
قصة قصيرة
ريانة القحطاني
في
يوم شتاء ممطر قارص وبعد أن جفت السماء وفاضت الأرض
بالماء
خرجت من المنزل مرتديه قطعا كثيرة من الملابس
ارتديتُها بصعوبة
وبمعارضة شديدة لـ أمي التي كانت تخاف علي من إصابتي بـ (الربو)
الذي رافق جسد
طفولتي ..وغادرني في عامي العاشر
حينها كنت لا أكترث لشيء سوى أن ألتقي
بصديق طفولتي
وألعب معه كالمعتاد لأنني افتقدت أوقات اللعب برفقته منذ أن ألتحق
بالمدرسة
في سنته الأولى
خرجنا وصدورنا منبلجة لدغدغة الشمس
لـأطراف السحب المنفوشة
أخذنا نجمع حبات البرد أدُسها بين ملابسه ويرشقني بأخرى
ورائحة الطين تملأ جوفينا
وأقدامنا تركل الماء (تُطَرطِشُهُ) في كل
مكان
وفجأة يطلبني محمد بـأن أتوقف فلديه فكرة أخرى غير ركل الماء
وطرطشته
قال لي :ما رأيك سنقفز من فوق مساحة الماء هذه الكبيرة
ومن يستطع فعل
ذلك دون السقوط بداخلها هو الفائز
أعجبتني الفكرة وافقت عليها وبدأ هو بالقفز
ونجح
ثم تبعته ولكنني لم أنجح في كل مرة أقع في بركة الماء
وهو يضحك بشماتة
أقول له بغضب: رجلاك أطول من رجلي لذلك قفزاتك كبيرة يا (غشاش)
ويستمر هو في
إغاضتي ويدفعني من الخلف لأقع بالوحل
ثم يهرب وأنا أنعته بصاحب الساقين
الطويلتين
أنهض وأعصر ثيابي من الماء وأنا أرجف
البرد يقرص أنفي حتى
يحمر
ومحمد يطلق ضحكة شامتة وهو يشير لـ أنفي
ويردد أنفكِ أحمر
<<كان
ينطقها بشهقات متتالية لشدة الضحك
أبتسم بخجل ممزوج بالغيظ
وهو مازال
يضحك وأنا على وشك أن أبكي
أتركه مسرعة وألتفت إليه من بعيد وأصرخ بـحنق
..ستندم
في صباح اليوم التالي
ارتديت مريولي ومعطفي
وأنا أترقب هذا اليوم منذ أيام
فقد بلغت سن الخامسة والنصف وبـ استطاعتي الذهاب
للروضة التي كان محمد يذهب إليها العام الماضي
كنت شغوفة جداً لرؤيتها فقد كان
محمد يصف لي كل شيء بداخلها وكل حدث جميل يمر به مع أصدقائه ومعلماته
كان
يقول لي ستقضين أيامك بمتعة ومرح _ أصدقاء _مفاجآت كثيرة -هدايا
-وحلويات
مما
جعلني شغوفة جداً للجلوس على مقاعد تلك المدرسة التي ارتسمت بمخيلتي كـ
ألوان
الطيف
عدت من مدرستي
أحمل العديد من الحكايات أرويها لـأمي بـ
ابتسامة فرح شديدة أكاد أحلق في السماء كالفراشة الملطخة بألوان الزهر
فكل ما قاله
محمد صحيح
لم أهدأ طوال اليوم بين كل لحظة وأخرى ألح على أمي بـ أن نذهب
لبيت محمد أريد أن أروي له كيف قضيت يومي الأول
وأخبره بأني جلست على المقعد
الثاني في الصف
وتعرفت على صديقة أسمها سحر فتاة لطيفة ولكنها لا تعرف كيف تلعب
معي لعبة القفز فوق المربعات لـ التقاط الحجر كما يفعل هو
أريد أن أعطيه بعض
الحلويات التي اشتريتها من أجله
وأُريه كُتبي الجديدة وأدواتي ومقلمتي وكل شيء
تخبئه حقيبتي الوردية
ظلت أمي تقنعني بـأننا ســ نزورهم ولكن في
المساء
بقيت أنتظر انجلاء الشمس مسندة رأسي على نافذتي أُسلي نفسي بـ خربشة
أناملي على زجاجها المبقع برطوبة أنفاسي الدافئة
بقيت هكذا حتى غلبني النعاس
وغرقت عيناي بين طيات أجفاني
وفي اليوم لتالي
أستيقظ على صوت بكاء
أمي
ووالدي يتحدث بحزن شديد
أنظر لهما من طرف الباب
لم أفهم شيئاً من
حديثهما كنت أدعك عيني وحسب
جلست بجانب أمي وضعت رأسي بحضنها مستلقية بخمولي
وأمي مازالت تبكي وهي تقول ماذا سيكون حال أمك يا محمد نظرت إليها
..قائلة :أمي ما
بها أم محمد؟!!
لم تجبني
أتي أخي في حينها يركض من حجرته يحمل لي الإجابة
التي لم أجدها عند أمي
قال: لي بشيء من الخوف والحزن محمد مات
كانت كــ
الصعقة يُرادفها شيء من الذهول وعدم قبول حقيقة الأمر
قلت لـأخي وأنا في حالة
سرحان: لماذا مات؟
قال: مات عندما سقط في الماء بخزان مياه مكشوف أثناء عودته من
المدرسة
لم تكن تلك الإجابة التي أبحث عنها رغم أنها خنقتني كما اختنق محمد
تحت الماء
كنت أُريد أن أعرف لماذا مات
لماذا مت يا محمد
لماذا لم
تنتظر حكاياتي وحلوياتي وكتبي
لماذا لم تبق كي تعلمني كيف أكتب حرف الـ (ر)
و الـ (ي) والـ(م)
لماذا لم تبق معي نلعب سوياً تحت زخات المطر ونتراشق
بحبات البرد
ونجمع الحصى الناعم لنبني مدينة أحلام
لنقطف أزهار الحديقة ونجمع
ورقاتها وننثرها فوق خد الأرض
كنت أنتظرك كي أردها لك وأضحك على أنفك المحمر
من لسعات البرد
فإلى أين رحلت؟؟ ..الى أين؟؟؟
مرت الأيام وصوته لا يغادر
أذني
وصورته الأخيرة التي رأيته فيها بلباسه الرمادي عالقة بذهني لا
تغيب
مرت الأيام
كيف كان
شعوري بعدها..!! لا أعلم بالضبط
ولكنه رحل وترك فراغاً كبيراً بحياتي
أصبحت
اشعر بالضجر وأبكي دائماً لـأتفه الأسباب
حتى روضتي المرحة أصبحت لا تعني لي
شيئاً
أمضي وقتي بين التعلم واللعب وكلما صادفني طفل اسمه محمد قلت له اسمك
مثل
اسم محمد كان يدرس هنا ..أنت لا تعرفه كان صديقي ولكنه مات
يسألني بملء رأسه
دهشة .. كيف مات ؟
وأجيبه بحزن شديد
مات تحت الماء
تعقيب
أختي الفاضلة ريانة القحطاني
قصة مؤثرة اعتصرت اتلقلب
و أدمعت العين
صغتيها باسلوب مشوق
و لغة مكينة
أشد على يدك مهنئا
راجيا لك دوام التألق
نزار