صفحة الغلاف

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

الجمعية الدولية للمترجمين و اللغويين العرب

arabswata.org

اللص

قصة قصيرة

الحاج بو نيف


             راقب هدوء الحي ، الناس في غدو و رواح ، الأبواب تغلق و تفتح ، الرجال و النساء و الأطفال يدخلون ويخرجون في كل الأوقات، الكل منشغلون بقضاء حوائجهم ، إلا هو .. ينتقل في الأزقة بحذر.. يركز على الحركات الدقيقة .. النوافذ تغلق و توصد.. بعضهن كن يطلن النظر في الشارع، و يحدقن في المارة، حتى إذا ما تعرضن لحركات، أو تلويحات بالإشارات، تظاهرن باللامبالاة، و رحن يطلقن ستائر النوافذ، أو تحويل النظر إلى الجهة الأخرى من الشارع .
في الليل كانت الحركة تخف في الحي، إلا من تجمعات بعض الشباب الذين كانوا يتلهون بلعب الدومينو أو الشطرنج تحت الإنارة العمومية في الشارع الطويل ، أو قد يلعبون كرة القدم، أويتلهون بأي شيء يصلح لتزجية الوقت.
الأنوار تنبعث من وراء الستائر الجميلة التي تغطي النوافذ ، ومن وراء الشبابيك .. تدل على أن أهل البيت موجودون .. الحيل التي يلجأ إليها من ينوون السفر، و يتركون مصابيح بيوتهم مضاءة، لم تعد تنطلي على المحترفين من أمثاله .
قادته تحرياته التي استغرقت يومين بليلتيهما أن بيتا في الطابق الأول من العمارة لم يدخل أو يخرج منه أحد ، و أن نوره يبقى مشتعلا طوال الليل و هذا ما يحفز على زيارته في أقرب وقت ممكن ..فمدة يومين كافية لاستجلاء أمر مدينة كبرى، فما بالك بحي هادئ ؟؟ .. العمل في هذا البيت بات لزاما ، ولا يستلزم أي تأخر، فمثل هذه الأمور تتطلب التعجيل .. العمل الناجح يتطلب العجلة والتخطيط المحكم، لا مجال فيه للارتجال.. اهتدى إلى أن موقع العملية ، وطبيعة المكان يناسبهما العمل الليلي، انتظر قدوم اللـيل، ودخول الناس إلى منازلهم، وخلود أكثرهم للنوم، بعض الأنوار بدأت تخمد، هدأت حركة السيارات، انتشرت بعض القطط والكلاب الضالة حول أكياس القمامات التي كانت ترمي من النوافذ .. هيأ لوازمه، و خرج متسترا في جنح الليل، متنقلا في الأماكن المظلمة .. خفيف الحركة كان، سريعا في مشيته، لا يكاد يرى ظله، لا يترك لك فرصة التأكد من ملامحه، أو لون عينيه أو شعره ..وصل إلى مسرح العملية، وضع رجله اليسرى في سياج نافذة الطابق الأول من العمارة ذات الخمسة طوابق، وتسلل كالريح.. ..