مقال :
بثينة العيسى*

الكتابة
وحدها لا تصنع حركة، لا تصنع قوة، لا تصنع ضغطاً أو دفعاً، لا تصنع
ظاهرة.. الكتابة وحدها لا تصنع تنمية معرفية، الكتابة وحدها لا...
الكتابة عن الكتابة هي ما يتمم المشهد، هي ما يحقق سلامة المعادلة،
هي الطرف الآخر في الحوار الإبداعي المنشود بين الذات والآخر، بين
الكاتب والناقد، بين المبدع والمتلقي، الكتابة عن الكتابة هي ما
يصنع تلك الحركة، التي يروق للكثيرين (وأنا منهم) أن يسميها: حركة
ثقافية.
هذا الطرف الآخر من المعادلة، أي: الكتابة عن الكتابة، أي: عملية
الرصد والدراسة والتمحيص والقياس والتحليل والإسقاط والتأويل
والاستنطاق، عملية «النقد» بجميع أبعادها.. هي ما ينقصنا بشكلٍ
مؤلم، ونحن.. ما فتئنا نطالب بخطة تنموية تشمل الجانب الثقافي
لإدراجها في خطة الدولة، وقبل أن نطالب الحكومة بالاعتراف
«بالثقافة» كعنصر مؤثر وفاعل لبناء المجتمع، وهو الأمر الجدلي غير
القابل للقياس والذي لا نملك حجة لإثباته غير إيماننا القديم به..
قبل أن نخوض حرباً هي أكبر منا ومن قدراتنا على الإثبات والدحض
والإقناع، ينبغي أن نتأكد من قدرتنا على صنع مشهد ثقافي فاعل
ومتفاعل، قبل أن نطالب الحكومة بتخصيص اعتمادات في ميزانيتها
العملاقة لدعم المثقفين.. ينبغي أن نتأكد من وجود مشروع ثقافي
حقيقي في الكويت، ومن قدرتنا على أن نستنطق الإنتاج الثقافي
الكويتي، بأعين ومشارط وعدسات وملكات كويتية، وإلا انتهى بنا الحال
أيضاً، إلى استيفاد «مهارات ثقافية» أجنبية لكي تتولى قراءة مشهدنا
الكويتي، بالنيابة عنا، وكما هو جارٍ على قدم وساق في كثير من
الوزارات والإدارات الحكومية، من أجل أن نثبت للعالم أن إنتاجنا
المعرفي والثقافي والأدبي (مهم) و(فاعل) و(حقيقي)!!
العم «غوغل» أخبرني أن معظم ما كتب عن الإنتاج الأدبي الكويتي
(مستورد!)، قدرات معظم الأدباء الكويتيين تكاد تقتصر على حضور
الندوات والأمسيات وتلبية «المواجيب» الثقافية، قابليتنا لمحاورة
إنتاجنا وجها لوجه، وقدرتنا على استنطاق هذا الإنتاج هزيلة ومحزنة،
مازلنا حتى اليوم نخوض جدالات عقيمة عن شرعية انتساب قصيدة النثر
إلى الشعر العربي.. باختصار: مازلنا لا نعرفنا، معرفتنا بنا تكاد
تكون انطباعية، وأفكارنا عن القصيدة الكويتية والرواية الكويتية
أشبه بثرثرة المقاهي.. مازلنا لم ندرسنا، لم نفهمنا، لم نعرفنا، لم
نستنطق خطابنا على أكمل وجه.
أنا معكم.. أنتم الذين تريدون نصيباً ثقافياً من «خطة الدولة»، هذه
الكعكة العملاقة المغرية بألوانها الخضراء والحمراء!! ولكنني لا
أريد دعماً عشوائياً، ولا أريد الادعاء بأن ما ينقصنا لصنع حركة
ثقافية هو الدعم المادي فقط، ولا أريد أيضاً إنشاء وزارة للثقافة
لتكون مرتعاً آخر للبطالة المقنعة.. وبالفم المليان: لا أريد
مشهداً ثقافياً من دون مشروع حقيقي، وربما كان المشروع الأول الذي
ينبغي تبنيه هو تعرف قدرتنا على قراءة خطابنا الأدبي والمعرفي، على
نقد ما ننتج، على الكتابة عما نكتب، بحكم أن الثقافة، والأدب،
والفن، والإبداع.. هي ظهورات حوارية بالدرجة الأولى، أليس كذلك؟!

=========
*بثينة العيسى
– الكويت
Bothayna@hotmail.com
=========