



<< الألم مخيف عندما يكشف عن وجهه الحقيقي، لكنه يكون ساحراً عندما
يعبر عن تضحية أوتخلي عن الذات
؛ باولو كويليو >>

كعادتك
يا صديقي ، كبرغوث كسول تتقن كل شيء إلا أن تكون نشطاً ، أو يقظاً ،
أو متنبهاً لشيء ما ببعض التركيز ..
أخبروك بهذا في غير مناسبة ، فلم تبال ، وكنت ترى نفسك متقافزاً كقرد
نشط فوق شجرة موز ، كيف جاءك هذا الشعور؟ ، لا أعلم ، ربما تخبرني أنت
!
ها أنت تتعامل مع ذات مفرداتك اليومية ، فرشاة الأسنان البالية ، التي
تجرح لثتك كل مرة ، وماكينة الحلاقة المهترئة التي استخدمتها مرات لكنك
نسيت ، تصنع بها دوائر تشوه بها ذقنك فحسب ..
تفكر أن تغتسل، ثم تحجم عن ذلك ، تداعب شعرك ، لتصنع به مساراً ما ،
يغنيك عن استخدام كريم الشعر ، أو تمشيطه ، تنظر في المرآة نظرة عابرة
، فترى فيها كل شيء غيرك ، ثم تجلس مرهقاً ، على الأريكة التي تستوعبك
وحدك .
أمامك التلفاز ، وشاشة حاسوبك المفتوحة دائماً ، صحيفة الأمس ، وفنجان
شاي أعددته بنفسك ، ووسادة تعودت أن تضعها خلف ظهرك ، عندما تحدث أحداً
عبر الحاسوب ، أو الهاتف ، أو تشاهد أحداثاً لا تصدقها ، عبر شاشة فضية
غامضة مثل قلبك .
أنت تعيش غربتك الآن ، وتمارس طقوساً لا تعني أحداً غيرك ، لكن أسئلتك
وأسئلتي ستبقى عالقةً بيننا ، تصنع معجزة أنت حين تجيبها ، وأعرف
الراحة أنا حين أسمع الجواب منك . وفي كل الأحوال أنت تحتاجني ، تعرف
هذا ، ويعرف الجميع .
اليوم تقرر أن تكون مختلفاً ، تغلق تلفازك ، وللمرة الأولى شاشة حاسوبك
، تتمطى وأنت تنظر إلى عقرب الساعة ، كأنك تنتظر حدثاً ما ، تجري
اتصالاً واحداً ، تسمع الصوت –الذي أعرفه جيداً - بالطرف المقابل : آلو
، من أنت ؟
يتكرر السؤال ، وتبقى صامتاً ، أرى دمعة صامتة في عينك ، تنزلق إلى
جهاز الهاتف الفضي ، تتجمع حولها أخواتها ، ثم رنين الهاتف المزعج حين
تبقى سماعته مفتوحة ، يتكرر في إلحاحٍ مزعج ، فلا يوقفه أحد .
ينهض( ياسين ) فجأة ، بعد إغماءة طويلة ، ليجد نفسه على سرير بارد ،
يحاول النهوض ، تكبله مجسات وأسلاك متصلة جميعها بجسده ، ينظر حوله ،
اللون الأبيض المنتشر في كل مكان ، ورائحة الدواء والمرض ، أو هو الموت
؟
الصورة غامضة ، مهتزة ، والمشهد متداخل المعالم ، طبيب ملتح يتحدث بلغة
أجنبية ، وممرضة تتساءل عن أهل هذا المريض الذين لا يسألون عنه، وعن
ذريته الجاحدة ، ينظر فيمن حوله مستغرباً ، يتحسس جرحاً في صدره ..
وبالخارج ، رجل مسن ، يلبس جلابية متواضعة نظيفة ، يحاول أن يدخل ،
ترفع الممرضة نظرها إليه ، تسمح له بالدخول ، فيدخل ليقبل يد ياسين
ويضع أمامه علبتي عصير طازج ، وبكيس ورقي كان يحمله ، رائحة فطير ساخن
، فتهرع الممرضة مبتسمة : هذا ليس مقبولاً الآن يا سيدي
يحاول ذو الجلابية أن يصر ، فتزجره الممرضة ، والطبيب ، فيستكين ،
تاركاً إياها تخرج هي والفطير الساخن ، يقول ياسين :
- هل هو بخير
فيرد ذو الجلابية :
- بخير حال يا سيدي ، أصبح كالحصان
فيبتسم ياسين ، ينظر له ، في عينيه التماعة وفيما خلفهما شوقٌ ليس له
حدود ، ليس هذا وجهه وليست هذه قسماته التي رآها قبل أسبوع .. الحياة
أصبحت متصالحة معه ، والسعادة زارته أخيراً
- لقد أنقذتنا
يقولها في امتنان ، فيبتسم ياسين ، يتحسس جرحه مرة واحدة أخيرة ، ثم
يسأل الطبيب :
- فمتى أعود إلى منزلي ؟
يسمح له الطبيب بالخروج مساءً ، فقط لو وجد من يرافقه ..
يخرج ياسين ، مع صاحبه ذي الجلابية ، يتكئ عليه ، حتى وصل إلى دكان
صغير بجوار منزله المستأجر ، اشترى ماكينة حلاقة جديدة ، وفرشاة أسنان
، وبعض الخبز الطازج ، ثم نسيهما في سيارة الأجرة ، ودخل بيته كما خرج
، لا يحمل إلا جرحاً جديداً في صدره وقلبه .
جرب أن ينام ، وأن ينهض مختلفاً ، لكن حاسوبه المفتوح حمل رسالة واحدة
يحمل مثلها كل يوم
- كم أنت وغدٌ عديم الإحساسْ .
نظر لها وابتسم وقبل أن يتقلب كثيراً ، كان يغط في نوم عميق .

