـيد
عندي، وقهقه ضاحكا بصوت عال يصم الآذان ، وترتج له الحيطان، ثم قال:
ـــ
إنه آخر يوم من أيامك في هـذه الدنيا التي عـثتم فـيها فـسادا أيها
الآدميون، فاطلب طلبا ألبيه لك قـبل أن أزهـق روحك وأخلص منك الأرض
والعباد.
لم
أصدق كلامه في بادئ الأمر، ومدى جديته في فـعل ما يقـول . بدأت أرتجف،
وأنظر يمنة ويسرة باحثا عن مخرج للورطة التي وضعت نفـسي فـيها، نادبا
حظي التعس الذي ساقـني إلى هـذا الموقـف الرهيب والخطير، ولم أتوقـف عن
التفـكير إلا بعد أن صاح في قائلا:
ـــ
تكلم أيها الحقـير ، يبدو أن لسانك انعـقـد عن الكلام .
ـــ
لا يا ، يا ..
ـــ
نعم تكلم أين فصاحتك، أين ذكاؤك ، وأين فـطنتك ؟؟؟
ـــ
لا يا سيدي فـقـط،
ـــ
فـقاطعني وهـو يصرخ: يبدو أنك تحاول إثارة أعصابي بربح الوقـت للتخطيط
لمكيدة من مكائدكم الآدمية التي لا تنطلي على أحد، فاعلم أنني لست
آدميا مثلك كي تخاطبني بيا سيدي.
ـــ
العـفـو إن أخطأت في حقـك، في الواقع فكل ما هـنالك، أنا مندهـش ، من
العقـاب القاسي الذي تريد أن تنزله بي، خصوصا أنني لم يسبق لي أن
رأيتك، أو أن أسأت إليك فـيما أعـلم.
ـــ
يبدو أن بلاغتك قـد عادت إليك، وعـقـدة لسانك قـد فكت، وصرت تطرز كلامك
بأحلى العبارات وأنفـذها إلى القـلوب.
ـــ
لا، لا، أبدا أقـصد أنني أحسنت إليك، وأنت الآن تريد أن تجازيني
بالقـتل، فـهل هكذا يرد ...
ــــ
إنك حقا آدمي عـنيد لا تشبه الآخرين الذين قـضوا بسببي.
ــــ
وهـل هـناك من؟
ـــ
نعم تسعة وتسعون وأنت المائة .
ـــ
تسعة وتسعون، كلهم قـضوا بسببك ، وما ذنبهم؟
ـــ
إنهم آدميون، وأنا أمقـت الآدميين أشد المقـت.
ـــ
الآن فهمت، وأنت من تكون ؟
ـــ
أنا، ها، ها، ها، ظننت أنك أيها الآدمي ذكي، ولكن الآن اتضح لي بما لا
يدع مجالا للشك أنك من أغـبى من التقـيت بهم. أنا جني أسود.
ـــ وهـل الجن فـيهم الأسود و .. ؟
ـــ فـقاطعني قائلا والشر يتطاير من عـينيه: لقـد عـيل صبري فاطلب
طلبك الأخير قـبل أن أغـير رأيي. أنت غـبي، وأنا لا أريد أن أضيع وقتي
الثمين مع إنسان حـقـير، وغـبي مثلك.
ــــ لا تقلق، فأنت لا محالة قاتلني، أجبني عـن سؤالي هـذا، وبعده،
افعل ما ترى. ما الذي حولك إلى مسحوق ذهـبي؟
ـــ إنك فعلا مشاكس وعـنيد، تريد ربح الوقـت لأمر ما. فـما دخلك في
الذي حولني إلى مسحوق ذهـبي. وماذا يفـيدك جوابي عـن سؤالك ؟
ـــ لا شيء إطلاقا، إنه فقـط الفـضول وحب المعرفة التي تميزنا نحن
بني البشر عـن غـيرنا من الكائنات الأخرى .
ـــ
الفـضول ، ها ، ها ، ها ألم تتعظ مما وقع لك ، أليس الفـضول هـو الذي
ساقـك الآن إلى قـدرك المحتوم ؟
ـــ
بلى ، إنك على حق ، فأنا ميت لا محالة ، ولكن قـبل أن أموت فـمن حقي أن
أعرف ليطمئن قـلبي ، ويهون موتي، ويرتاح ضميري.