إنه الآن أمام أول باب، أخرج حزمة المفاتيح التي يتأبطها، في لمح البصر فتح الباب المؤدي إلى المطبخ ، هو الآن في المطبخ، أرهف سمعه علّ أحدا موجودا فيفاجأ بما لم يكن في حسبانه ، احتاط لذلك .. رسم مسلكا لانسحابه.. الهدوء يخيم على المكان ، ألقى نظرة خاطفة في الصالون الذي كان أقرب نقطة إليه ، لم يركز على الأثاث الذي يملأ البيت، .. مرر إصبعه على المنضدة الكبيرة التي توسطت القاعة، رأى أن غبارا يعلوها، هي لم تمسح منذ مدة، و مع ذلك يجب الحذر، بكل حيطة تقدم للرواق المؤدي للغرفتين المتجاورتين كاتما أنفاسه، توقف برهة، هناك حركة في الغرفة الشمالية من الرواق، سعال متقطع، ثم ما يشبه الأنين ..دخل الغرفة اليمنى، إنها فارغة سوى من بعض الأثاث الذي بدا قليلا ..لم تبق سوى الغرفة الأخيرة .. جذب نفسا عميقا و أفرغه كأنما يستعد لوثبة عالية ، ثم اقتحم الغرفة فلم يجد بها سوى عجوز مسنة بدا هزالها الشديد، تعاني المرض و الجوع و الوحدة ، رأته فرحبت به ونادته: "عزوز" معتقدة عودة ابنها الغائب في شغله.. تفاجأ بذكرها اسمه، اقترب منها أكثر، فإذا عيناها غائرتان، وخصلات من شعرها الأشيب انسدلت على جبهتها التي كستها التجاعيد، و فم يابس مغلق، كانت تفتحه من حين لآخر كأنها تطلب الماء..رق قلبه ودمعت عيناه وانحنى يطبع قبلة على جبينها ، و يصفف بيده الشعرات المنتثرة حول عينيها ويناديها :
-
أمي هل تشربين ؟
-
نعم يا ولدي .
تناول الكوب الذي على الطاولة، و أسرع فملأه .. سقاها بعد أن أسندها بذراعه حتى اعتدلت لتتمكن من الشرب.. ثم طلبت منه دواءها الذي في الثلاجة، و لم تستطع الوصول إليه، سارع إلى إحضاره، سألها عن الأكل فقالت: إنها لم تأكل منذ يومين ..بحث في الثلاجة فلم يجد شيئا ، قال لها:
ـ سأخرج لجلب بعض الأكل لك يا أمي ..
ومن أقرب المحلات اشترى بعض اللوازم الغذائية.. أطعمها بيديه، سقاها ماء وحليبا..
من حين إلى حين تتفرس في وجهه.. تقترب حتى تكاد عيناها تلتصقان بوجهه..
تسأله عن ابنتها المسافرة.. يجيبها : هي بخير
حنين يسري في عروقه، شئ ما يختلج في صدره، تنسكب دمعتان على خده.. قشعريرة تهز كيانه، يتذكر أمه التي غادرت ذات شتاء بارد وتركته من دون حاضنة.. يمسح على يدها الحانية التي امتدت إليه ويقبلها، يبكي بكاء مرا، تسّـاقط دموعه بغـزارة..
ـ عزوز أنا لم أصل منذ مدة
ـ قومي لصلاتك يا أمـي.. دعواتك لي يا أمي.. لا تحرميني من دعائك يا أمي..
راقبها وهي تتحرك ببـطء في صلاتها .. صلت جالسة وتضرعت إلى الله.. أخرجت سبحـتها وعادت إلى سريرها.. داعبته سنة فاستسلم لإغفاءة في الصالون.. أفاق على حديث العجوز مع ابنها، وسمعها تقول: عزوز نائم لقد عاد متعبا من شغله، فمن أنت؟؟

