
قصة
جبران الشداني
منتديات إنانا
وضع
الكاتب قلمه فوق حزمة اوراقه الناصعة البياض ، لم يخط
كلمة بعد منذ ساعة، رغم ان احداث قصته نضجت تماما في مخيلته ، لقد اراد
كتابة قصة
مثل اي قصة اخرى تنتهي بالنشر في جريدة لا يقرا صفحتها الادبية أحد ،
لكنه هذه
المرة وقع في مصيدة مرعبة ، ذلك انه حاول ان يترك لشخوصه حرية الحديث
وفقا لارادتهم
، فاكتشف انها ستكون قصة مختلفة ، لان الشخوص قرروا في غفلة منه ، قتله
و التخلص من
جثته
...
قد يقول أحد الذين يقرؤون الان ما اكتب ، أن موت الكاتب هو مجرد صورة
رمزية ، و اعرف ان للقارئ – و أنا اكره كل القراء – حق تأويل كل ما
يكتب ، - و هذا
سبب كرهي – لكني أشهد أن الامر كان مختلفا هذه المرة ، لان الكاتب
انتبه لمأساة
قدره ، لقد فهم ان هذه القصة لن تكتمل الا بما يكرهه..ذلك ان السير
المنطقي
للاحداث لا يمكن الا ينتهي بموته الحقيقي
.
في مخيلته .. فتح الشيخ بابا خشبيا
متهالكا بمشقة ، ثم عاد الى مكانه حول الطاولة الخشبية ، محاولا
استرجاع انفاسه ،
دخل رجل ضخم يحمل حقيبة جلدية على كتفه ، وضعها على الارض ثم جلس على
كرسي مجاور ،
و أخرج من جيبه ما يشبه قنينة خمر ، كانوا ثلاثة ساعتئد ، اجتمعوا في
هذا البيت ،
لانهم تواعدوا على اللقاء فيه منذ خمسة عشر سنة ، منذ بدأ كتابة
محاولاته الاولى ،
لا أحد منهم كان يهتم في الحقيقة بافكاره الرسولية ، لانها كانت حالمة
و بريئة بشكل
لا يحتمل ، لذلك قرروا سرا وجوب رجمه في حفل جماعي
...
حاول الكاتب ان يطرد من
راسه كل صور هذا المشهد، لانه وجد نفسه للمرة الاولى داخل قصة له ،
أمسك قلمه ،ثم
فتح بحذر شديد شرفة مخيلته ، مخافة ان يفقد زمام السرد ، لكنه وجدهم لا
يزالون هناك
، يتحدثون همسا عن ابوته المزعومة التي لاحقتهم في كل مكان، لم يكن
عليهم تحمل محنة
السفر طويلا ..فالتوابيث التي ناموا داخلها لعدة سنوات في رأسه.. ظلت
دائما موضوعة
في غرفة مجاورة و منسية
.
...
نظر الرجل الذي دخل قبل لحظات الى الشيخ مسـتأذنا
، ثم فتح قنينة الخمر و قال دون ان يوجه كلامه الى احد
:
_
اذن لنقلها دون
تلعثم ، لا احد منا سيقيم له جنازة ..لقد احضرت أحجاري ،..و لعلنا
نحرقه ..او نرميه
في اي مرحاض عمومي . و كفى فلقد
تعبنا من هذه الحكاية
.
كان الشيخ قد قضى
زمنا طويلا في انتظارهم ، بعد ان هيأ عشاءا للثلاثة ، كنس الارض ، و
قرأ بعضا من
تعاويذه السحرية ، لكنه الان بينهم ، يكاد يكون بلا راي ، و لم يكن هذا
يقلقه ، و
لو انه كان يطمع في قراءة الفاتحة اكراما لروح الكاتب ، أخرج غليونه و
اشعله و هو
يخمن كيف يفاتحهم بفكرة مخيفة تراوده منذ زمن
..
الشخص الثالث كان عازف قيثارة
مغمور ، من فرقة منحلة تفرق افرادها قديما ، بعد اتهام كاتب الكلمات
باغتصاب
الراقصة ..في قصة أخرى
.
قال الشيخ
:
-
يظهر فعلا انه لا يزال يراقبنا.. لم
لا ندردش قليلا قبل قتله
..
قال العازف معترضا على كلامه:
-
لا افهم سببا
ملحا يدعو لإطالة هذا العشاء الطارئ ، الا ان تكون راغبا الوفاء لوعد
قديم قطعته
على نفسك بان تعكر نومتنا متى استبد بك السهر
.
قال الشيخ
:
-
لعلكما تجدان
لي عذرا فيما طلبت لو أدركتما ما وقع بين هذه الجدران في السنوات
الاخيرة
..
قال العازف
:
-
و ما ذا يمكن ان يحدث في مكان لا يزوره احد و لا يعرف به
احد ..باستثناء العناكب التي تعشش في كل ركن من راسه
..
قال الشيخ
:
-
عن
هذا اردت الحديث ..و قد خفت ان تتهماني بالتراجع رغم اني مثلكما عازم
على قتله . لو
انني قصصت عليكما ما اعرفه دون دليل يؤكد ما سأرويه
..
قال العازف
:
-
عن
ماذا ؟
قال الشيخ
:
-
لقد فهمت ان ايامنا قد صارت معدودة في العالم...
قال العازف ساخطا
:
-
نحن لا نعيش في هذا العالم ..منذ زمن بعيد..
قال
الشيخ
:
-
بل اتحدث عن هذا البيت المهجور ..هذا الذي يسميه الكاتب رأسه
قال
العازف
:
-
لا احد هنا غيرنا ..ايها العجوز
..
