
قصة قصيرة

د.ابراهيم الداقوقي*
edakuki@hotmail.com
نفث
دخان سيجارته وهو يجرع ثمالة كأس الويسكي ، ويلقي بجسده المنهك على زاوية
الاريكة ... وعيناه شاخصتان لسماء انقرة الصافية عبر النافذة ، وتذكر – في تلك
اللحظة – سماء بغداد الزرقاء ..... وطنه، وطن أحبه دوما ، بل هو أمه الرؤومة
...عشقه حد الثمالة : اريج ارضه الطيبة ، جباله الشامخة ونخيله الباسقات
كعذراوات بابل وفاتنات آشور ، وود لو يحتضنهن جميعا بحنان أم ثكلى ، ويعانق
تربتها بلهفة صبي عاد توا من سفر .
- أراك قد سرحت بعيدا ... هيا املأ لنا الكؤوس ...!!
ابتسم لها والقى بنفسه في أحضانها.. من جديد . وعاد ينظر الى السماء بعينين
حالمتين..يبتسم لها بحزن .. تأخذ راسه بين راحتيها وتطبع قبلة شبقة على شفتيه ،
وهي تقول :
لم تجبني عن سؤالي المطروح ... ؟!!! .
يتذكر كلام أمه الذي ما يزال يرن في أذنيه :
- لا ترحل .. لمن تتركنا انا واختك ؟! ..الحياة لا تطاق دونك ، وانت تعرف
الاخرين ... لا ترحل.. لاسيما وانت لست بحاجة لهذه الوظيفة الجديدة في الغربة .
ثم من يدري ماذا سيحل بك ... وانت هناك ، ودون ان استطيع مساعدتك ....
كلماتها تدمره .. يغمض جفنيه ، لعله يجد الجواب او يتخلى عن فكرة الذهاب الى
تلك الاصقاع الباردة والمجهولة ، وازاح بوجهه عنها هروبا من الرجاء . ولكن
عينيها الخضراوين ، البحيرة الهادئة والغامضة والمليئة بالاسرار ، تعيده
للتفكير بالسؤال الملح . شعرها المنسدل كشلال ناعم يدغدغ اذنه اليمنى باثارة
. نهض واستوى جالسا ...ملأ القدحين من جديد .
صوتها المنغوم الشجي يلح عليه بالسؤال :
ولكنك ... لم تجاوبني عن سؤالي ، ام انك تشك في مشاعري ؟!!!.
- اعرف يا فليز ... انك فنانة محترمة ، وامرأة جميلة بكل المقاييس وتعشقين
بلادك تركيا ، مثلما انا مغرم ببلادي ، ولكن ارجو ان تثقي باني لست ضد بلادك
عندما اتحدث او اكتب عن انتهاكات السلطة لحقوق الانسان فيها ، او منع الاكراد
من تسمية اولادهم باسماء كردية او عدم السماح لعرب الاسكندرون بالكتابة بلغتهم
العربية . انهم جميعا مواطنون اتراك ... لهم ما لكم من حقوق وواجبات ، فلماذا
هذا الاضطهاد ؟؟؟ .
يطل عليه وجه رفيقته الصبوحة ، كحلم جميل – لا يمكن الوصول اليه - وهو يبتسم
بسخرية ، متذكرا حديثهما ذاك المساءالصيفي الهادئ :
-أنا لست إلا بقايا إنسان محطم ، لفظته عتمة الزنازين والأقبية العفنة ، انا
افهم مشاعرك كانسان يتمنى ان يتمتع جميع الاقليات بحقوقها . ولكن قل لي اليس
اكراد ايران – ايضا – مضطهدون اكثر من اكراد تركيا ؟
واذا كان صحيحا ، بان التركمان قد نالوا بعض حقوقهم في عراق اليوم – كما قرأنا
من كتابك 1970 – بضغوط من الاكراد المطالبين بالحكم الذاتي لهم وللاقليات
الاخرى في العراق ...فانني اعتقد بان حكومتك ستقوم بتفريغ محتوى تلك الحقوق ،
بعد ان يستتب لها امر كردستان . ثم
غابت في لحظات صمت عبرت عن كل ما يجول في أعماقها - كيساري معتقل لسنوات - من
أحاسيس : الجسم الذاوي كشجرة عطشى لامطار الربيع ، وعمر يركض بسرعة نحو
الاربعين رغم مسحة الجمال التي تزين وجهها .
مسد شعرها ، ثم انحنى عليها لكي يقبل رأسها ، وهو يردد :
- تعرفين كم احبك ... بل اني اعشقك ، لانك وطني ... مرفأي الذي رسى عليه زورقي
التائه في بحار الغربة ، واحترمك بقدر احترامي لنفسي وآرائي وايماني بالاخوة
البشرية وبالحريات ، رغم عدم انتمائي ....
قاطعته بحدة آمرة :
صه ... فانت منتم حتى العظم !!!. اتنكر ذلك ...؟ وكتاباتك التي تشي بك وتمسك
بتلابيبك ؟ فمرة اشعر بك وكأنك تركماني ، و في اخرى عربي اوكردي .....