ـــ تتحدث عن الضمير ، لو كان لك ضمير لما اعتديت على الحرمات ولما
دخلت إلى هـذا الكهف، طمعا في المال والدنيا.
ـــ لقـد وقع الذي وقع ، وعـقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، ولا
فائدة من البكاء أو الحسرة على ما هـو مقـدر ومحتوم .
ـــ
الساعة قـلتَ الساعة ، لقـد أضعتُ وقـتا ثمينا معك، والآن صار من حقي
أن أقـتلك وأستريح من السماع إلى لغوك الذي لا ينتهي ، ومد يديه يريد
خنقي فـصحت فـيه قائلا:
ـــ على رسْـلك ، ألم تطلب مني أن أتمنى أمنية كي تحققها لي ؟
ــــ بلى . فـما هي أمنيتك تكلم بسرعة ، أنا متعجل ولا بد أن أنصرف
كي أحقـق طلب سيدي بعد الحصول على
الخاتم السحري ؟
ـــ إذن أجبني بكل صراحة، من الذي حولك إلى مسحوق ذهـبي ؟ وما هـو
طلب سيدك ؟ ولماذا تحتاج إلى الخاتم السحري ؟ وأين يوجد ؟
ـــ حسنا ما دمت وعـدتك سأفي بوعـدي وأجيبك عن أسئلتك التافهة التي
لا تنتهي ، ولن تنتهي ، ثم أقضي عليك وأنتهي من أمرك كي أتفـرغ لما هـو
أفـيد . وهـو خدمة سيدي قـبل أن أعرض نفـسي للعقاب .
لقـد كان هذا الكهف منزلي ، ومكان استقـراري المفـضل الذي لا أبرحه
أبدا، نظرا لظلامه الدامس ، الذي يجعلني أعـيش في أمان واطمئنان ، فأنا
لا أتحمل الضوء أو أشعة الشمس ،إذا تعرضت لأحدهما تحولت على الفـور إلى
مسحوق ذهـبي . وهكذا في يوم من الأيام ، بينما كنت أحاول الحصول على
الخاتم السحري ، وقع ما لم يكن في الحسبان ، فتحولت إلى مسحوق ذهبي
بعدما تعرضت لأشعة الشمس ، في غـفـلة مني . فـيد الإنسان امتدت إلى كل
مكان وعاثت في الأرض فـسادا، وهي التي فتحت فـوهة في أعـلى الكهف كانت
سببا لما حل بي ، وهـذا هـو سر كراهـيتي ومقـتي للآدميين.
أما
الخاتم فمزيته أنه كلما كان في إصبعي ، إلا وكنت في أمان،فهـو يحجب
أشعة الشمس عـني ولا يجعلها تؤثر في، وبذلك أستطيع تحقـيق حلم سيدي
وهـو إبادة الآدميين، وتخليص الأرض ومن عليها من إساءاتهم التي لا
تنتهي. والآن لم يبق لي سوى إزهاق روحك ، والذهاب إلى خدمة سيدي . فمد
يديه محاولا الإمساك بي لخنقي فقـلت له:
ـــ تريد خدمة سيدك ، ولكن يبدو أنك لا تملك الخاتم السحري الذي
حدثتني عـنه قـبل قـليل، وبدونه لا تستطيع فعل أي شيء فالوقـت نهار،
والشمس مشرقة ، وقـتلي لن يفـيدك أبدا ولن يسهـل مهمتك، بل سيجعلها
مستحيلة التحقـيق ، في حين إذا أبقـيت على حياتي قـد أكون لك عـونا .
ـــ تكون لي عـونا ، كـيف ؟
أنت
لا تستطيع حتى تخليص نفـسك مني ، فكيف تعينني وأنا القادر على الفـتك
بالملايين من أمثالك في لمح البصر، وعلى تحويلهم إلى ما أشاء ؟
ـــ فـقـط قـلت في نفـسي ، قـد يكون الخاتم السحري خارج الكهف و..
