الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

صفحة خاصة  

.

الكلب الشرس والضيف الممتع

قصة

 

عزام أبو الحمــام*

 

        كان  ذلك في عصر يوم خريفي عندما جاءنا ضيفٌ أشعث أغبر فوق حماره الأعرج يتبعه كلب جهم أبرق من جهة الغرب، كنا لا نعرف الحدود بين الدول ولا نعترف بها ونحن بدو رحل نعتبر أن الأرض كل الأرض وديعة الله في خلقه، هذا ما تناقلناه عن الأجداد حتى وصل إلينا نحن الأحفاد.

 الكلب الشرس والضيف الممتع
بقلم عزام أبو الحمــامالمهم استقبلنا الضيف بكل بشرى وترحاب، كنت فتىً يافعاً حينذاك وكانت عيناي تتفحصان خُرْجَ حماره الأعرج الذي أنهكه المسير بين مواقع البدو ومضاربهم الممتدة بين صحاري الدول التي لم نعترف بها حتى هذا الوقت

 شأننا شأن البدو الآخرين في كل المنطقة، ظننتُ في البداية أن الضيف ما هو إلا واحد من الباعة المتجولين الذين عهدناهم يجوبون المضارب يبيعون بعض الملابس والحلويات وحاجيات أخرى كانت ضرورية في حياة البدو الرحل أمثالنا. وكنتُ أنتظر أن يقوم والدي بسؤال الضيف عن حاجته وعن حمولته لكنه لم يفعل، ظل والدي وفياً لما تربى عليه من عادات إكرام الضيف والامتناع عن سؤاله عن حاجته أو اسمه أو عن حمولة راحلته. بل فقد أمرني والدي بأن أسرع لتوفير الطعام للحمار الأعرج هذا وللكلب المُخيف الذي يرافقه قبل أن يجلس الضيف، وبالطبع فقد أسرعت وجلبت الشعير للحمار وقدمت للكلب الخبز الطري المنقوع باللبن الرائب فراح الكلب يلغُ فيه وأنا في غاية الحذر من غدره وقد بدا عليه الجوع الذي أبرز عظام ظهره فجعلني ألحظُ فقرات ظهره واحدة واحدة لفرط هزاله.
كان شقيقي الأكبر "طعان" قد بادر وذبح الخروف بجانب بيت الشعر وشرع يسلخه ويُقطِعه بسرعة لا يُتقنها أحدٌ مثله بين مضارب عربنا كما أعلم. وقد خص الكلب بشقصٍ من لحم الصدر فحملته ورميته للكلب وما زال الخوف يعتريني منه حتى تلك الساعة لأنني لم أرى بين كلاب أعرابنا كلباً ضخماً كمثل هذا الكلب الأبرق، في هذه المرة بدا الكلب أقل شراسة وأرقَ جانبا وهو يُلوح بذيله ممتناً أو شاكرا كما ظننت.
ظل والدي ورهط من الأقارب يسامرون الضيف بالحكايات والقصص إلى أن وضعنا أمامه الطعام الذي هو من الثريد المغطى بلحم الضأن. فقلت في نفسي الآن جاء دور الضيف ليفتح خُرجه ويخرج لنا ما كنتُ أتمناه كفتىً من بائع متجول. لكن الضيف لم يفعل غير شروعه بسرد الحكايات والقصص إلى أن بدأ الجميع يستحسن ذلك ويطالبونه بالمزيد، وحينذاك بدأ شيء ما في داخلي يقلقني وهو يتحرك كالنمل الأسود لكنني لم أكن لأدركه تماماً، لقد بدأت أيئسُ وأسئم من الضيف لأنه لم يخرج من جعبته غير القصص والحكايات التي طالما سمعنا مثلها الكثير. وصرت أخشى أكثر من غدر كلبه الذي راح يهاجم الكلاب الآيبة مع الرعاة في المساء وأنا أقول إن هذا الكلب سيطرد كلابنا وسيقتل خرافنا لا محالة، لكن شقيقي طعان نهرني بحزم وأنا أسعى إلى الذود أمام كلب الضيف محاولاً إبعاده عن كلابنا وخرافنا حرصا مني على سلامتها.
في اليوم التالي، حدث الشيء نفسه، والدي وطعان يذبحان خروفاً جديداً، وأنا مكلف بدعوة بعض الجيران والأقارب للمشاركة في قِراء الضيف، ثم يبدأ مسلسل الحكايات والقصص، وهكذا دواليك حتى اليوم الثالث الذي يستحسن أن يقوم فيه الضيف بالإفصاح عن اسمه واسم عشيرته وطريق سفره ، وكنت أنا أرجو أكثر من ذلك وهو أن يخرج شيئا من خرجه الذي لا بد أن يكون مليئاً بالحلوى وبعض الملابس أو الألعاب التي بت أتشوق لرؤيتها فقط وليس للحصول عليها بعد أن يئست من جمود الضيف وتلكئه في كل شيء.
