الكابوس
قصة بقلم :أهلا قطان
ahalkattan
أشرعة
عقارب
ساعته تقترب من الثانية صباحا وهو لا يزال واقفا على كورنيش الإسكندرية مستندا
على سيارته المتواضعة ، وقد تطلع ببصره إلى اللاشئ في ذلك الفضاء اللانهائي حيث
تلتقي تلك السماء الملبدة بالغيوم مع أمواج البحر الغاضبة في خط أفقي كأنه يفصل
بين عالم الواقع و عالم المجهول .
و على الرغم من برودة الجو في تلك الليلة من ليالي الشتاء ؛ إلا أنه كان يغيب
عن الإحساس بذلك في بئر من الأفكار السوداء التي ملكت عليه كل جوارحه . فلم تكن
تلك هي المرة الأولى التي يفزعه فيها ذلك الحلم الذي أطار النوم من عينيه و
خلفه غريقا في بحار الحيرة . لقد رآه هو نفسه بتفاصيله القذرة منذ شهرين تقريبا
إلا أنه لم يعره انتباها حينها أما أن يتكرر نفس الحلم بنفس التفاصيل فماذا
يعني ذلك ؟ . ترى هل هو مجرد هواجس نفس ؟ أم أن للحقيقة نصيب فيه ؟ هل بالفعل
أن زوجته التي أحبها بكل كيانه و آثرها حتى على أهله و عشيرته تلقي بذلك كله
وراء ظهرها و تقع في حبائل الخطيئة ؟ و مع من ؟ مع رفيق طفولته و صديق شبابه .
ذلك الذي فتح له باب بيته على مصراعيه ليدخل و يخرج كيف يشاء وقتما يشاء.
لا.. لا .. لابد أنه شيطان أثيم يريد أن ينغص عليه هدوء حياته و يقوض أركان ذلك
البيت الذي أسسه هو وزوجته على الحب و التفاهم . ولكن ربما كان الملل و الوحدة
قد دفعاها لذلك . فقد مضي من عمر ذلك الزواج ستة أعوام و لم يقدر الله لهما
خلالها الذرية . كذلك فإنها لا تعمل و هي منطوية على نفسها إلى حد أنه لا يكاد
يعرف لها صديقات تلجأ إليهن لتبوح لهن بمتاعب الحياة كعادة النساء .
حتى وإن مالت هي فصديقه لا يمكن أن يميل ، إن ما يربط بينه و بين صديقه من
روابط أكبر من أن تلوثها غدرة مثل هذه . ولكنه بشر و هي شابة وجميلة .
نعم .. و إلا فلماذا كانت تبكي أحيانا و بدون سبب و هما في قمة لحظات السعادة
الزوجية . وعندما كان يسألها عن ذلك كانت تتعلل بأنها تخشى أن تحرمها الأيام من
تلك السعادة ، لابد أنها في تلك اللحظات كانت تؤنب نفسها وتندم على ما قد بدر
منها من خيانة لذلك القلب الطيب الذي احتواها بكل حنانه و تضحياته .
بدأت السماء تقذفه ببعض القطرات لتكتمل سيمفونية العذاب بداخله . بينما ارتفع
صوت ارتطام أمواج البحر بتلك الأحجار الكبيرة التي تناثرت على الشاطئ ليعلن عن
ثورة قادمة .
لماذا كانت ترفض الحضور معه إلى الإسكندرية في رحلات عمله و تفضل البقاء وحدها
في شقة الزوجية بالقاهرة حتى أنها كانت ترفض الذهاب للمبيت مع أمه في بيتها ،
لابد أنها كانت تتحين تلك اللحظات لتنفرد بذلك الذئب في منأى عن نظره و سمعه .
لابد أنهما قد ضحكا كثيرا على سذاجته ، ترى كم مرة ارتمت في أحضان عاشقها على
نفس سرير نومهما ؟ .