قال الشيخ
:
-
لقد قضيت
زمنا في تأمل هذه العناكب التي عاشت تحت هذه الجدران ، و هي ما يسميه
الكاتب نفسه
(
ما يفر من قبضة اللغة )، منذ اليوم الذي أحرق فيه كتابه الاول ،..و كنت
اتسلى
بتسميتها واحدا واحدا ، و برسم اشجار نسبها على الجدران .هذه العناكب
التي لا يراها
احد .و كثيرا ما كنت افكر بانني قد فقدت عقلي ، لكني كنت ارى في جنوني
خيارا لا مفر
منه لهزم الوحدة و الانتظار الطويل ، حتى انني عقدت صداقات مع عناكب
كثيرة ، مع ما
لا يمكن ان يقال أو يعبر عنه ، لانه لا ينتمي للغة ، و حدثت بيننا قصص
قد لا يصدقها
شخص عاقل ، احتفظ بها لنفسي ، لان ما يحدث الان لا يسمح بالشرود خلف
حكايات صارت
جزءا من الماضي الجميل ..لقد لاحظت سادتي تحولا غير مسبوق في أخلاق هذه
العناكب ، و
قد بدأ هذا مع ولادة جنس جديد منها ، امتلك سلوكا غريبا لا يذكرني الا
بسلوك
الكائنات الناطقة ..ففي السنوات الاولى كنت اغفوا أحيانا فاستيقظ
متألما من لسعات
عناكب عدائية ، حتى انني اضطررت مرة لقطع احد اصابعي
كي لا ينتشر السم في كل
ذراعي . او بلغة الكاتب ، كي لا اجد نفسي يوما خارج كل نصوصه..لكن بعد
عام ، غيرت
العناكب استراتيجيتها تماما ، فكانت تمر احيانا فوق ملابسي او فوق جسدي
، دون ان
تلدغني .. فتخيلت انها قد عادت مسالمة كما كانت ..حتى جاء يوم اكتشفت
فيه امرا لا
يمكن لا تخيله و لا تصديقه .أطللت من نافذة غرفتي الكبيرة ..فرأيت عددا
من حاجياتي
و من ملابس البيت ، و من كتبي القديمة ملقاة في العراء ..و فكرت طبعا
ان لصا قد
يكون دخل المنزل في غفلة مني ..لكني سرعان ما أدركت ان العناكب تقوم
بنفي اغراضنا
الى الخارج ، و كانها تعبر عن رغبتها في ان نرحل سريعا عن هذا المكان
...
كان
صاحب قنينة الخمر قد قرر اخيرا الكلام ..فقال بصوت انطلق كصرير بوابة
تمكن منها
الصدأ
:
-
و لم تقوم العناكب بهذه الحماقات ..و فيم نزعجها نحن ؟ هل هذا ما
وجده الكاتب ليتخلص من أزمته و هو يرى الان جثته بين ايدينا ؟
قال الشيخ
:
_
لو كانت العناكب الصامتة تملك لسانا لتحدثث الينا ، و اخبرتنا بهذا
السر الذي
نجهله ، لكن بما الامر غير ذلك ، فلا يسعنا غير التخيل ..للوصول الى
تفسير يكون
اكثر اقناعا من غيره ..و قد تفرغت مؤخرا لدراسة كل ما كتب عن هذه
المخلوقات في
السنوات الاخيرة ..فاكتشفت انها مخلوقات لا تهتم عادة بما يقع خارج
عشها ، فهي لا
تراقب غير المدى الذي تصله خيوطها ،و لانها اشبه بمخلوقات عمياء ، فهي
تستدل بحركة
شباكها لتنتبه لوجود فرائسها ، قبل ان تمتص دمائها و ترمي جثتها خارج
البيت ..لقد
فهمت متأخرا ان هذا البيت الذي نسكنه من زمن لم يكن غير مصيدة نصبتها
لنا العناكب
باحكام ، و انها الان بصدد التخلص من بقايا جثتنا بعد ان سلبتنا شيئا
نجهله ، شيئا
قد لا نراه ..لكنه في ملكها الان
..
توقف الكاتب عن الكتابة ...تراجع للخلف
بعيدا عن اوراقه و كأنه يكتشف ولادة شخوص لم يتعرف عليهم من قبل..
ما هو هذا
الذي يجهله ؟ و الذي يسرقه صمته باستمرار من اللغة ؟
صرخ العازف
:
-
أوقفوا
هذه الحكاية ..هذه الحكاية لن تكتمل ..لقد مات الكاتب
..
انتشرت عناكب غريبة في
القاعة ..كان يسمع صرخات شخوصه ..و.كانت جتثه الصامتة تكمل كتابة النص
!
تعقيب
أخي الكريم جبران
قصتك هذه كتبت بأسلوب مبتكر ، من حيث الشكل و المضمون ، و قد جسدت
شخوصها و جعلتهم ينطقون بما يستشعرون من مخاطر تلاعب الكاتب بهم و
سيطرته عليهم ، ضاق بهم البيت الذي يسكنون فيه ، ضاقوا ذرعا بتحكم
الكاتب بهم من خلاله ، عششت فيه الأفكار كالعناكب تتلمس صيدها من خلال
خيوط شبكتها ، ثم " قد اجتمعوا في هذا البيت ،
لانهم تواعدوا على اللقاء فيه منذ خمسة عشر سنة "
صور جميلة تتابعت بحرفية مبهرة
أهنئك أخي جبران و إلى الأمام
نزار