قراءة أدبية :

بقلم : السعيد موفقي - الجزائر

تقول الكاتبة < اديث هوارتون > : ((إنّ الموقف هو الموضوع الغالب على القصة ، و إنّ رسم الشخصية هو الموضوع الغالب على الرواية ))

إن امتلاك ناصية القص (السرد)لا يختلف كثيرا عن امتلاك ناصية اللغة العربية ، فهما وجهان متلازمان للعملية الفنية و عند حضور الصورة المعبرة ، سواء من الواقع أو من الخيال ، و لهذا يخطئ من يعتقد بحضور الفكرة سيطرته على القالب الفني كليا ما لم يحط بجوانب العملية السردية ،لغة و فكرة ، اكتشفت هذا لدى الأستاذ القاص الحاج بونيف(*) و الذي أعتبره يمتلك مفاتيح الرواية أيضا ، لما يتوفر عليه من قدرات تنبي باستعداد قوي و نفحات قصصية ممتزجة بنفس روائي و إن كانت محاولات قليلة ، و من خلال هذا المنبر أوجه رسالة خاصة إلى الأستاذ ألا يبخل على الساحة الأدبية بهذا العطاء و المتنفس الجاد ، ففي محاولاته التي قرأتها وجدته يحسن الكتابة و التخيل كما يحسن اختيار المواقف في قصصه التي نشرها في موقع القصة العربية(**) و تأسفت كثيرا كونه توقف عن النشر و لست أدري إن كان هذا مجرد انقطاع عن النشر و أنه لا زال يتنفس في محيطه ، بينه و بين نفسه ، أتمنى ألا يتوقف عن العطاء ، ! ما فاجأني هذا المستوى من الوعي الفني الذي لم ألاحظه إلا عند قليل من كتاب القصة الجزائريين ، و لست مبالغا لو قلت بأنّ الأستاذ يستحق الوقوف بتأن لإلقاء نظرة على أعماله القصصية و هو جدير بأن يكون في مصاف كتاب القصة العربية ، صراع سندبادين ، لعلها أول محاولة للكاتب في معالجة البعد الإنساني في مختلف القضايا التي عاشها في ظل التغيرات الحضارية السلبية و الإيجابية و أثرها النفسي في الإنسان و محيطه ((الحمم تنزل من السماء , والحديد يفتت الطين ويذيبه, تتسربل المدينة وتكتحل بأعمدة دخان منبعث من أغوار آثار البركان المدمر.
الإعصار يبدد السحب القاتمة ويحيلها إلى نار أحرقت أسوار المدينة, وأغرقت الأحياء بالطوفان الجارف الذي سحبهم إلى أعماق البحر... )) صورة قاتمة لبداية الدمار المفاجئ للمدينة المسالمة الهادئة ، إعصار عنيف لسحق كل الأحلام ؟، و البحر اللجب ينتظر دوره في شق طريقه إلى العمق مهددا كل مسالك الحياة ، يتلاعب بالسفن الراسية و هي تتلاطم ذات اليمين و ذات الشمال ، لفتة قوية في رسم معالم التغير المفاجئ الذي أحدثه البحر ، و في الواقع استطاع الكاتب أن يصنع من هذا العنصر الطبيعي أكثر من ! إيحاء ، فتوالت الصور متدفقة بقوة ، و بذلك يكون الكاتب قد نقل الصراع الداخلي إلى الخارج ، كل ما أملته رواسب المعاناة و اجترحت به النفس الساخطة ، لم يكن أمام الكاتب إلا التصريح برحلة سندباد الذي عادة يرمز إلى المغامرة و الرحلة و المفاجآت بل و المخاطر التي تنتظره في كل عقبة و نفسه تتوق إلى الحياة ((.. ابحر سندباد بعكس التيار..الامواج المتلاطمة تتلاعب بالسفينة , تختفي النوارس عن الاعين, يشتد اضطراب الامواج ويقاومها السندباد, يحطم عنفوانها بتحديه ولكنها تحطم سفينته وتذره ممسكا باحدى الالواح متشبثا بالحياة )) هي رغبة فطرية تنتاب كل إنسان تراود كل كائن غير أنها لدى الإنسان أقوى إذ تدفعه إلى الكفاح و تنتظر بزوغ الشمس ((....ونزلت التماسيح عن مستنقعاتها....وفي وكر العنقاء وضعت حمامة بيضها.... وفي الأفق غرابيب ناعقة تغطي بأجنحتها وتحجب انسياب الأشعة.)) ، و لم يكتف الكاتب في طرق الموضوع بوجه واحد لمأساة الإنسان ، هذه المرة يغرف من واقعه المؤلم صورا أخرى بلغة شفافة متدفقة حاصرت كل المعاني التي تخدم الفكرة (الفزاعة) هذه المرة لغة تحمل مواقف التحدي و محاولات كثيرة لصناعة مواقف متصلبة لا يزعزعها التيار الجارف ، رغبة في التغير الذي يأمله الجميع و تحمل تبعاته الكبار و الصغار، لعل حلم الجميع يتحقق للجميع ، ولمجرد اختياره هذا الموقف ، يتطلب الأمر دقة في انتقاء اللغة التي تناسب محتوى السرد ، الكاتب اتجه إلى الضمير و أكثر من استعمال المعاني المتقاربة ( لا يبرح ، نصبوه ، لم يفلت ، إنّه محط أنظار ، ممسكة ، .. لا تثنيه العواصف ...)
