
شعر عمودي :
بثينة العيسى
.
محاولة مضحكة لتقويض خرافة
!

(1)
لقد جرى العرفُ
في الأوساط الثقافية
في المنتديات، والأسواق، والمقاهي
وحتى في سوق الخضارْ
..
أقولُ، لقد جرى العرفُ
بالاعتقاد
بأن القصيدة .. كائنٌ جميلْ!
واضحٌ، أن أياً من هؤلاء
..
لا يعرف عما يتحدّث
أو لم يجرّب
- حقيقةً
-
أن يكتب قصيدة
..
..
أن يحترق
في أتونها
ويشم رائحة جلده
مشوياً
..
أن يكتوي
بالأسيد الفوّار
يتصاعدُ
من مسامها
..
قوامه كثيف
وصفرته لا تحتملْ
أن يتنشق
رائحة لحمه الحيّ
مطبوخاً ومقدداً
على الطريقة الشعرية!
(2)
تعالوا أعرّفكم
على هذا الكائن الجميل
الجميل جدلاً
..
البديع دجلاً!
انزلوا قليلاً
..
عن عتباتِ الأجوبةِ
الجاهزة
والافتراضات المعلّبة
وجثث الأسئلة
المركومة
في أطرافِ الحقيقة
جربوا الآن
أن تدخلوا ذبابة
..
من فتحاتِ آذانكم
أو من ثقوب
أنوفكم
..
جربوا
..
أن تقضوا الليل بطولهِ
تضربون رؤوسكم بالجدارِ
مرّة
بعد مرّة
بعد مرّة
..
عبثاً تحاولونْ.
الذبابة لن تخرج
ورؤوسكم - أيضاً - لن تنفجر
الذبابة داخل رؤوسكم
هي القصيدة
..
طنينها الكريه
شعرٌ محض
وهذا، برأيي، مثالٌ واضحٌ جداً!
(3)
تخيلوا
..
غرفة الولادة
كلنا نعرفُ غرفة الولادة
فنحن إما والداتْ
أو مواليد
..
تتذكرون المقصّ؟
تتذكرون أجهزة مراقبة نبض القلب؟
تتذكرون القفازات النايلون
خضراء اللون؟
تتذكرون الرعب الأبيض؟
لنكن أكثر وضوحاً
..
تتذكرون حشرجة الخلق الجديد؟
صرخة الميلاد
..
تنبثق من بطنِ الوجود
تفلق العالم
..
إلى أرضٍ، وسماء؟
تتذكرون دموع البدايات
والانقذاف في الوجود؟
الغربة الأولى؟
الرّعب القديم؟
هذا، مثالٌ آخر
واضحٌ جداً، رغم ابتذاله!
(4)
تخيلوا، أو تذكروا
ذلك المنفى
..
طعم الهواء الغريبُ شديد الإيلامِ
يعبئ صدوركم
هذا المنفى
أسوأ من جميع المنافي
لأنه ليس مكاناً
ويقع خارج الزمن
لا يسعك
أن تدشن في فراغِ ما
عشاً
أو قبراً
..
لا يمكنك أن تلتقي فيه بآخرين
فهذا المنفى - على ما يبدو - مصمم لك أنت
ليس فيه شوارع
أو زنازين
أو صيدليات
أو مقاهي
وبالتالي
..
أنت تائه على الدوام
معلق في الفراغ
بخيطٍ رفيع
ترفسُ بقدميكَ
تلوّح بيديكَ
وروحك مجذوبةٌ إلى أعلى
وجسدكَ
كومةٌ من الورق
في سلة مهملات
..
(5)
القصيدة زائرٌ ثقيل
في الوقتِ الخطأ
..
عندما تريدُ أن تنام،
في حفلة تخرج ابنتك
في عيادةِ طبيب الأسنان
في لحظةِ عقد قرانك
وأنت تمسك بإجاصةٍ في سوق الخضار
..
تخيّل أنك تجلسُ على طاولة
في أكثر المطاعم رقياً
يدك بيدِ محبوبك
والليلُ في أوله
زنبقة بيضاء ممشوقةٌ
تتمدد على الطاولة
وللهواء عبقٌ يشتهى
وللعيونِ شجون
..
ثمّ
..
تعتذر فجأة
تقفز من مقعدك
تركض إلى الحمام
تدفعُ عجوزاً من أمامك
يظنّ الجميع بأن فيروس البطن
قد عاودك ثانيةً
أنت في كابينة الحمام العمومي
جالسٌ على المرحاض
تخرجُ من جيبك
ورقة وقلماً
(
تضعهما هناك تحسباً للطوارئ!
)
تكتب سطراً
تكتبُ بحراً
أو حتى
كلمة واحدة
وأحياناً
ضمة أو سكون
توثق جنونك العارض
قبل أن يفرّ من بين أصابعك
وبعد أن تنتهي
تخرجُ من الحمام
..
لتجد أن الطاولات كلها فارغة
محبوبك
الذي سئم من الانتظار
رحل أيضاً
ونادلٌ يكاد يموت من النعاس
ينتظرك عند الباب
حتى يسعه إقفال المطعم
هذا مثالٌ واضحٌ عن قدرة القصيدة
على تدمير حياتك!
(6)
جرّب
أن تعاند القصيدة
لحظة تداهمك
جرّب
أن تأخذ قراراً
بأن لا تكتب
بأن لا تكون شاعراً
بأن تكف
عن كونك شاعراً
عن كونك
أنت
..
أن تسبحَ ضد التيار
مثل سمكة سلمون وحيدة
..
أن تلصق أجفانك اليقظة
بصمغٍ لا يقهر
حتى ترغم نفسك على النومْ
أن يهتز بدنك
رفضاً
وأنتَ، تأخذه إلى جلسة " يوغا " مثلاً
..
أن يحدثك الجميعْ
وأنتَ لا تسمع إلا موسيقى الغواية
تشدك من أذنيك
إلى قصيدةٍ أخرى
جرّب
أن لا تكتب تلك القصيدة
تلك الزائرة ثقيلة الظل
قليلة التهذيب
التي تنزع منك عالمك
تحبسك في فقاعة
تستأثرُ بك
..
جرّب أن تعاند تلك القصيدة
أن تتشابك معها بالأيدي
تغلبها أو تغلبك
(
هل خطر لك حقاً أنك ستغلبها مثلاً ؟
)
ستطرحك أرضاً
قابضاً على رأسك بيديك
وحروف القصيدة
حشراتٍ طائرة
نحل، دبابير، ذباب، وأحياناً عثّ
..
كلها، ترتطم بقضبان الصدرِ
أزيزها لا يحتمل
ستخرجُ القصيدة من فمك
من أنفك، من عينيك
ستنزفُ القصيدة التي لم تكتبها
موتاً
..
سيعثر عليك الآخرون بعد حين
الدم يتفجر من وجهك
سيقولون
شهيدٌ آخر للشعر
عثرنا عليه ميتاً
في غرفةٍ مظلمة
بعد أربعة أيام من ساعة الوفاة
(7)
القصيدة حدّ السكين
القصيدة بكاءٌ مجفف
القصيدة حشرجة العجوز
القصيدة قنبلة فسفورية
القصيدة زنزانة من هواء
القصيدة
..
تجرأتُ مرة
ورفعتُ عيني إلى وجهها
صدقوني
..
لم تكن جميلة!

بثينة العيسى
- الكويت
Bothyna@hotmial.com