|

عن
فضاءات
رغبة ملحّة تملّكتني
وجعلتني أتوقف مرّة ثانية ، نظرت حولي ، لا أحد يعرفني ، سأفعلها إذاً ! ألم
يكن ذلك من أهم أحلام طفولتي ؟ لطالما توقفت أمام ذات السور الحديدي ، كان
الأولاد يأتون والفرحة تملأ وجوههم ، يجتازون المدخل بثقة ، يشترون البطاقات ،
وينطلقون للّعب ، بينما أبقى في الخارج في المكان نفسه الذي أنظر منه الآن ،
أراقبهم يركبون (الدوّيخة) ، والسيارات الكهربائية ، والدوّارة الكبيرة
(القلابة) التي تبدأ مقصوراتها بالارتفاع بهم ، أذكر الآن كيف لوّح لي أحدهم من
أعلى نقطة ، ورمى بورقة صغيرة وصاح بأعلى صوته :
ـ التقطِ البطاقة ! وتطير تلك البطاقة مبتعدة ، وكأن الهواء ملّ السكون في تلك
اللحظة بالذات ، أركض وأركض ، والبطاقة تختفي تدريجياً ، ويتلاشى معها حلمي
الصغير . إذاً هل أنفذ الآن ـ وبعد كل تلك السنوات ـ حلم طفولتي ؟ اقتربت من
المدخل بتهيّب ، تحسست ورقة النقود الأخيرة في جيبي ، وأمام نافذة البيع وقفت ،
اشتريت عشر بطاقات دفعة واحدة ! سألني الموظّف بتلقائية :
ـ أين الأولاد ؟ أخذتُ البطاقات دون أن أرد ! فكّرت قليلاً :
ـ أكيد لن أتزحلق على (الزحليطة) ، ولن أركب (الدويخة) أو السيارات الكهربائية
، بهدوء اقتربت من (القلابة) الكبيرة ، سألت الموظّف المسؤول عن الصعود إليها :
ـ هل هي آمنة ؟ أجاب بثقة :
ـ نعم طبعاً ، ولكن أين الأولاد ؟ . أجبته :
ـ سأجربها أوّلاً ! أعطيته البطاقة وصعدت ، وبعد قليل كانت الدوّارة تدور .
المقعد يهتزّ ويرتفع ، والطفل في داخلي يصرخ :
ـ (هيلا هوب) . وراكبو المقصورات الأخرى ينظرون إليّ بفضول .. أردُّ بابتسامة
بهيجة ، المقصورة ترتفع وقلبي يخفق بشدّة ، هكذا كانوا يشعرون إذاً ؟ يا للعبة
الممتعة ! مقصورتي أصبحت في الذروة ، نسمة منعشة تتخلل شعري ، وتداعب وجنتيّ ،
فجأة ! سمعت صوتاً غريباً توقفت بعده الدوارة عن الدوران .. سمعت صراخاً من
باقي المقصورات ، نظرت للأسفل فرأيت بعض العمال يتراكضون ويصيحون :
ـ أحضروا المصلِّح ..الميكانيكي .. لقد تعطّلت الدوارة ! تأرجحتْ مقصورتي بسبب
التوقف المفاجئ ، ثم هدأتْ تماماً ، أجلتُ النظر .. كان المنظر رائعاً ، من هذا
الارتفاع أشرف على المدينة بكاملها ، أنا في الأعلى والبقية في الأسفل ، سرّني
هذا الشعور ، نظرت إلى الأسفل فرأيت حشداً من الناس ينظرون إلى الأعلى ، تماماً
كما كنت أفعل وأنا طفل ! أسرّيت لنفسي :
ـ أتمنى أن لا يستطيع أحد إصلاح (القلابة) ! نظرتُ ثانيةً .. يا إلهي كأنني أرى
وجوهاً أعرفها .. نعم هاهم رفاق الطفولة أمسكت بالبطاقات وبدأت أرميها ..
ـ هيا خذوا .. إليكم البطاقات ! رأيتهم يركضون خلفها في شتى الاتجاهات ، هتفت :
ـ أنا الآن فوق وأنتم تحت ألا ترون ؟ وأخذت أهزّ المقصورة وأغني :
ـ (يا ولاد محارب يويو شدوا القوالب يويو) سمعت صراخاً من الأسفل :
ـ لا تهزّوا المقصورات والزموا أماكنكم . لكنني كنت مستغرقاً جـداً :
ـ (طيارة طارت بالجو فيها عسكر فيها ضو) .. عادت الأصوات من جديد :
ـ لا تهزّوا ! نظرت إليهم مرة أخرى وفكّرت :
ـ وليكن ، ماذا يستطيعون أن يفعلوا ؟ أنا فوق وهم تحت ، نعم هم تحت وأنا فوق !
أكانوا يرونني صغيراً كما أراهم من هذا الارتفاع ؟ .. يا ولاد محارب .. وفي
لحظة بائسة بالنسبة لي أعلن الميكانيكي انتهاء الإصلاح ، دارت الدوارة وابتدأت
مقصورتي تنحدر للأسفل ، بينما كان المشرف الفنّي يصرّح بسعادة :
ـ لقد أصلحنا العطل وعاد كل شيء إلى وضعه الطبيعي ! |