قال الضيف والجميع في إصغاء تام : أنا لست بائعا متجولاً، فأنا شيخ بن شيخ لكنني تمردت على نظام الشيخة واخترت حياة التجوال والترحال بين الأعراب لأبثهم روح الإباء والوفاء والسلام والنخوات العربية الأصيلة التي أخشى أن نفقدها رويدا رويداً. رحب الجميع بكلام الضيف الذي لم يعلن عن اسمه الحقيقي بعد ، ويبدو أنه اكتفي بقوله ذاك بعد أن استأنس من القوم هذا القبول والاستحسان فلم يسأله أحد منهم بل راحوا يتنافسون في استضافة الرجل في بيوتهم وهو يحاول التمنع وأبي يقول ، إن ضيفي هو ضيفكم وحضوركم لمساهرته هو إكرام له ولي وأسعد لو أن الضيف يطيل مكوثه بيننا فيتمكن الجميع من ضيافته وإكرامه.
غادر السُمار في تلك الليلة بعد أن بدأت بشائر رياح غربية في الهبوب ،و كانت ليلة حالكة السواد وقد هبت فيها رياح غربية محملة بالرمال الصحراوية القادمة من سيناء، كادت الرياح تقلع أعمدة البيت وتودي به لولا أن قام الجميع منا لتدارك الأمر وشد الحبال ودق المزيد من الأوتاد ، كانت ليلة عصيبة ووالدي وشقيقي ووالدتي يكافحون ضد الرياح العاصفة ومعهم الضيف الذي يتنقل هنا وهناك منجداً إلى أن جاء ليسند دوري في السيطرة على حظيرة الأغنام التي ارتفعت أصواتها بالثغاء والعويل ومنعها من التفرق تحت عصف الرياح الغربية التي نعهدها في هذا الموسم من كل سنة ، ونتغلب عليها لكن بعد الكثير من العناء، كانت الفرس الحمراء التي يركبها والدي تحاول قطع الأرسان والتحرر بعد أن أصابها الوجل والفزع من هدير الرياح وعصف الرمال في عينيها، وخشيت عليها بالفعل من أن تصاب بأذى وقد نحتاجها في هذا الوقت العصيب. وكم سعدت وأن لا أشاهد الكلب الأبرق لم يسعى إلى مشاكسة كلابنا أو خرافنا في هذا الظرف العصيب، فقد انتحى جانب البيت وبدا في غاية الهدوء للدرجة التي حسبته ميتا أو كأنه يتمتع بما أصابنا وأصاب كلابنا وفرسنا من عناء شديد، وحينها عاد شعور الخوف والتوجس يسيطر علي من هذا الكلب اللعين لولا أنني رأيت الضيف يشمر عن ساعديه ويلف وجهه بلثام أسود وهو ينافح ويكافح مثله مثل أفراد الأسرة الآخرين.
ظللنا على هذه الحال عدة ساعات ونحن وسط الضجيج والصراخ والغثاء ونباح الكلاب وفزعها وعويل الرياح بينما الكلب الأبرق لا يبرح مكانه وهو يرقب المشهد كله بهدوء غريب جعلني أجزم بأنه يبيت شراً مستطيراً لا محالة.
وفي غفلة من أمرنا جميعاً ، سمعنا صوت شقيقتي الصغرى تصيح مستنجدةً في ناحية كومة الأعلاف جنوب البيت، فهرعنا إليها جميعاً ننجدها، وكم كانت المفاجئة صاعقة، رجل ملثم يحاول الاعتداء على الفتاة التي كانت تعاجله بلكمات من حذاءها دون أن يرتجع وقد اطمئن إلى ما نحن فيه من فوضى وارتباك، كان الأمر صاعقاً ولم نتبين الرجل الذي لاذ بالفرار نحو الفرس الحمراء وقد نجح بفك رسنها بسرعة وراح يحاول امتطاءها للفرار بها. ويا للغرابة ، الكلب الأبرق الذي كنت أخشاه وأتوجس منه خيفة يشد الرجل من قدمه ويرميه أرضا قبل أن يصل والدي وشقيقي إليه ليفكا اللثام الأسود عن وجه الضيف الرقيع الخائن ويوثقا رباطه إلى حظيرة الأغنام فيتولى أمر عقابه ومصيره أخي الأكبر طعان.
سمعت والدي يقول بتؤدة وروية، لا غرابة لا غرابة،،،
بينما صحت وقد تملكني الذهول: يا للغرابة يا للغرابة ، الكلب حفظ عهد ضيافته بقليل من الخبز واللبن والرجل الإنسان لم يحفظ عهد القِرى والإكرام الزائد. فكم يستحق من عقاب؟؟ وكم يستحق الكلب على وفاءه؟!

===============

*عزام أبو الحمام - فلسطين

azzam-mhd@hotmail.com

===============

تعقيب

أخي المبدع عزام

حقيقة ، أنت تذهلني ، بالأمس كنت مع :

"قمر النقب بات حزينا"

و اليوم مع :

" الكلب الشرس و الضيف الممتع"

في الأولى كنت و كأنك واحد من أسرى المعتقل ، و اليوم تبدو و كأنك واحد من البدو الرحل 

كيف تمكنت من هذا و ذاك ؟ لا بد أنه الإيداع الذي يسري في دمك

أهنئك من كل قلبي و دمت في المقدمة

نزار