
ق ق
طارق الأحمدي منابر
وقف
مترنحا. مشى
بخطوات مرتعشة نحو الكرسي الذي توسط الغرفة.
لم يتحمل ثقل رأسه فسقطت أجفانه
تحجب الرؤية عن عينيه.
"
هات كلاليب العالم الآن لترفع عنك هذا الثقل الممدّد
على عينيك."
زلت قدمه فتهاوى كتلة واحدة إلى الأرض واصطدم ذقنه بحافة الكرسي,
فكتم آهة بدرت منه, ثم
تبسّم وبقي في وضعه دون حراك شارد الذهن, أو هكذا يبدو,
يتحسّس الدّم النّازل من شفته, يمتصّه بأسنانه, يبتلعه مرّة
ويتفله أخرى.
حاول
النّهوض فلم يقدر. عاود الكرّة مرّة أو مرّتين حتى استقر على
الكرسي.
تحسّسه.
إنّه بارد, قاسٍ, أصفر كالموت, ميّت كذاك الكرسي الذي أجلسه عليه
الضابط لمّا كان مراهقا, بعد أن صفعه صفعة طوّحت به إلى عوالم
الغيب.
-
لِمَ
اعتديت عليها؟
ثم قطّب جبينه واضعا يديه إلى الخلف.
دار في أرجاء القاعة, ثم
فاجأه بصفعة أخرى زادت من إرهابه وخوفه, فانكمش في مكانه يفضح
الكرسي ارتجافاته
بالصوت الّذي يحدثه من خلال اهتزاز جسمه النحيف وقلّة ثيابه.
وينفجر الضابط
قهقهة تعرّي عن أسنان بيضاء. ثم يهدأ ويعيد استجوابه.
-
أتعرف؟ لقد سبّبت لها
ألما فضيعا, فجعتها في جسدهــا, أوجدت لها عقدة أبدية لا
أظنّها تشفى منها إلا إذا
..(
يصمت لحظة) التفّ حبل
المشنقة حول رقبتك.
- ....................
-
أستغرب كيف يجرؤ( فرخ) مثلك على الاعتداء على بنات أسياده.
- .................... ..
وتتراكم سحب الغضب على سحنته, ويتلبّد وجهه الأسود
ليصبح أزرق, وترتعش شفتاه الكبيرتان, ويصيح ليرتطم صراخه
بالجدران ويعود سياطا تلذع
سمعه وقلبه وخوفه.
-
تكلّم. تكلّم يا ابن...
ويصفعه بعنف حتى لا يتحمّله
الكرسي فيرميه إلى القاعة الباردة مكبوبا على وجهه وقد اختلطت
دموعه بما سال من
أنفه من دم, فيرفعه من تلابيبه ويركنه من جديد على الكرسي.
يشعل سيجارة في عصبية
واضحة, يأخذ نفسا عميقا, ينفث ما اعتمل في صدره من دخان في
وجهه, ثم يبتسم علامة
الهدوء ويجلس قبالته ويضرب بكفّيه على فخذي المفجوع أمامه,
ويخاطبه وكأنه يواصل
بقية حديث.
-
ما أصعب أن يتحوّل الفرد إلى " سيزيف". أنت لا تعرف سيزيف؟. ولم
تسمع بـ"شمشون"؟ لا تردّ. متأكد أنّك عاجز حتى على ترديد
الأسماء, فأنــت أحمـق
غِرّ, دلقتك أمك لتبشّر الدنيا بنجاسة أخرى. أرضعتك حليبا
ملوّثا بالحقد والكراهيّة
لتشبّ كلبــا مسعورا..ألست كلبا؟! أنت " دراكولا".
-
أنا "دراكولا", أنا
خفاش, مصّاص دماء.
ردّد ذلك في تعب وهو يتحسّس رأسه الثقيل ويتلمّظ الدم النّازل
من أنفه.
تعقيب
طارق الأحمدي
رائع ما
خطه قلمك
في هذا الوصف التصويري لأساليب التحقيق
التي يمارسها ساديون
ينتزعون الإعترافات بقوة أذرعتهم
و سلاطة ألسنتهم
***
كما أحسنت
تصوير ماحدث
للرجل من تداعيات عقلية
ربطت بين تعثره في غرفته
و بين تجربة
التحقيق المريرة
التي مر بها
***
إبداع من مبدع
سلم يراعك و دمت
متألقا
نزار