مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 القسمة على كسر

 قصة بقلم : زينب حبش

http://www.zeinab-habash.ws

أصدقاء القصة السورية

 

وضعت كتابي ودفتري في كيس من الورق ، وانطلقت إلى بيت الأستاذ خيري .

كان الطقس حاراً . ومع هذا ، فالأزقة كانت لا تخلو من المياه العادمة التي تقذفها ربات البيوت أمام بيوتهن. زلّت قدمي . كدت أسقط على ظهري ، ولكن حمداً لله. أمسكت بصخرة كبيرة كانت وحدها تتصدّى لسيارات الجيش.

رحت أتفحص الشارع. ماذا؟ هل الناس كلهم يقبعون في بيوتهم؟؟ ثم تساءلت: هل سأجد الأستاذ خيري؟؟ وهل سيفسر لي درس القسمة؟ أم أنه نائم من شدة الحرّ في هذا الوقت؟؟

أحسست بالندم. كان عليّ أن أنتظر حتى المساء. فكرت بالعودة الى بيتي. ولكن شيئاً ما دفعني، فمضيت في طريقي.

حطّت على أنفي ذبابة. طردتها، فعادت. هززت رأسي. ولكنها بدلاً من أن تطير استقرت على جبيني. لطمتها بكفي. قتلتها. شعرت بالتقزز. أخرجت منديلي ومسحت به جبيني. شعرت ببعض الارتياح. كان العرق ينساب على وجهي. مضيت، وراحت عيناي ترقبان كل حركة. كان السكون يملأ الشارع. تساءلت: هل هو إضراب شامل؟؟ أم حظر تجول؟؟ الغريب أنه لم يكن هذا ولا ذاك. فلماذا هذا السكون القاتل؟! قررت أن أقفز وأغني لأسلي نفسي.

بيت الأستاذ خيري يقع في آخر الشارع. والمسافة لا زالت كبيرة. ماذا أغني؟؟ ماذا أغني؟؟

حاولت أن أبدأ بأغنية تنسيني الحرّ والتعب. فإذا بشفتيّ تتمتمان " بدي أظلني ماشي …  وبإيدي رشاشي"

رحت أكررها مرة إثر مرّة .اتسعت خطواتي وأسرعت على إيقاع النغم.

تخيلت في تلك اللحظات أنني فدائي يرتدي الزي المرقط ويحمل بندقية الكلاشينكوف.

وفجأة صحوت من أحلامي على صوت جندي يصرخ في وجهي:

بوينا، بوينا!

أدركت من حركة يده أنه يناديني.

تجمدت في مكاني .

صاح مرة ثانية وهو يشير الى الكيس الذي أحمل فيه كتابي ودفتري.

ما زيه؟؟

أيقنت عندئذ أنني في ورطة. قلت متمتماً: لا شيء.

نزل من سيارة الدورية، أمسك بالكيس، وأخرج منه الكتاب والدفتر. صاح منتصراً. ثم قال بالعربية المكسرة:

وين أنت بروخ؟؟

قلت منفعلاً: أنا ؟؟

كشر ثم قال بامتعاض: ولا أنا؟!

فكرت: هل أقول له الحقيقة؟؟

لا.

انهم يطاردون كل من يقوم بالتعليم الشعبي. لا يا أستاذ خيري. لن أتفوه باسمك. نظرت إلى الجندي وقد فقد صبره وعاد الى الصراخ.

قلت لك وين إنت بروخ؟!

إنني عائد الى بيتنا. قلت وقد انشرح صدري.

فعاد يسأل بخبث:

وين كنت؟

يا إلهي؟! لم يخطر لي مثل هذا السؤال. أين كنت؟ ماذا أقول له؟؟

ثم برقت لي فكرة فقلت على الفور:

كنت في دار أختي.

ولماذا تحمل هذا ال…

وأخذ على الفور يمزقها إربا إربا.

نظرت إلى يديه بذهول. وبلا إرادة رحت أعدّ المرّات التي مزق فيها الكتاب والدفتر.

في المرة الأولى قسمها نصفين. ثم قسم كل قسم الى قسمين آخرين ياإلهي؟!

هل هذا هو درس القسمة؟!

قلت بصوت عالٍ: في المرة الأولى قسم الواحد الى نصفين. وفي المرة الثانية قسم كل نصف الى قسمين، فصار الواحد أربعة.

رحت أفكر:

لماذا كلما قسمنا الواحد الى أنصاف يزيد العدد؟؟

انتبهت على شتائم الجندي وهو يلقي بالأوراق الممزقة على الأرض. نزلت الدموع من عينيّ. شعرت بأنه قد مزقني. نظرت إليه بكراهية شديدة. فنهرني صائحاً:

روخ بيتك.

