.

الأدب 1/E

ضيوف "العربي الحر"

قراءات و دراسات أدبية

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

*****

القدسُ وحبيبتي و مِحبَرَةٌ تنتَحِب     

   قراءة أدبية

زياد جيوسي*

-1-

 

      ما زالت القدس محرمة علينا نحن أبناءها ، نحن الحالمون بالحرية للقدس والوطن، فلا أمتلك إلا أن أطل عليها من التلال المطلة من بعيد، أرافق روحك معي، روحكِ التي لا تفارقني كما الوطن، أنظر من البعيد، الحزن يسدل نفسه على روحي (مثل ليل.. يطوي عباءته، ليسدل النهار)، فأهمس في أذنكِ (كلمات في رذاذ المطر)، لكنها كما أرواحنا، أنتِ.. أنا (تحلم بليل لا يعرف الانكسار)، فأنا في رحلةِ العشق والوطن (مثل ليل.. أدمن الصمت، وما.. مل الانتظار..)، وما زلت أنتظر الموج لأهمس لكِ (هاهو الموج!.. يثمل من عيون الحلم، ودموع النهار).

   أيا قدس.. أناديها كما أناديكِ، فقد طال الغياب بيننا، أنتِ في ظلِ البعادِ، والقدس في ظل الأسر، لكنني أحلم باللقاء، فأنا لست من (راح يهذي، في لحظة الفراق)، وسألتقيك من جديد، كما سألتقي القدس أنا الذي سوف يأتي (حاملاً كفيه وسط جسر مترنح)، لكني أبداً لن أكون أنا من يأتي (قابضاً أوراقه، جواز سفر، تأشيرة عبور، وجسداً فارغاً إلا من الضياع.. )، فأنا الذي أقسمت أن أعود (محملاً بهاجس اللقاء..)، كي نبسم أنتِ وأنا و(نكتب أبجدية الأبد..).

   أقف على تلك التلال التي تطل على القدسِ من البعيد، فقد (عادَ التتارُ بمنجنيقاتٍ)،  أنظر الأقصى وهو (يحاصره الجدار) وحراب الجند، فأشعر أن جسدي تشظى (وذاب بين حجرٍ وطينٍ)؛ لكني ما زلت أؤمن أنه (سيولد نهارٌ جديدٌ على مرايا جسدها الصوفي)، رغم الاحتلال الذي أتى (على طاولة مشروخةٍ.. رمى ثوب الحضارة) و(راح يبتكر الغواية) واخترع أسطورة أرض الميعاد، فهو يعلم أن الأرض مقدسة و(لا بد من ثَمالةٍ خرافيةٍ تراوده خلف المكان)، فلا يريدها (تُخْرُج كل صباحٍ من جعبتها حزناً)، ولا يريد أن يراها (تقطف أغصان النهرِ)، ويريدها فقط أن تتغير (وتدورُ كما الرأس في الخمرِ)، كي (يغرقُ البنفسجُ بحلكته بينما الماء ينسربُ من شرفة الغياب)، فهو احتلال (خلفَ صدرهِ يخفي ما تبقى من نهار).

   ما زلتِ الحب الذي يرافقني رغم أن (سنوات تعبر والليل يطوفُ الذاكرة)، فلا يمكنني إلا أن أحلم بك من البعيد و(أطوي غربتي في رائحةِ الجرح)، ولا أرى في هذا اليوم الذي يعني لي الكثير إلا (الصباح.. تتناهبه الأشباح)، وأرى أنه (لا يزال الباب موصداً والنوافذُ تُحركُ غبارها بالسكونِ)، وأراك المرأة التي (تقف خلفَ البابِ أو تتهشم أظافرها من الطرْق)، وأشعر بك الأنثى التي تكاد تتفجر من براكين مكتومة في داخلها، لا تقدر على المقاومة (وفي المساءِ تلفظُ أنفاسها)؛ فأغمض عينيّ وأناديكِ (فيباغتُني الحُلم) و(نجوب معاً شوارع المطر).