ما بين نهوضك ، ووصولك إلى ذاك المبنى ساعة واحدة
هناك ، كنت تجلس على كرسي خشبي ، تستمع باهتمام ، لرجل يلبس معطفاً
أبيض ، ورغماً عنك ، ترتسم أمام عينيك أحداث الأمس ، تتذكرني ، وأنت
تجلس بلا مبالاة ، أمام التلفاز ، وقد حطمت زهوري وبعثرت أوراقي ،
تستمع إلى صوتي وقد علا كثيراً ، فلم تبال ، أخبرتك وقتها كم أنت وغد
عديم الإحساس ، وصرختُ في أحد أبنائي أن يعود إلى غرفته ، وأنت تبدو
نظرة شيطانية على وجهك النحيل ..
أنا التي تركت أهلي وبلادي وجئت إليك ، رفضت كل رغد الحياة وقبلت
بقسوتها معك ، فكيف تسهر حتى الفجر دوني ، تتجاهلني أصابعك ، تتحاشاني
نظراتك ، كنت يوماً لي ، وكنت مقسماً إلى أجزاء ولكل جزء باب أنا من
يمتلك مفتاحه ، اليوم أنت مغلق ، لا أملك حق الدخول ، وأنا التي ما
عاشت يوماً إلا لأجلك أنت ، كنت اليوم وقحاً جداً حين صارحتني بأنك لم
تعد تحبني ، أتحب أخرى .. كذا صرخت حتى أسمعت جيراني
فلم ترد ، فقط نظرة خاوية جامدة ، قبضتي تتكسر على صدرك وأنت لا تحرك
ساكناً ، تتأملني وكأنني لا شيء ، تعودت الأنثى الساكنة في أعماقي أن
تمثل لك كل شيء ، وحين لم تعد تهتم صارت الأنثى تتزين أكثر ، لتثير
اهتمام غيرك ، لاحظ ذلك جيراني ، ولاحظ ذلك مديري بالعمل ، وحاول
الجميع أن يتقرب منها إلا أنتْ
صرختْ تحاول أن تكسر صمتكْ ، أعلَنَتْ عن نفسها صارخةً حتى أثارتْ
استغراب الجميع ، حتى أبناؤك نظروا لها – أنوثتي – ثم مطوا شفاههم
ومضوا ، كأنهم يقولون : يا للنساء ..
اليوم تخرج من حياتي ، ومن حياة أبنائك ، لم أكن أظن أني قاسية هكذا ،
ولم يكن قلبي يطاوعني وأنا أرمي أغراضك خارج المنزل الذي ورثته أنا ،
لكن صمتك كان يعذبني ، لم تعترض ، ولم تقل لماذا ؟ وكأنك كنت تنتظر ذلك
، تخرج لاحقاً بأغراضك ، وتمضي ..
ثم تتنبه لنفسك ، والرجل ذو المعطف يواصل شرحه لك ، والألم يبدو واضحاً
في محياك ، وبالخارج رجلٌ بسيط يلبس جلابية ، يبكي ابناً يكاد أن يفقده
، يبحث عن كلية تصلح ، وهو الذي لا يملك ثمن حذاء .

يشرب ياسين ، من فجان القهوة حين أصبح بارداً جداً ، فتسري قشعريرة
أكثر برودة في الجسد النحيل ..
يجلس خلف مكتبه ، يتأمل نتائج فحوصات وأوراق ورسومات وصور لا يفقه
معظمها ، وكأنه يرى ذاك المرض الغامض يتغلغل في أعماقه ، يكسر كريات
دمه ، ويحطم حياته ، في يده سيجارة تحترق دون أن يقربها من فمه ، يغلق
عينيه ، يشعر بالإغماءة التي راودته بالأمس ، حين ارتفع عالياً ، حتى
سقف الغرفة ، خلف النفق الأبيض الذي يقرأ عنه دائماً ، وهناك رأى جسده
في أرضية القاعة ، يتوسد غرفة مكتبه ، كتبه على الرفوف تتهاوى ،
وأطفاله وزوجته يحلقون حوله ، يبكون ، يصرخون ، يشعر بانهيارات في
جدران القاعة ، ورفوف المكتبة ، وأرضية المكان ، ثم يعود سريعاً ،
ليغوص في جسده من جديد .
ينهض ، يشعل قداحته العتيقة في الأوراق أمامه ، يضعها واحدة بعد الأخرى
في مطفأته ، حتى لا يتبقى منها إلا بعض رماد ، يتأمل مرآته ، يجرب أن
يصنع وجهاً آخر ، يقلب وجوها عدة سمع عنها أو رآها ، لم يعد يهتم
بالأسماء ، هو لم يعد ياسين منذ اليوم ، يخرج من غرفته وقد تقمص أحدها
، وحاول أن يبدو تماما مثل الصورة في مخيلته ، حتى وجدها أمامه ، ذاتها
بسحرها وعبقها وابتسامتها ، ذاتها حكايته ، كما يحب وتحب أن ترويها .

أحمد
عيسى - فلسطين
alameerahmed@hotmail.com
تعقيب
المبدع الرائع أحمد عيسى
يبرز النص قمة التضحية
بطل القصة مصاب بالقصور الكلوي
و لن يجد من يقدم له كلية بسبب كلفتها
فآثر أن يريح عائلته من همه و ينكفئ على ذاته
***
أخي المكرم
استخدامك لأسلوب التداعي العقلي
زاد القصة ثراء ، أهنئك
و دام يراعك باسقا
نزار