- ومتى كانت الكتابة حول موضوع او قضية تعبيرا عن الهوية ؟ وهل نسيتي نظرتي
الانسانية حول حقوق الانسان والحريات ؟ !! . ثم اليست اطروحتي للدكتوراه حول
حرية الاعلام ؟ وانتِ .... عندما تمثلين دور " شيرين " في المسرحية الملحمية
الفارسية ( فرهاد وشيرين ) هل يعني ذلك ... انك قد اصبحتي فارسية ؟ !!! .
ولهذا فاني اعتقد بان الكتابة حول التركمان او العرب او الاكراد لم تكن انتماءا
...وانما دفاعا عن حقوقهم المهضومة : فقد كتبت كتابي الاول دفاعا عن حقوق
التركمان – من خلال التعريف بهم - بعد ان تعرضوا لمجزرة كركوك عام 1959 -
عندما اراد بها عملاء شركة نفط العراق ضرب الوحدة الوطنية في الجمهورية
العراقية الوليدة - ودون ان اذكر فيه بانني تركماني ، لاني امقت التفاخر او
التعالي القومي ، انطلاقا من اخوتي للعرب والاكراد وباقي البشر اجمعين . اما
دفاعي عن العرب بشكل عام والفلسطينيين بخاصة ، فلأن صحافتكم " الحرة " الموجهة
من القوى التي تريد التحكم بالرأي العام التركي ، تزدري بالعرب اناء الليل
واطراف النهار وتردد المزاعم الصهيونية ضد الفلسطينين الذين شردوا من بلادهم
واصبحوا لاجئين . واعتقد انك كفنانة يسارية ، تدافعين عن الاكراد اكثر مني ....
- صحيح ... بيد انني ايضا امقت الشوفينية – مثلك - ومن اية جهة كانت ...
لايماني بان القومية – كايديولوجية - تشكل قيدا على الفكر وتعطل عملية النقد
الموضوعي للعقل ...
- بل انه سبب الكراهية بين ابناء الشعب الواحد وكذلك بين الشعوب . ولذلك فقد
قال نيتشة " ما الانسان الذي تكرهه الغوغاء كره الكلاب للذئاب ، الا صاحب الفكر
الحر ، عدو القيود الذي لا يستبعد ولا يلذ له الا ارتياد الغاب " .
- ولذلك يكرهك الشوفينيون وانصاف المثقفين وكلاب القوميات الضالة التي تردد
صوت سيدها لضرب الوحدة الوطنية في العراق .
- اعرف ... ولذلك اتجاهلهم ، لانهم حشرات لا تقع الا على الجيفة ولا تطن الا
.... لإثارة الغبار على الحقائق او لجر احرار الفكر لمعاركهم الجانبية ، خدمة
لاغراض اسيادهم ....
- يكفيك فخرا كتاباتك الانسانية المدافعة عن المظلومين والمقهورين وضحايا
الارهاب والاسبداد . ولذلك فانت صنو نفسي .... وروضتي الزاخرة بالف زهرة
وزهرة ،
التي
اتمنى ارتيادها دوما ... لانها تنسيني همومي واشجاني ، ولهذا ... ومدت رأسها
لتطبع قبلة على شفاهه المكتنزه ، قبل ان تقول ... احبك .
احتضنها بقوة وغمرها بالقبلات .... وهو يردد بهمهمات هامسة : ولهذا اعشقك ،
وقد يكون هذا العشق هو انتمائي الوحيد ، وولائي الاول بعد ولائي لوطني
وللرافدين وللوحة الموزائيك الجميلة – شعبي - التي تزين اركان روحي .
ومن النافذة الاخرى المفتوحة على بحر الدردنيل ، كان صوت المطرب الرخيم يردد
من كازينو البوسفور ، اغنية :
بحثت عنك هذه الليلة في جميع حانات اسطنبول ....
بحثت عنك في آثار الشفاه على الاقداح .
غير ان بحثى كان خائبا .... وعندما عدت وحيدا مهموما .....
واستلقيت مستسلما للسهاد .... وجدتكِ منقوشا في الفؤاد .
ابتسما معا بنشوة .... ورفعا كأسيهما تمجيدا للانسان المبدع الخلاق
....والمكافح من اجل الغد الافضل لكل فرد من البشر .... من كان ، واين ما وجد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) بدأ ابراهيم الداقوقي حياته الادبية بالترجمة عام 1956 ثم تحول لكتابة
القصة القصيرة بعد عام 1958 وعندما اصدر مجلة ( التراث الشعبي ) ببغداد عام
1962 تحول للدراسات الفولكلورية . وفي عام 1966 تم تعيينه ملحقا صحفيا (
دبلوماسيا ) في انقرة حتى عام 1972 فتفرغ للشؤون السياسية والقانون . غير انه
لا يزال يحن – احيانا – لكتابة القصة القصيرة ، وهذه القصة الجديدة من ذكرياته
في ديار الغربة .
edakuki@hotmail.com
www.freemediawatch.org