مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 اللـوحـة

قصة قصيرة

laghtiri1@yaoo.fr

 مصطفى لغتيري

 

              في زيارتي الأخيرة لأحد المعارض, لوحة واحدة دون سواها استوقفتني. لم أكد أخطو بعض الخطوات داخله, حتى وجدت نفسي أنتصب أمامها. عبثا حاولت تجاوزها, وكأن قوة خفية تسحبني نحوها. لم تكن اللوحة تحتل مكانا مميزا. بل وضعت في موقع مهمل. وكأن الذي خصها بذلك الحيز, يود أن يعتذر بهذه الطريقة عن تواجدها, أصلا, بالمعرض. اللوحة تشع بياضا. في أعماقها صورة سوداء لما يشبه إنسانا. ملامحه مبهمة. لاستجلائها يحتاج المرء إلى كثير من التركيز. انشغلت باستشفاف معنى معين لهذه اللوحة الغريبة. لم أظفر بشيء. ومع ذلك لم أنفلت من سطوتها, حتى أنني عجزت عن مبارحتها. الغريب أن كل من مروا أمامها, لم يتوقف منهم أحد. بل كانوا يحثون السير مبتعدين, وكأنهم أمام مسخ يستوجب إشاحة النظر..وأنا مستغرق في تفاصيل اللوحة, محاولا أن أبرر لنفسي طول مكوثي إزاءها, فاجأني مالا يمكن توقعه. صورة الإنسان في أعماق اللوحة أخذت تتحرك. فركت عيني جيدا. أمعنت النظر أكثر, فإذا الصورة – حقا – تتحرك. بانبهار اقتربت منها, حتى كدت ألامسها. بغتة نط الإنسان / الصورة من اللوحة. المفاجأة كادت تشل دماغي.فغرت فمي عن آخره, وأنا أتتبع حركاته. كان ضئيلا, لا يكاد يرى. سرت خلفه, وهو يمر بين أقدام رواد المعرض. لا أحد انتبه لوجوده. وحدي كنت أنقب بين الأقدام, محاولا رصد سيره. بين لحظة وأخرى يظهر ويختفي. اصطدمت بالكثيرين, وأنا أحاول احتواءه ببصري. الناس, في تلك الأثناء, أخذوا يرشقونني بنظرات قاسية, علامات الاستغراب والاحتجاج تتضح من حركاتهم. أحسست أنه يمارس معي لعبة ما. اهتمامي به, أذكى لديه حب المشاكسة. ما إن تحتضنه عيناي حتى ينفلت من قبضتهما.فجأة, توجه نحو بوابة القاعة. كاد قلبي يتوقف نبضه. قلت في نفسي " إن خرج حتما, سيتيه". لم أتوان في اقتفاء أثره. لا أدري كيف أصبحت أحس بالمسؤولية تجاهه. يراودني أمل في القبض عليه وإعادته إلى مكانه الطبيعي. خرج من المعرض, وأنا خلفه..الانبهار والقلق متربعان على سحنتي. بالقرب من المعرض حديقة, قدرت أنه, لابد, سيختفي في جنباتها. هكذا, كالمجنون طفقت أبحث عنه خلف الأشجار وبين النباتات..لم يمض زمن طويل حتى لاح لي, يتوسط مساحة من العشب. ابتهجت برؤيته. في نفسي رددت أنه, أخيرا, وقع بين يدي. وبالتأكيد لن أفلته..بخطى حازمة تقدمت نحوه. متمنطقا بالصمت والحذر دنوت منه. خاتلته, ثم ارتميت عليه بكل جسدي. بيد أني لم أمسك سوى الفراغ. على بعد خطوات كان يتطلع إلي شامتا..لحظتها, فكرت أن أدعه وشأنه, لم أمتلك الجرأة الكافية لفعل ذلك..مرة أخرى, قلت في نفسي محاولا التخفيف عنها "خسرت معركة ولكنني لم أخسر الحرب, سأحاول ثانية ".
توجهت صوبه. هذه المرة لم يمهلني. انطلق مسرعا. هرولت خلفه, حين أدركت وجهته, أسقط في يدي..إنه يتجه نحو الشارع. انخرطت في الركض, لعلني أتفادى ما يمكن حدوثه. فعلا تحقق ما استشرفته, إنه الآن يقف على الطوار..ضئيلا ولا معنى له بدا لي من موقعي. أسرعت نحوه محاولا إمساكه. حين دنوت منه, غاص في الإسفلت. كدت أصرخ لأنبهه من حركة المرور المجنونة. لاحظت – بأسف – بعض الناس يحملقون في خلقتي, بطريقة غريبة, فتمالكت نفسي, لجمت الكلمات داخلي. عيناي تسمرتا عليه. ولأن الإسفلت أسود, غدا من الصعب تمييزه. بعد جهد تبينته. حاولت اللحاق به. انسياب السيارات منعني من ذلك, فاكتفيت بتتبعه من بعيد. العجلات تمرق بمحاذاته, وأنا في حالة من التوتر. في كل لحظة أظنه اندهس. وبالفعل لم يمض كثير من الزمن حتى سمعت صرخة ألم قوية. فإذا به ملقى على الإسفلت, لا يحرك ساكنا..حين خفت حركة المرور, دلفت نحوه بخطى مرتعشة. وقفت وسط الشارع. مددت بيدي نحوه, كان مستويا بالأرض, ولا يزال به رمق من حياة. حملته في راحتي, وعدت به نحو المعرض. في طريقي انسلت دموع بئيسة من محاجري. حين لاحظت الناس ينظرون إلي مستغربين وأنا أبسط راحتي, وضعته في جيب معطفي. حثثت السير نحو قاعة العرض. ولكم كان خيبتي كبيرة حين ألفيتها مغلقة. متحسرا, جلت بنظري في كل الاتجاهات. اخترت مكانا متواريا عن الأنظار. أخرجته من جيبي. بخشوع, وضعته هناك, ثم انسحبت بكثير من الوقار. ابتعدت قليلا, التفت نحوه. لوحت له بيدي. التأثر منبث في دواخلي..بعد هنيهة انتشلت نفسي من ذهولها. استأنفت المسير, متمنيا أن يتمكن صبح الغد من العودة إلى لوحته.