اشتد هطول المطر عليه فأفاق من أحزانه ، التفت يمنة و يسرة فلم يكن حوله كائن
حي . اللهم إلا ذلك الشبح الضئيل الأسود الذي لمعت عيناه الزرقاوتان في ظل
السيارة وقد وقف ليحتمي بها من قذائف السماء ، تمنى لو أنه هو ذلك القط البائس
، حتى و إن جارت عليه الليالي الباردة ، و إن قسا عليه الجوع ، إلا أنه ليس
بإمكانه أن يتجرع مرارة الخيانة أو يمنعه وازع من ضمير أو بقية لفضيلة من
الانتقام لكرامته الذبيحة .
فتح باب السيارة ودخل فيها محتميا من الأمطار ومن صوت ذلك الرعد الذي ملأ سكون
الليل ضجيجا . حدث نفسه : " ماذا عساها تفعل الآن ؟ هل هي نائمة ؟ أم أنها تفكر
بي و أشغل بالها كما أقضت هي مضجعي ؟ و ربما تكون الآن غارقة في لذتها الآثمة
وقد أتاح لها سفري فرصة كبرى لخيانة جديدة " .
بلا شعور امتدت يده إلى المقعد المجاور حيث كان قد وضع هاتفه الخلوي ، أمسك به
و قام بفتحه ، أسرعت أنامله بالضغط على أزرار حفظتها . على الطرف الآخر سمع صوت
الجرس مرة … مرتين … ارتفعت السماعة هناك . فغر فاه من هول ما سمع . بلا وعي
أدار محرك السيارة و انطلق كالمجنون يطوي طريق الإسكندرية _ القاهرة طيا . لقد
كان صوته .. إنه هو .. صديقه .. يجيب عليه من شقة الزوجية .. وقد تجاوزت الساعة
الثانية و النصف صباحا .. " لقد اتضح الأمر جليا ولا يحتمل التأويل .. يا
لجرأته .. و بكل وقاحة يجيب هو على الهاتف و كأن البيت بيته .. هذه الخائنة ..
سوف أقتلها .. " .
لم يدر كم مر عليه من الوقت حتى وجد نفسه واقفا أمام البيت الذي يحتل منه
الطابق الثالث . هبط من سيارته . تطلع إلى الأعلى حيث تظهر نافذة غرفة النوم .
الأنوار مضاءة ، إذا فهو لا يزال موجودا ، اتجه مباشرة إلى السلم ، شعر أن قواه
بدأت تنهار ، ترى على أي وضع سوف يجد زوجته ، لقد صعد هذا السلم مرارا إلا أنها
المرة الأولى التي يشعر فيها أنه يسكن بعيدا جدا عن الأرض . هل يصيح و يجمع
الجيران ليكونوا شهودا على تلك الفضيحة ؟ شعر أن وزنه قد أصبح أطنانا و أن
قدماه تعجزان عن حمله . ما أطولك من سلم !
اقترب من باب شقته رويدا . وجد الباب مفتوحا ، لا بل مكسورا ، نظر إلى الداخل .
ثم … ثم اختلطت في عينيه الصور وتصارعت الشخوص . بعض الجيران منهم من يقف في
الردهة ومنهم من يقف عند غرفة النوم ومنهم من اقتحم الغرفة بالفعل ، ضابط شرطة
و معه بعض الجنود . سمع صوت نهنهة مصدرها غرفة النوم . هناك … صديق عمره يقف
إلى جوار السرير . طبيب . أمه تجلس على أحد جانبي السرير و على الجانب الآخر
وجد زوجته ممدة بثياب النوم إلا أنها كانت شاحبة فوق العادة و قد ازرقت شفتاها
. إلى جوارها وجد بعض من صور زفافهما و قد تساقطت عليها بعض دموع أمه . تقدم
إليه صديقه هوينا قائلا : " كان حادثا ، يبدو أنها نسيت شيئا ما على الموقد
الغازي فتسبب فورانه في إطفاء الموقد وانتشار الغاز ، اشتم الجيران رائحة الغاز
فأبلغوا الشرطة ، حاولنا الاتصال بك إلا أن هاتفك كان مغلقا ، البقية في حياتك
" .