تقول الكاتبة < اديث هوارتون > : ((إنّ الموقف هو الموضوع الغالب على القصة ، و إنّ رسم الشخصية هو الموضوع الغالب على الرواية ))
الإعصار يبدد السحب القاتمة ويحيلها إلى نار أحرقت أسوار المدينة, وأغرقت الأحياء بالطوفان الجارف الذي سحبهم إلى أعماق البحر... )) صورة قاتمة لبداية الدمار المفاجئ للمدينة المسالمة الهادئة ، إعصار عنيف لسحق كل الأحلام ؟، و البحر اللجب ينتظر دوره في شق طريقه إلى العمق مهددا كل مسالك الحياة ، يتلاعب بالسفن الراسية و هي تتلاطم ذات اليمين و ذات الشمال ، لفتة قوية في رسم معالم التغير المفاجئ الذي أحدثه البحر ، و في الواقع استطاع الكاتب أن يصنع من هذا العنصر الطبيعي أكثر من ! إيحاء ، فتوالت الصور متدفقة بقوة ، و بذلك يكون الكاتب قد نقل الصراع الداخلي إلى الخارج ، كل ما أملته رواسب المعاناة و اجترحت به النفس الساخطة ، لم يكن أمام الكاتب إلا التصريح برحلة سندباد الذي عادة يرمز إلى المغامرة و الرحلة و المفاجآت بل و المخاطر التي تنتظره في كل عقبة و نفسه تتوق إلى الحياة ((.. ابحر سندباد بعكس التيار..الامواج المتلاطمة تتلاعب بالسفينة , تختفي النوارس عن الاعين, يشتد اضطراب الامواج ويقاومها السندباد, يحطم عنفوانها بتحديه ولكنها تحطم سفينته وتذره ممسكا باحدى الالواح متشبثا بالحياة )) هي رغبة فطرية تنتاب كل إنسان تراود كل كائن غير أنها لدى الإنسان أقوى إذ تدفعه إلى الكفاح و تنتظر بزوغ الشمس ((....ونزلت التماسيح عن مستنقعاتها....وفي وكر العنقاء وضعت حمامة بيضها.... وفي الأفق غرابيب ناعقة تغطي بأجنحتها وتحجب انسياب الأشعة.)) ، و لم يكتف الكاتب في طرق الموضوع بوجه واحد لمأساة الإنسان ، هذه المرة يغرف من واقعه المؤلم صورا أخرى بلغة شفافة متدفقة حاصرت كل المعاني التي تخدم الفكرة (الفزاعة) هذه المرة لغة تحمل مواقف التحدي و محاولات كثيرة لصناعة مواقف متصلبة لا يزعزعها التيار الجارف ، رغبة في التغير الذي يأمله الجميع و تحمل تبعاته الكبار و الصغار، لعل حلم الجميع يتحقق للجميع ، ولمجرد اختياره هذا الموقف ، يتطلب الأمر دقة في انتقاء اللغة التي تناسب محتوى السرد ، الكاتب اتجه إلى الضمير و أكثر من استعمال المعاني المتقاربة ( لا يبرح ، نصبوه ، لم يفلت ، إنّه محط أنظار ، ممسكة ، .. لا تثنيه العواصف ...)