   أيا قدس التي (تحتضن الأنثى وجهك)، أما زالت (الشوارع مكتظة بالمارة)، رغم السنوات التي تجري (والذاكرةُ على السبورةِ)، أغمضُ العينين وأتذكر باب الزاهرة الذي كنت أعبره طفلاً فأتخيل الآن ما (يعانيه الأصدقاءُ كل ليلٍ)، قلق وألم و(ربما موتٌ بطيءٌ)، فتلتف روحي حول البوابات المغلقة في وجهي (والرأسُ مثقلة بأنينِ السنين)، وأرى أنني من يحمل (بين كفَّي نعشاً لجمجُمةٍ وجسدٍ)، فتصر روحي أن تجول باب العامود وباب الأسباط وباب المغاربة وباب النبي داود وباب الخليل والباب الجديد، وأقف (أنتظر صباحاً آخر)، فربما يأتي الفجر ويضمني، فأضم يدكِ ليدي وأركض (لأعانقَ الهواءَ والمارةَ والنافذة)، ونسير معاً في سوق خان باب الزيت، ومنه نجول الأحياء المقدسية لعلي أتمكن من أن أعيد النقاء للبلور الثلجي الأبيض، بعد أن لوثته بقع زرقاء وسوداء، ومعك حبيبتي سأرى أن القدس (لها رائحة الأرضِ في الطين، ووجه ممزوجٌ بشمالِ الأرضِ وجنوبِ البحر).

   تعالي لنحلق رغم الجندِ ورغم الأسلاك الشائكة في فضاء القدس، فأنا من (يشدني الدفءُ إلى أحضانِ طيفك) كي (أغفو بسلام)، فنصلي في الأقصى ونشعل الشموع في القيامة، وفي المسجد العمري نترحم على عُمر، فلا أحد حافظ على عهدته، ونحلم بغضبٍ ساطع آت (فيضج الحُلمُ بطفلٍ يعانق الشجر، يحتضن الأغصانَ)، فأمسك يدك لنسير في طريق الآلام كأننا (جسدٌ يترنحُ في ذاكرة المطر)، ونجتاز عقبة التقية وعقبة الخالدية، ونجول حارات السعدية والنصارى وباب حطة، وحي المغاربة الذي هدموه على رؤوس صحبه، ليقيموا لأنفسهم هياكل (على أكتاف نساءٍ نَسينَ أنوثتهُنّ)، وهم يعلمون أنه سيأتي اليوم الذي نصرخ فيه: (لنا البحرُ في زرقته ولكم السفنُ حين تشتعلُ الشواطئ).

   كوني معي فهذا اليوم لي، عودي كما كنتِ (طفلة تلهو مع الرملِ، فتَكسَّر زَبَدُ البحر)، ودعيها (تتغلغلُ الأصابعُ _ الطفلةُ إلى نبضِ الحُلمِ _ البحر)، فما زالت على شفتيكِ (تنكسرُ الأحرفُ مبللة بالأرجوان)، وما زلت أرى في (وجهكِ بنفسجاً يتيه في حقولِ البيلسان)، ولا أحلم مثلهم بسلامٍ لا يأتي، فما زال هناك (ثمة من يلهثُ في الصحراءِ وراء الغبار)، ولا يريد أن يعلم أن الاحتلال كان دوماً (سارقَ الأحلام)، ولا يرى أن (العتمة تخنقُ الليلَ في مهدهِ)؛ فتعالي.. (لعلي أستحمُّ، أنامُ وأغرقُ في ثُمالةِ الأنثى التي تتقاذفها أمواجُك).

 

 -2-

 

   ما زالت القدس محرمة علينا نحن أبناءها، نحن الحالمون بالحرية للقدس والوطن، فلا أمتلك إلا أن أطل عليها من التلال المطلة من بعيد، أرافق روحك معي، روحكِ التي لا تفارقني كما الوطن، أنظر من البعيد، الحزن يسدل نفسه على روحي (مثل ليل.. يطوي عباءته، ليسدل النهار)، فأهمس في أذنكِ (كلمات في رذاذ المطر)، لكنها كما أرواحنا، أنتِ.. أنا (تحلم بليل لا يعرف الانكسار)، فأنا في رحلةِ العشق والوطن (مثل ليل.. أدمن الصمت، وما.. مل الانتظار..)، وما زلت أنتظر الموج لأهمس لكِ (هاهو الموج!.. يثمل من عيون الحلم، ودموع النهار).

   أيا قدس.. أناديها كما أناديكِ، فقد طال الغياب بيننا، أنتِ في ظلِ البعادِ، والقدس في ظل الأسر، لكنني أحلم باللقاء، فأنا لست من (راح يهذي، في لحظة الفراق)، وسألتقيك من جديد، كما سألتقي القدس أنا الذي سوف يأتي (حاملاً كفيه وسط جسر مترنح)، لكني أبداً لن أكون أنا من يأتي (قابضاً أوراقه، جواز سفر، تأشيرة عبور، وجسداً فارغاً إلا من الضياع.. )، فأنا الذي أقسمت أن أعود (محملاً بهاجس اللقاء..)، كي نبسم أنتِ وأنا و(نكتب أبجدية الأبد..).