ـــ خارج الكهف أو داخله هـذا شأن لا يهمك في شيء. قالها في عصبية
حادة وهـو يتقـدم نحوي ، وكأنه يريد الإجهاز علي ، فـبادرته مخاطبا :
ـــ
أنت قـبل أن تقـتلني طلبت مني أن أطلب منك أمنية كي تحقـقها لي ،
وبالفعل لقـد بررت بوعـدك حيث أجبت عـن كل أسئلتي ، والآن ، أنا بدوري
أريد أن أرد لك جميلك قـبل أن أموت كي لا يبقى دينا علي . فهل من
مساعـدة أقـدمها لك ؟
صمت رهـيب خيم على المكان خلت معه ، أنه سيفـقـد صوابه ويقـتلني شر
قـتلة ، لكنه بقي ينظر إلي نظرات شزراء ملؤها الازدراء الدفين الذي
يكنه للبشر ثم قال:
ـــ تريد أن تساعـدني ، وما نوع المساعـدة التي ترى أني في حاجة
إليها ؟
ـــ
لقـد تبادر إلى ذهـني أن يكون الخاتم خارج الكهف وأنا الوحيد الذي
أستطيع أن أحضره لك الآن كي لا تتأخر في الذهاب إلى سيدك ، وكي تجنب
نفـسك عـقـوبته.
ـــ
هـذا رأي سديد، قالها في كبرياء وتعال ، ثم أردف، كمن يحاول إيهام
الآخر بدونيته ، وعبقـريته هـو: ولهذا السبب تماما أبقيت على حياتك
لأنها ثمينة بالنسبة إلي، وإلا لكنت قـتلتك منذ الوهلة الأولى.
ـــ
حسنا فما المطلوب مني ؟ قـلتها وأنا أتعجل منه السماح لي بالخروج كي
أفـلت بجلدي وأعـود إلى أسرتي التي لا شك أنها افـتقـدتني ولم تجدني .
ـــ
إياك ثم إياك أن تحاول التلاعب بي وخداعي، يداي تطالك في أي مكان مهما
شط ، وأينما اختـفيت، ولهذا أصغ إلي جيدا وطبق أوامري بالحرف ، وفي
المقابل سوف أعـفـو عنك وأخلي سبيلك ، فأنت إنسان طيب لا تشبه الآخرين
، وأعدك أنك سوف تصبح صديقا لي، ألبي كل طلباتك مهما كان شأنها، وسوف
أجعلك أسعد إنسان في هذه الدنيا.
ـــ
كل طلباتك، وأوامرك مطاعة ، فما المعمول؟
ـــ
اسمع جيدا أيها الآدمي اللطيف الخاتم السحري يوجد في مدخل الكهف في ،
في آه ، لم أعـد أتذكر بالضبط جهة دفـنه، إنه ، إنه.. مستحيل ما الذي
حصل لي، أول مرة تخونني ذاكرتي القـوية ، لا شك أنها عـدوى أصابتني منك
أيها الآدمي . فـثارت مرة أخرى ثائرته، وأراد أن يتخلص مني ، حيث
أمسكني بعـنف ، ورجني رجا قـويا ، سقـطت على إثره اللافتة التي كـنت
أحملها، وهم بخبطي على الأرض في سورة غـضبه وهـيجانه . فـبادرته قائلا
وأنا لا أصدق أنني سوف أنجو هـذه المرة من شره.
ـــ اللافـتة ، اللافـتة ، وأنا أشير إليها بإصبعي.
كنت
فـقـط أريد أن أقـول شيئا، أن أصرفه عن فعله ، أن أجعله يتراجع ،
ويخفـف من قـبضته التي كادت أن تكسر أضلعي.
ـــ
اللافـتة ، أي لافـتة تقـصد ، تكلم وإلا...؟
ـــ
اللافـتة التي تحت قـدمك اليمنى إنها ..
ـــ
ألقى بي على الأرض ، وأخذ اللافـتة بين يديه . وقال: أهـذه هي اللافـتة
التي تقـصد ؟
ـــ
نعم هي عـينها .
ـــ
وما علاقة اللافـتة بمكان وجود الخاتم السحري ؟
ـــ
وبينما، أنا أحاول الجواب ، أو بالأحرى التظاهر بالجواب، ألقى نظرة
عليها ، وأطال النظر والتمعن فيها، وقـلبي يكاد يتوقـف من شدة الخفـقان
والخوف الذي سيطر علي، وجعلني كالمصعوق لم يهدأ روعي، ولم يعد إلي
رشدي، إلا بعد أن رأيته يمد إلي اللافـتة وهـو يقـول:
ـــ
خذ ، اقـرأ..
ـــ
ماذا أقـرأ ؟
ـــ
اللافـتة بالطبع، إنها تشيـر إلى مكان دفن الخاتم السحري ، انظر، خذ.