و بذلك تحقق حلم الكاتب في توجيه مسار الأحداث و إشباع رغبته في إفراغ تراكمات تبحث عن متنفس في الهواء الطلق ، و نلاحظ في هذا النص بالتحديد للكاتب ميلا إلى التفصيل غير أنّه أوقف هذا الانطلاق بذكاء و حاول إزاحة الكم اللفظي و استبداله بنماذج تصويرية متتالية .. فالأفئدة والقلوب تهفو إليه ، والألســـــن والجوارح ممسكة ..إلا عنه...أوكلوا إليه شؤون الرعاية والحراسة...شؤون الرعية لا يديرها إلا من يتفرغ لها مثله،.....) و هنا توصل الكاتب إلى تخيل البطل الذي من الممكن أن يخلص الموقف و يحدث تغييرا بقوة العقل و توجيه المشاعر لتتخذ لنفسها توازنا في موضع الصراع ، على الرغم من جثو الخطر ، لكن إزالته تكون من هذا الطريق لا بطريق آخر ( ..قضي على الأخضر والي ابس .. لـكن فاه لا زال يفتر عن ابتسامته الدائمة غير آبــه
......وتخلــــــصوا منها ..فزاعات كانت تملأ المكان و الزمان وهما و خرافة .) فالنهاية المتوقعة لا يمكن أن تتحقق إلا بما يمكن أن يضحي به البطل و لعل العنوان الذي اختاره الكاتب لا أعتقد أنّه اختيار عفوي لما يحمل من دلالات فنية قوية و مؤثرة بشكل مستمر ، حتى لأنّك تحمل معك صداها على مدى استمرار قراءتك للقصة و هذه صفة من الممكن أن تجعل الكاتب أن يتنفس أكثر و يفشي ما لديه بحرية غير أنّه اختار المسار الثاني و ترك البقية يكتشفها القارئ و يتفاعل معها بشكل طبيعي ، و هو الذي حدث بالفعل و ترك متعة لديه فما أن يفرغ من موقف حتى يجد نفسه قد ولج موقفا آخر و مشهدا أكثر إثارة ، و ما يلفت الانتباه اهتمام الكاتب بالنظرة المتجددة للمواقف و كأنّ حلمه الذي ساوره في النص الأول يتكرر معه في هذه القصة ( تمرد ظل (من ذلك اهتمامه بتفاعلات النفس و طموحاتها المتكررة و الثابتة و المتنوعة (وأنا أتأمل نملة تسحب ! حبة قمح لا زالت متمسكة بسنبلتها،افتقدته فلم أستطع التنقل عبر الشارع الطويل من دونه،..انه الشعاع الخفي الذي يلامس عواطفي فيضفي عليها حبا وتعلقا بهذه الشمس المشرقة)) حديثه عن هذه النملة لم يكن من قبيل التسلية بقدر ما كان لفت الانتباه إلى أشياء لا يقدرها كثير من الناس و هي في حقيقة الأمر من الممكن أن تصنع الصغير كبيرا و يتحقق بها الحلم الذي طالما افتقده الكبار و أصابهم لطول أمده ، اليأسُ ، من الممكن أن تكون العملية مجرد إيحاء لصورة الكائن الذي يعلم من هم في محيطه أشياء قد تبدو تافهة لا معنى لها و لا طائل منها ، في حقيقة الأمر هذه صورة كثيفة احتشدت فيها عناصر قابلة للتفتت و توزيع معانيها بشكل تلقائي متوازن ، قد تظهر في بداية الأمر مجرد صورة بالنسبة للقراءة العابرة هي كذلك ، و لكن المتأمل يجد فيها متنفسا عميقا يأخذ بيد القارئ إلى أبعد مما أرده الكاتب نفسه(( ....انعطفت إلى مقهى صغير قل رواده ، فتبعني ....وعاد الصمت يلفنا من جديد ، ومرت دقائق لا يكلم احدنا الآخر ...ولما رآني أحجمت عن الحديث قال ..'' صحبتك حتى صرت شبيها بك .، والفتك حتى لم أعد أطيق فراقك ، فأنت أنا وأنا أنت .....إذ! ذاك كانت الشمس قد مالت إلى المغيب .....تفرست فيه فوجدته شاحبا ....ثم ارتمى تحت قدمي ، فاستغفرت الله ، وقمت منصرفا وقد امتزجنا روحا واحدة .)) و كأننا نفهم انعطاف الكاتب إلى الارتقاء بالإنسان السوي إلى مصاف التصوف على الرغم من تركيزه على مظاهر الحياة البسيطة ، فهي تحتال عليه و تقوده إلى أبعد ما يمكن أن يحققه الإنسان من منفعة و لذة ربما افتقدها في عالم المادة فحققها في هذا العالم الذي يصنع القيم و يرتاح إليه لأنه يحقق التوازن و الصفاء ، و للكاتب نظرة فلسفية في ترميز مشاهده و شخصياته البسيطة في كل قصصه المنشورة ، و رغم ذلك فهي تحمل أبعادا ليست بالبسيطة ، و قد شفعت لها لغة الكاتب الجميلة و في اختيار العناوين المتأنقة يطرح في هذه القصة قضية مست الإنسان قديما و حديثا و أصبحت هاجسا