    أقف على تلك التلال التي تطل على القدسِ من البعيد، فقد (عادَ التتارُ بمنجنيقاتٍ)،  أنظر الأقصى وهو (يحاصره الجدار) وحراب الجند، فأشعر أن جسدي تشظى (وذاب بين حجرٍ وطينٍ)؛ لكني ما زلت أؤمن أنه (سيولد نهارٌ جديدٌ على مرايا جسدها الصوفي)، رغم الاحتلال الذي أتى (على طاولة مشروخةٍ.. رمى ثوب الحضارة) و(راح يبتكر الغواية) واخترع أسطورة أرض الميعاد، فهو يعلم أن الأرض مقدسة و(لا بد من ثَمالةٍ خرافيةٍ تراوده خلف المكان)، فلا يريدها (تُخْرُج كل صباحٍ من جعبتها حزناً)، ولا يريد أن يراها (تقطف أغصان النهرِ)، ويريدها فقط أن تتغير (وتدورُ كما الرأس في الخمرِ)، كي (يغرقُ البنفسجُ بحلكته بينما الماء ينسربُ من شرفة الغياب)، فهو احتلال (خلفَ صدرهِ يخفي ما تبقى من نهار).

   ما زلتِ الحب الذي يرافقني رغم أن (سنوات تعبر والليل يطوفُ الذاكرة)، فلا يمكنني إلا أن أحلم بك من البعيد و(أطوي غربتي في رائحةِ الجرح)، ولا أرى في هذا اليوم الذي يعني لي الكثير إلا (الصباح.. تتناهبه الأشباح)، وأرى أنه (لا يزال الباب موصداً والنوافذُ تُحركُ غبارها بالسكونِ)، وأراك المرأة التي (تقف خلفَ البابِ أو تتهشم أظافرها من الطرْق)، وأشعر بك الأنثى التي تكاد تتفجر من براكين مكتومة في داخلها، لا تقدر على المقاومة (وفي المساءِ تلفظُ أنفاسها)؛ فأغمض عينيّ وأناديكِ (فيباغتُني الحُلم) و(نجوب معاً شوارع المطر).

   أيا قدس التي (تحتضن الأنثى وجهك)، أما زالت (الشوارع مكتظة بالمارة)، رغم السنوات التي تجري (والذاكرةُ على السبورةِ)، أغمضُ العينين وأتذكر باب الزاهرة الذي كنت أعبره طفلاً فأتخيل الآن ما (يعانيه الأصدقاءُ كل ليلٍ)، قلق وألم و(ربما موتٌ بطيءٌ)، فتلتف روحي حول البوابات المغلقة في وجهي (والرأسُ مثقلة بأنينِ السنين)، وأرى أنني من يحمل (بين كفَّي نعشاً لجمجُمةٍ وجسدٍ)، فتصر روحي أن تجول باب العامود وباب الأسباط وباب المغاربة وباب النبي داود وباب الخليل والباب الجديد، وأقف (أنتظر صباحاً آخر)، فربما يأتي الفجر ويضمني، فأضم يدكِ ليدي وأركض (لأعانقَ الهواءَ والمارةَ والنافذة)، ونسير معاً في سوق خان باب الزيت، ومنه نجول الأحياء المقدسية لعلي أتمكن من أن أعيد النقاء للبلور الثلجي الأبيض، بعد أن لوثته بقع زرقاء وسوداء، ومعك حبيبتي سأرى أن القدس (لها رائحة الأرضِ في الطين، ووجه ممزوجٌ بشمالِ الأرضِ وجنوبِ البحر).

   تعالي لنحلق رغم الجندِ ورغم الأسلاك الشائكة في فضاء القدس، فأنا من (يشدني الدفءُ إلى أحضانِ طيفك) كي (أغفو بسلام)، فنصلي في الأقصى ونشعل الشموع في القيامة، وفي المسجد العمري نترحم على عُمر، فلا أحد حافظ على عهدته، ونحلم بغضبٍ ساطع آت (فيضج الحُلمُ بطفلٍ يعانق الشجر، يحتضن الأغصانَ)، فأمسك يدك لنسير في طريق الآلام كأننا (جسدٌ يترنحُ في ذاكرة المطر)، ونجتاز عقبة التقية وعقبة الخالدية، ونجول حارات السعدية والنصارى وباب حطة، وحي المغاربة الذي هدموه على رؤوس صحبه، ليقيموا لأنفسهم هياكل (على أكتاف نساءٍ نَسينَ أنوثتهُنّ)، وهم يعلمون أنه سيأتي اليوم الذي نصرخ فيه: (لنا البحرُ في زرقته ولكم السفنُ حين تشتعلُ الشواطئ).