جررت قدميّ ببطء والعرق يتصبب على وجهي ورقبتي. ولما ابتعدت قليلاً، أسلمت ساقيّ للريح. حفظت وجه ذلك الجندي ورسمته في ذاكرتي. قلت مهدئاً نفسي:

لن أنساك وسأعرف كيف أمزق وجهك كما مزقت كتابي.

حين عدت الى البيت، سألتني أمي عن كتبي. فقلت لها إنني قد تركتها عند الأستاذ خيري خوفا من الدورية.

حسنا فعلت قالت أمي. ثم استطردت، ليغضب الله عليهم.  ما لهؤلاء الجنود والأطفال؟؟ ألا يكفيهم أنهم يحرمونهم من نعمة العلم؟؟ ألا يكفيهم إغلاق المدارس؟؟ فلماذا يترصدونهم في الشوارع؟؟ ثم رفعت كفيها الى السماء مبتهلة!

" حسبي الله ونعم الوكيل". ثم عضت شفتيها بغيظ:

" إلهي تفرجينا فيهم يوم"

تساءلت وأنا أتأمل أمي:

ماذا كانت ستقول لو أخبرتها بما فعله الجندي؟!

ظلت الصورة التي مزق بها الجندي كتابي ودفتري ماثلة أمام عينيّ فاشتد حقدي عليه.

وفجأة لمعت في ذهني فكرة. تناولت حقيبة كتبي وأخرجت منها دفتر المسودات. فتحته عند منتصفه، ونزعت منها ورقتين متلاصقتين. فردتهما فإذا بهما ورقة طويلة. أمسكت بها وثنيتها بأطراف أصابعي ضغطت على الثنية بإبهامي وسبابتي. فردتها من جديد وقلت:

هذا واحد، سأقسمه الى نصفين. مزقت الورقة ببطء وحرص شديدين وحين انتهيت سجلت على صفحة جديدة في الدفتر :

1÷1/2 = 2

عدت إلى إحدى الورقتين. طويتها بيدي مرتين متساويتين، قسمتها بنفس الطريقة الى ثلاثة اقسم متساوية . سجلت على الدفتر:

1÷1/3=3

وبنفس الطريقة، قسمت الورقة الثانية الى أربعة اقسم متساوية،ثم سجلت:

1÷1/4= 4

أعجبتني اللعبة، وفي كل مرة كنت أقسم الورقة الى أجزاء أصغر فأصغر، فتكون النتيجة عددًا صحيحاً أكبر.

عدت أتساءل:

لماذا كلما صغرت قيمة الكسر المقسوم عليه، تكون النتيجة عدداً أكبر؟؟

وحين تذكرت وجه الجندي، خطر لي شيء أضحكني.

ماذا لو قسمت زجاج سيارته على واحد من ألف؟؟ لا. بل على واحد من مليون؟؟ هل ستتناثر مليون قطعة صغيرة على وجهه ويديه؟؟

ثم ضحكت ضحكة عالية وقد اختلطت أمام عينيّ قطع الزجاج بالأوراق الممزقة من دفتري وكتابي.

 

لم أصدق أذني حين سمعت بأن المدارس ستفتح في بداية الأسبوع القادم.

قال المذيع: شريطة أن تلتزم المدارس بالهدوء، ويُمنع الطلاب من إلقاء الحجارة على سيارات الجيش.

رقصت من الفرح. المهم أن تفتح المدرسة.

 

استيقظت في الصباح الباكر. ارتديت ملابسي. عدت وتفقدت كتبي للمرة العاشرة. كلها موجودة باستثناء كتاب الحساب.

لا بأس سأستعير كتاب صديقي محمود.

طرت الى المدرسة، وأنا أزقزق كالعصافير من شدة الفرح.

وعند الباب، كان المدير يقف حاثاً التلاميذ على دخول المدرسة بسرعة قبل وصول سيارات الدورية.

وفجأة، رأيتني وجهاً لوجه مع الجندي الذي مزّق كتابي.

تسمّرت. لعله لم يعرفني، فلم يعرني أي انتباه. سمعت المدير يناديني: هيا.. هيا يا علي.

تأملت الجندي مرة ثانية تأكدت . إنه هو. قلت في نفسي. راح المدير يحثني على الدخول بسرعة هيا.. هيا.

نظرت إلى المدير نظرة رجاء: أرجوك. ثم رأيتني أنقض فجأة على أقرب حجر أمامي. كانت سيارة الدورية تتحرك ببطء . صاح المدير غاضباً: هيا .. هيا يا ولد.

توسلت إليه: هذه المرة فقط ، فقط يا أستاذ.

لحقت بالسيارة، وبكل ما أوتيت من قوة، قذفت الزجاج بالحجر.

 

زينب هباش - فلسطين *

http://www.zeinab-habash.ws

http://www.postpoems.com/members/zenab