و بذلك تحقق حلم الكاتب في توجيه مسار الأحداث و إشباع رغبته في إفراغ تراكمات تبحث عن متنفس في الهواء الطلق ، و نلاحظ في هذا النص بالتحديد للكاتب ميلا إلى التفصيل غير أنّه أوقف هذا الانطلاق بذكاء و حاول إزاحة الكم اللفظي و استبداله بنماذج تصويرية متتالية .. فالأفئدة والقلوب تهفو إليه ، والألســـــن والجوارح ممسكة ..إلا عنه...أوكلوا إليه شؤون الرعاية والحراسة...شؤون الرعية لا يديرها إلا من يتفرغ لها مثله،.....) و هنا توصل الكاتب إلى تخيل البطل الذي من الممكن أن يخلص الموقف و يحدث تغييرا بقوة العقل و توجيه المشاعر لتتخذ لنفسها توازنا في موضع الصراع ، على الرغم من جثو الخطر ، لكن إزالته تكون من هذا الطريق لا بطريق آخر ( ..قضي على الأخضر والي ابس .. لـكن فاه لا زال يفتر عن ابتسامته الدائمة غير آبــه
......وتخلــــــصوا منها ..فزاعات كانت تملأ المكان و الزمان وهما و خرافة .) فالنهاية المتوقعة لا يمكن أن تتحقق إلا بما يمكن أن يضحي به البطل و لعل العنوان الذي اختاره الكاتب لا أعتقد أنّه اختيار عفوي لما يحمل من دلالات فنية قوية و مؤثرة بشكل مستمر ، حتى لأنّك تحمل معك صداها على مدى استمرار قراءتك للقصة و هذه صفة من الممكن أن تجعل الكاتب أن يتنفس أكثر و يفشي ما لديه بحرية غير أنّه اختار المسار الثاني و ترك البقية يكتشفها القارئ و يتفاعل معها بشكل طبيعي ، و هو الذي حدث بالفعل و ترك متعة لديه فما أن يفرغ من موقف حتى يجد نفسه قد ولج موقفا آخر و مشهدا أكثر إثارة ، و ما يلفت الانتباه اهتمام الكاتب بالنظرة المتجددة للمواقف و كأنّ حلمه الذي ساوره في النص الأول يتكرر معه في هذه القصة ( تمرد ظل (من ذلك اهتمامه بتفاعلات النفس و طموحاتها المتكررة و الثابتة و المتنوعة (وأنا أتأمل نملة تسحب ! حبة قمح لا زالت متمسكة بسنبلتها،افتقدته فلم أستطع التنقل عبر الشارع الطويل من دونه،..انه الشعاع الخفي الذي يلامس عواطفي فيضفي عليها حبا وتعلقا بهذه الشمس المشرقة)) حديثه عن هذه النملة لم يكن من قبيل التسلية بقدر ما كان لفت الانتباه إلى أشياء لا يقدرها كثير من الناس و هي في حقيقة الأمر من الممكن أن تصنع الصغير كبيرا و يتحقق بها الحلم الذي طالما افتقده الكبار و أصابهم لطول أمده ، اليأسُ ، من الممكن أن تكون العملية مجرد إيحاء لصورة الكائن الذي يعلم من هم في محيطه أشياء قد تبدو تافهة لا معنى لها و لا طائل منها ، في حقيقة الأمر هذه صورة كثيفة احتشدت فيها عناصر قابلة للتفتت و توزيع معانيها بشكل تلقائي متوازن ، قد تظهر في بداية الأمر مجرد صورة بالنسبة للقراءة العابرة هي كذلك ، و لكن المتأمل يجد فيها متنفسا عميقا يأخذ بيد القارئ إلى أبعد مما أرده الكاتب نفسه(( ....انعطفت إلى مقهى صغير قل رواده ، فتبعني ....وعاد الصمت يلفنا من جديد ، ومرت دقائق لا يكلم احدنا الآخر ...ولما رآني أحجمت عن الحديث قال ..'' صحبتك حتى صرت شبيها بك .، والفتك حتى لم أعد أطيق فراقك ، فأنت أنا وأنا أنت .....إذ! ذاك كانت الشمس قد مالت إلى المغيب .....تفرست فيه فوجدته شاحبا ....ثم ارتمى تحت قدمي ، فاستغفرت الله ، وقمت منصرفا وقد امتزجنا روحا واحدة .)) و كأننا نفهم انعطاف الكاتب إلى الارتقاء بالإنسان السوي إلى مصاف التصوف على الرغم من تركيزه على مظاهر الحياة البسيطة ، فهي تحتال عليه و تقوده إلى أبعد ما يمكن أن يحققه الإنسان من منفعة و لذة ربما افتقدها في عالم المادة فحققها في هذا العالم الذي يصنع القيم و يرتاح إليه لأنه يحقق التوازن و الصفاء ، و للكاتب نظرة فلسفية في ترميز مشاهده و شخصياته البسيطة في كل قصصه المنشورة ، و رغم ذلك فهي تحمل أبعادا ليست بالبسيطة ، و قد شفعت لها لغة الكاتب الجميلة و في اختيار العناوين