    كوني معي فهذا اليوم لي، عودي كما كنتِ (طفلة تلهو مع الرملِ، فتَكسَّر زَبَدُ البحر)، ودعيها (تتغلغلُ الأصابعُ _ الطفلةُ إلى نبضِ الحُلمِ _ البحر)، فما زالت على شفتيكِ (تنكسرُ الأحرفُ مبللة بالأرجوان)، وما زلت أرى في (وجهكِ بنفسجاً يتيه في حقولِ البيلسان)، ولا أحلم مثلهم بسلامٍ لا يأتي، فما زال هناك (ثمة من يلهثُ في الصحراءِ وراء الغبار)، ولا يريد أن يعلم أن الاحتلال كان دوماً (سارقَ الأحلام)، ولا يرى أن (العتمة تخنقُ الليلَ في مهدهِ)؛ فتعالي.. (لعلي أستحمُّ، أنامُ وأغرقُ في ثُمالةِ الأنثى التي تتقاذفها أمواجُك).

    * كلّ ما هو بين أقواس للشّاعر عبد الوهاب العريض، من مجموعته الشّعريّة "مِحبرةٌ تَنتَحِب"،  الصادر عن دار فراديس للنشر والتوزيع- البحرين- 2009م.

==============

*زياد جيوسي – فلسطين/رام الله

http://ziadjayyosi1955.maktoobblog.com

http://www.arab-ewriters.com/jayosi

==============

 نزوة الحب والشعر في قصائد

من كون آخر

للشاعر منير مزيد*

       قراءة أدبية

  

*سلمى بالحاج مبروك

 

"إننا في الشعر لا نسكن إلا المكان الذي نغادره" رينيه شار  

      في ديوان "قصائد من كون آخر" سنسكن مكانا نغادره نحو تحد من نوع آخر تتحول فيه القصيدة إلى كائن حي تتنفس الحب بل هي تصرخ في وجهنا: "أيها الغافون الغافلون انتبهوا من رقادكم وسباتكم الأبدي" : إني "أعلنت عليكم ثورة الحب والشعر" فهل من مذكر وهل من حواري تتبعني إلى مملكة الكون الشعري الموعود؟ أيها الباهتون "أقرؤوا" وانفعلوا وتفاعلوا ولا تقفوا "مثل المسمار" . تجولوا في شرايين القصيدة وشيدوا فيها قصور أميرات الحب، لأنكم في هذا المكان الوثير بسرير صور شعرية فاخرة ستقعون حتما في الحب ولكن لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون مادام ستقعون واقفين ليس على بكاء الأطلال وإنما على حافة جسد قصيد من بركان المستقبل وحمم حب ليس كالحب بل إنها من أشهى قصائد الحب وأطيبها مذاقا يقول الشاعر في قصيدته "أشهى قصيدة حب" : يمكنني الليلةُ يا حبيبتي / أن أتذوقَ أشـهى قصيدة / عاصفةٌ من أنفاسك المتألقة / تجتاحني/... يتعرى الحبُّ للحبِّ/ للشعرِ/ للصلاة على جسد الحلم "..

   انظروا هنا لهذه الصورة الشعرية التي تداعب سرير حواسنا حيث تغدو القصيدة من شهوة لا تنتهي وفينومينولوجيا لذة نص هنا بصدد تجميع كل الحواس خلف حاسة إيروس النص حيث تصبح القصيدة جسد يثير النشوة وفوقه تتمرغ عبوات الغرائز القابلة للانفجار بمجرد الاحتكاك بالكلمة الشهوة /النار لتتفجر شظايا القصيدة فينا وتلهب حماستنا لممارسة الحب وللصلاة على جسد الحلم ..

لعل لهذا الأمر اختار الشاعر الكوني منير مزيد، أن يسمي مجموعة قصائده الجديدة "قصائد من كون آخر" ويبدو من خلال العنوان أننا موعودون بجنة من عدن الشعر. أو ربما نحن في انتظار حور العين من بديع قصائد لم يطمثهن خيال إنس أو جان يقول الشاعر في قصيدته"كون جديد":