لم
أصدق كلامه في البداية ، ظننت أنه فـقـط يريد أن يشعرني بأنه عرف قصدي
من كلامي عن اللافـتة ، حيث كنت فـقـط أريد أن أتخلص من شره وبأية
وسيلة كانت، وأربح بعض الوقـت . تناولتها منه ، وعـيناي لا تفارقان
النظر إليه خوفا من أي رد فعـل منه ، ثم قـلت بعد أن ألقـيت نظرة
عليها:
ـــ
ولكن ثم صمت.
ـــ
لكن ماذا أيها الآدمي ؟
ـــ
لكنها مكتوبة بخـط لا أفـقـهه.
ـــ
آه ، نسيت مرة أخرى ، إنه خـط يخصنا نحن ــ معشر الجن ــ ولهذا لم
يستطع أي أحد أن يطلع على فحواه.
ـــ أعـد إلي اللافـتة وسوف أطلعك على كل ما جاء فـيها من تفاصيل ،
وشروح.
ـــ
تفـضل ، ها هي خـذها.
ـــ اسمع ، إن الخاتم
السحري يوجد في جذع شجرة السنديان العـظيمة التي توجد على يسار الكهف
من الخارج،
إنه موضوع في صندوق نحاسي مرصع بأبهى وأجمل الزمرد، فاحذر أن تخطئ
الشجرة أثناء عملية البحث ، واحذر كذلك أن تخطئ الصندوق الذي وصفـت لك،
لقـد وضِعتْ في نفـس المكان صناديـق عـديدة قـصد التمويه، و ....
ـــ
هممت بالانصراف لكنه شدني بعنف وقال:
ــ
تذكر ما قـلته لك يداي تطالك في أي مكان مهما شط، وأينما اختفـيت ، فلا
تحاول اغتنام الفرصة للهرب،أفهمت ؟
ـــ نعم فهمت .
ـــ
إذن ماذا تنتظر هـيا سر أمامي.
ـــ
تحركت بخطى متثاقلة حتى لا يشك في ويتراجع عـن قـراره فخاطبني قائلا:
ـــ
أسرع إني متلهف للظفـر بالخاتم السحري ، ما بك تتلكأ في المشي؟
ـــ
لا شيء، إنه فـقـط الظلام القاتم الذي يجعلني أسير هكذا كي لا أسـقـط
فـيقع لي مكروه يفـوت عـليك هـذه الفـرصة الذهـبية، وتضيع مني أنا أيضا
إمكانية السعادة بصداقـتك.
ـــ
الآن فـقـط تيقـنت من صدقـك، سوف ترى، سوف أ...
أسرعـت الخطو شيئا ما، والجني يسير إلى جنبي، وقـبل الوصول إلى
باب الكهف قـلت له:
ـــ
هـناك مكان في باب الكهـف الضيق لا يصله ضوء الشمس وأريدك أن تذهـب معي
إليه كي تريني شجرة السنديان العظيمة التي دفـن تحتها الخاتم السحري،
فالأشجار تتشابه فـيما بينها، وقـد أتيه في البحث عـن الشجرة المعنية،
ولا أعـثر عليه أبدا.
ـــ
فكرة حسنة.
ـــ
ولكن
ثم
قاطعني، غـير أن المقاطعة هـذه المرة كانت بلطف.
ـــ
لكن ماذا أيها الآدمي ؟
ـــ
قامتك.
ـــ
ماذا تقـصد ؟
ـــ
قامتك لا تسمح لك بالاقتراب من المكان الذي نريد الوقـوف فـيه. مدخل
الكهف ضيق ، وقـصير الطول.
ـــ
لا تكترث للأمر، ذاك ليس مشكلة بالنسبة إلي، انظر، ثم انتفض واستدار
كالخذروف، وفي لمح البصر تحول إلى رجل في مثل قامتي وقال :
ـــ
الآن كيف تراني ، هـل ما زال المشكل قائما ؟
ـــ
لا ، ولكن
ـــ
لكن ، ماذا عـدت من جديد إلى هـلوساتك التي لا تنتهي أبدا ؟
ـــ أنا لا أهـلوس ، فـقـط أحرص على سلامتك.
ـــ
أفـصح أيها الآدمي ، ماذا تقـصد ؟
ـــ
أقـصد أنه لو كان بإمكانك أن تصير قـزما لكان أفـضل، درءا لكل مكروه
قـد يصيبك ، فأنت صديقي ، ومن حق الصديق أن يخاف على صديقه ، ويقـدم له
النصح في الوقـت المناسب .