له في منامه و يقظته ، إنّه يتوق إلى الخلود ، بمعنى أنّه لم يشبع فضوله و نهمه و ظل يبحث عن كل أسباب السعادة و يتمنى بقاءها ما عمّر في هذه الحياة المعقدة (عطر الخلود) الصعود إلى قمة الجبل يقتضي مرور اللاعبين جميعهم على هذه الطريق الملتوية! ، وعلى هذا المضمار الفسيح .. لا بد من مراعاة قوانين اللعبة ) فالطموح قد لا يتحقق و لكنه مستمر معه مادام هناك بقية من الأمل و رغبة في مقاومة أسباب الفشل و ينبغي أن يستمر البحث حتى ولو تكرر الفشل أيضا ، فالسقوط في المحاولة الأولى لا يعني بالضرورة انتهاء الرغبة و إلا (( فالفارس الذي يتعثر أو يسقط تتخطفه الذئاب الجائعة..الفتية وحدهم يتحملون مشا ق وغثاء السفر.. )) إذن المسألة ليست مجرد تجاوز للمحنة بقدر ما هي كيفية تجاوزها و تحمل صعابها و تحاشي مخاطرها بالقدر الذي يجعله لا يدفع كثيرا ، و تكون التضحية واردة بأقل كلفة ، هذا هو حلم الإنسان الذي يقضي حياته طموحا و لكنّ طموحه محدود مادام الفعل الإنساني في سلبياته و إيجابياته محدودا أيضا ، فالكاتب يقف عند الحقيقة التي من الممكن أن تكشف خلفيات هذا السفر الذي رمز به إلى وجود الإنسان النسبي و رحلته إلى المستقبل المجهول أو الغامض ، و في الحقيقة ليس من الخطأ أن يتراجع أو يسقط من باب استبدال ما هو أفضل لنقل ما يرتاح إليه ، فالكاتب مؤمن بالتغير و التجدد و أن الرجوع إلى الوراء هو تدارك للحقيقة البعيدة و تأصيل لصورة الواقع الذي لم يحتمله و ظل عالقا بين الرؤية الأحادية للأشياء و تفتيتها لتبسيطها وبين احتمال الواقع كما هو ، و للكاتب نظرة أخرى لا تقل عن سابقتها من حيث دعوته إلى التحرر الذاتي و التمسك بالفطرة في هذه القصة (قلب أم !) : (( شمرت المسكينة على ساعديها وراحت تتهيأ لخطب لا يستشعره إلاّ قلب أم حريصة على بيتها بل دنياها كلها تراها في صغيرها، وهو يحبو بين أنحاء هذا الكوخ الذي طوره زوجها إلى غرفتين تصلحان للنوم ولاستقبال الضيوف وللطبخ والغسيل والاستحمام .. )) و هنا تتغيرت لهجة الكاتب من فلسفة القلق و الشعور بالإحباط و لو كان تفسيره يحتمل أكثر من تقدير ، إذ بنية التوجه الذي اختاره لبعد هذه المجموعة يتخذ مسارا آخر يبعث بالأمل عندما يتصل بالآخرين و يحاول العثور على ضالته في القرب منهم و لعل اختيار الكاتب لعنصر الأم ، كان اختيارا موفقا بأن جعل الأم الرمز القوي لأحاسيس الفرد و تفاعله و تنوع مواقفه من الحرمان إلى السقوط إلى الانكسار و غيرها من صور العبث التي تخيلها الكاتب عندما وجد الإنسان حاجته إلى الطرف الآخر و البحث عن دفء يملأ حياته حبا و عطفا ، من الصعب أن يستغني عنها ، و كلّ الأشياء التي تنتابه و هي من مصادر قديمة و بعيدة تلاحقه فتعكر صفوه أحيانا لا يحتملها فيلجأ إلى التنوع في تغيير أسبابها بطريقته حتى ولو اقتضى الأمر زمنا طويلا (( هذه السحب الداكنة القادمة من الغرب بعثت فيها الرعب، إنها تتقدم منذرة بغضب شديد، إنها تعرف ألوان السحب المدمرة هذه التي تأتي يركب بعضها على بعض، جربتها مرتين حين جرفت البيت القديم في الأولى وتركته قاعا صفصفا في الثانية .. عفوك وسترك يا رب !..)) لا يمكن أن تزول هذه الصور دون أن يحقق الكاتب لنفسه منها نهمه و يشبع روحه التواقة إلى الانبساط و أحيانا إلى التمرد و تتبع كل أنماط العيش التي تحقق رغبته ، فصورة الإنسان البطل في هذه القصة تختلف عن المجموعة الأولى غيرها أنّها واقعية في نقل الحقائق ، و يجمع كل هذه القصص النفس السردي المتتابع يعكس توجه الكاتب الاجتماعي الواقعي ، و بإمكانه أن يتصرف في مجموعها على كثرة أنماطها و تعدد شخصيتها ، وما يمكن قوله في الخلاصة الاستعداد السردي لدى الكاتب ، و تمكنه من ناصية اللغة و تميّزه بأسلوب السهولة و الوصف الدقيق و امتلاكه لملامح الرواية ، نتمنى أن نقرأ له شيئا من هذا .