المتأنقة يطرح في هذه القصة قضية مست الإنسان قديما و حديثا و أصبحت هاجسا له في منامه و يقظته ، إنّه يتوق إلى الخلود ، بمعنى أنّه لم يشبع فضوله و نهمه و ظل يبحث عن كل أسباب السعادة و يتمنى بقاءها ما عمّر في هذه الحياة المعقدة (عطر الخلود) الصعود إلى قمة الجبل يقتضي مرور اللاعبين جميعهم على هذه الطريق الملتوية! ، وعلى هذا المضمار الفسيح .. لا بد من مراعاة قوانين اللعبة ) فالطموح قد لا يتحقق و لكنه مستمر معه مادام هناك بقية من الأمل و رغبة في مقاومة أسباب الفشل و ينبغي أن يستمر البحث حتى ولو تكرر الفشل أيضا ، فالسقوط في المحاولة الأولى لا يعني بالضرورة انتهاء الرغبة و إلا (( فالفارس الذي يتعثر أو يسقط تتخطفه الذئاب الجائعة..الفتية وحدهم يتحملون مشا ق وغثاء السفر.. )) إذن المسألة ليست مجرد تجاوز للمحنة بقدر ما هي كيفية تجاوزها و تحمل صعابها و تحاشي مخاطرها بالقدر الذي يجعله لا يدفع كثيرا ، و تكون التضحية واردة بأقل كلفة ، هذا هو حلم الإنسان الذي يقضي حياته طموحا و لكنّ طموحه محدود مادام الفعل الإنساني في سلبياته و إيجابياته محدودا أيضا ، فالكاتب يقف عند الحقيقة التي من الممكن أن تكشف خلفيات هذا السفر الذي رمز به إلى وجود الإنسان النسبي و رحلته إلى المستقبل المجهول أو الغامض ، و في الحقيقة ليس من الخطأ أن يتراجع أو يسقط من باب استبدال ما هو أفضل لنقل ما يرتاح إليه ، فالكاتب مؤمن بالتغير و التجدد و أن الرجوع إلى الوراء هو تدارك للحقيقة البعيدة و تأصيل لصورة الواقع الذي لم يحتمله و ظل عالقا بين الرؤية الأحادية للأشياء و تفتيتها لتبسيطها وبين احتمال الواقع كما هو ، و للكاتب نظرة أخرى لا تقل عن سابقتها من حيث دعوته إلى التحرر الذاتي و التمسك بالفطرة في هذه القصة (قلب أم !) : (( شمرت المسكينة على ساعديها وراحت تتهيأ لخطب لا يستشعره إلاّ قلب أم حريصة على بيتها بل دنياها كلها تراها في صغيرها، وهو يحبو بين أنحاء هذا الكوخ الذي طوره زوجها إلى غرفتين تصلحان للنوم ولاستقبال الضيوف وللطبخ والغسيل والاستحمام .. )) و هنا تتغيرت لهجة الكاتب من فلسفة القلق و الشعور بالإحباط و لو كان تفسيره يحتمل أكثر من تقدير ، إذ بنية التوجه الذي اختاره لبعد هذه المجموعة يتخذ مسارا آخر يبعث بالأمل عندما يتصل بالآخرين و يحاول العثور على ضالته في القرب منهم و لعل اختيار الكاتب لعنصر الأم ، كان اختيارا موفقا بأن جعل الأم الرمز القوي لأحاسيس الفرد و تفاعله و تنوع مواقفه من الحرمان إلى السقوط إلى الانكسار و غيرها من صور العبث التي تخيلها الكاتب عندما وجد الإنسان حاجته إلى الطرف الآخر و البحث عن دفء يملأ حياته حبا و عطفا ، من الصعب أن يستغني عنها ، و كلّ الأشياء التي تنتابه و هي من مصادر قديمة و بعيدة تلاحقه فتعكر صفوه أحيانا لا يحتملها فيلجأ إلى التنوع في تغيير أسبابها بطريقته حتى ولو اقتضى الأمر زمنا طويلا (( هذه السحب الداكنة القادمة من الغرب بعثت فيها الرعب، إنها تتقدم منذرة بغضب شديد، إنها تعرف ألوان السحب المدمرة هذه التي تأتي يركب بعضها على بعض، جربتها مرتين حين جرفت البيت القديم في الأولى وتركته قاعا صفصفا في الثانية .. عفوك وسترك يا رب !..)) لا يمكن أن تزول هذه الصور دون أن يحقق الكاتب لنفسه منها نهمه و يشبع روحه التواقة إلى الانبساط و أحيانا إلى التمرد و تتبع كل أنماط العيش التي تحقق رغبته ، فصورة الإنسان البطل في هذه القصة تختلف عن المجموعة الأولى غيرها أنّها واقعية في نقل الحقائق ، و يجمع كل هذه القصص النفس السردي المتتابع يعكس توجه الكاتب الاجتماعي الواقعي ، و بإمكانه أن يتصرف في مجموعها على كثرة أنماطها و تعدد شخصيتها ، وما يمكن قوله في الخلاصة الاستعداد السردي لدى الكاتب ، و تمكنه من ناصية اللغة و تميّزه بأسلوب السهولة و الوصف الدقيق و امتلاكه لملامح الرواية ، نتمنى أن نقرأ له شيئا من هذا .