ـــ
لا عليك ، ذاك أيسر ما يمكن أن أفعله . انتفـض واستدار مرة أخرى
كالخذروف ، وأصبح قـزما ، يصل إلى مكان تمنطقي فـقـلت له :
ــ
والآن هـيا بنا إلى المكان الذي سبق أن تحدثت لك عـنه، إنه مكان لا
تصله أشعة الشمس ، ومنه يمكنك أن تريني شجرة السنديان العظيمة التي
دفـن تحتها الخاتم السحري .
ـــ
معك حق ، هـيا أسرع بنا الوقـت ثمين وأنا متلهف لامتلاك الخاتم السحري
.
اختصرت طريق العبور إلى المكان الموعـود . فهـو متلهف يريد امتلاك
الخاتم السحري قـصد تدمير العالم بشره ، وأنا متشوق أريد القـضاء عليه
، والرجوع إلى أهلي سالما ظافـرا .
ـــ
ها نحن قـد وصلنا فـتقـدم من فـضلك وأرني الشجرة المقـصودة في
اللافـتة.
من
مكانه بدأ يمعن النظر نحو الخارج ، وبلغة الواثق من نفـسه أشار بيده
نحـو الشجرة التي دفـن تحتها الخاتم السحري وقال:
ـــ
إنها هي نعم هي . فـقـلت له :
ــ
أي شجرة تـقـصد ،الأشجار كـثيرة وتتشابه فـيما بينها، وبدأت أنظر إلى
جهة يسار الكهف ، فـثار غاضبا وقال :
ـــ انظر إلى جهة
اليمين ،وليس إلى جهة اليسار، ما أغباك!
ـــ
أنظر إلى جهة اليمين ، يبدو أن النسيان قـد عاد إليك من جديد.
ألم تقـل لي بأن الخاتم مدفـون تحت جذع شجرة السـنديان يسار الكهف ؟
أنا
فـقـط أحاول إثارة غـضبه لأجعله يرتكب خطأ يؤدي ثمنه غاليا، وأخلص من
شره الإنسانية إلى الأبد .
ـــ
نعم قلت لك ذلك ، وأنا ما زلت عـند قـولي . فـيسار الكهف من الخارج ليس
هـو نفـسه من الداخل . فـمن الداخل يصبح اليسار يمينا واليميـن
يسارا.أفـهمت أم لا ؟
ـــ
كيف ؟ في الواقع مازالت الصورة ضبابية بالنسبة إلي، وأنا لا أريد أن
أضيع وقتنا الثمين في البحث عندما أخرج، فـذلك قـد يثير شكوكك في
،ويعرض حياتك الغالية للخطر. في انفعال، وسورة غـضب تـقـدم أمامي
،وبدأ من جديد يشير إلى شجرة السنديان العـظيمة طالبا مني الاقـتراب
منه، فـما كان مني إلا أن استجمعت قـواي ودفعته بكل ما أوتيت من قـوة
نحو خارج الكهف ليتحول إلى مسحوق ذهـبي، وأغـلق عـليه الصندوق الذي
كان يوجد فـيه أول مرة . فـبدأت أنظر إلى الصندوق وأنا غـير مصدق أنني
قـد نجوت بجلدي من ذلك المارد الجبار. وفي الحال تخلصت من اللافـتة
ومزقـتها إربا إربا ، وحفـرت حفـرة عميقة دفـنـت فـيها الصندوق،
وبقايا اللافـتة الممزقة، وهِـلـْتُ عليهما التراب ، وجلست فـوقه ،
أحملق في السماء طويلا ، طويلا متأملا هـذا الكون الغريب العجيب ،
إلى أن نمت. ولم أفـق إلا على صوت أبي وهـو يهزني بعنف ويناديني:
ـــ
أحمد ، يا أحمد ، ما بك يا ولدي ، لماذا أنت نائم هـنا؟ لقـد بحثنا
عنك في كل مكان. القـرية كلها تجندت للبحث عـنك هـيا قـم لنذهـب ونطمئن
الجميع .
كنت
في شبه حلم ، لم تنبس شفـتاي بأي كلمة ، وقـفـت بمساعـدة أبي وسرت مع
الجميع نحـو القـرية ، وصور ما وقع لي لا تفارق مخيلتي ....
*أحمد
القاطي - المغرب/تازه
من مجموعة
"حكايات عجيبة" القصصية