عندما أحببتُك

كَونٌ جديد وُلد في قلبي

أكثر سحرًا و جمالاً

يُثمِل أحلامَ العشاق

فتعالى صديقي القارئ نمارس فتنة القراءة ونلهو بإيروس أبجديات الحب نهيم على وجه الشعر والحب نتعاطى أسراره موتا في نهر شبق القصيد ونتقاسم كقطاع طرق الحب حوريات الشعر وهن يرفلن في ثياب من دمقس الكلمات. في هذا الديوان ثمة ما يغنيك ويرضيك من أكسسوارات الشعر الماسي، قصائد جمال صورها الشعرية يمثل موتا سلفا للنمطية التي غرق فيها الشعر ومازال يغرق. لتفك عقدة لسان الشعري من صمته عن قول الجميل والجليل. في هذ "القصائد من كون آخر" نتسلل كمن يبحث عن استراحة في مرفأ زمنية العشق . ندخل حضرة التجلي في الغياب، إنه كون من حرية ممارسة فن الحب شعرا وفن الشعر حبا. وماذا تنتظر وقد غدت القصيدة امرأة فائقة الجمال ومغرية الكلمات لحد أن تذهل كل مرضعة عمن أرضعت حين تتداعى إلى سمعها تراتيلها. وأي شيء أجمل من أن تتحول القصيدة إلى امرأة والمرأة إلى قصيدة وقد عبر الشاعر عن هذا التحول الانقلابي في المقطع التالي:

القصيدة
امـرأة من ندى 
و رحيق الكلمات

ولتذوق رحيق كلمات القصيدة المرأة ليس أمامك من خيار سوى أن تنزع عنك قناع النضج  وأن تكون مراهقا نقيا حالما في مدرسة الحب حتى تتمتع بنشوة هذا الحب وانتصاراته وفتوحاته في جسد الروح وروح الجسد. وأن تطلق العنان لجموح رغباتك في تذوق أهواء القصيدة وشهواتها التي تؤججها خيال صور شعرية هي بالتأكيد خطر على آكلي "لحم الحداثة وما بعدها" ومن منا يستطيع الهرب من حقيقة كوننا لسنا عقلا فحسب بل جبل أهواء نتقاسم شيطانها فيما بيننا ضوء غسقيا ومبادأة اغوائية لا نهائية؟ ومن منا لا يعشق مجد اللذة المنتشرة في ثنايا نص يمثل نابتة من نوابت نصوص الشعرية الحديثة.؟ ولما نخجل أن نكون كذلك مادام كلنا في الحب مراهقون؟ وما دام الحب قدرنا الأصلي الذي انبثق منه وجودنا وما دام الشعر هو من يقولنا لا نحن من نقوله "أليس أن تكون شاعرا هو أن تنتزع نفسك من سحر الصمت وتفك قيود الكلام ". طبعا وهذا ما تفعله بك "قصائد من كون آخر"، فهي مسار شعري واتجاه يسير في اتجاه اللامتوقع وهي نزوة حب أبدية من فصوص الشعر الصافي نحن نسير في اتجاه عالم ممتلئ ب"صور فردوسية" مضادة لأوديبية نصوص استفحلت فيها عقدة الشعور بالذنب في هذا المكان لا معنى لعقدة الذنب هنا لأن الحب حق بشري ولأن الغرائز دعوة جمالية فائقة ومصدر لنشوة إلهية مكان من كون آخر ليس فيه بحث عن "الزمن الضائع" على حد عبارة بروست ذلك المكان الذي ضاع وتاه عنا في زمن ما، بل هو بحث عن شيء آخر مختلف لا ينتمي إلا إلى ما يجب أن يكون. إنها رحلة تيتانيكية رمزها الشعر والحب يحولنا الحب إلى أشلاء الشعر ويحيي الشعر فينا جذوة الحب وشعلته. رحلة نلوذ فيها بالحب والشعر رقة أناشيد كلمات معزوفة على ربابة الحب وقيتارة الشعر أنغامها تسكن مجاري الخراب المنبعثة من العالم لتهدئ رياح الكراهية وتسحب الحقد من قاع بحر الإنسانية وتجذب صلد قلوب تحجرت وتسحر الآلهة والبشر والحجر وكيف لا يسحر كل هؤلاء من مثل هذه الزغردة الوجودية التي تنبعث من مقاطع الشعر" الحب و الشعر"..

 

شيئان لا حدود لهما

و لا يمكننا تفسيرهما

إلا أننا نشعر بقوة سحرهما

الحب و الشعر

 

   في هذا الكون الفاخر من خمس نجوم تتساقط عليك لآلئ أشعار من ملذات وعذابات شغف الحب وترفه بمثابة "حبات اللؤلؤ " على حد قول الشاعر يتلقفها الشاعر حين "ترش حبيبته خمر الكلمات على شفاه السماء" فهل حصل لكم شرف اللقاء بمثل هذا النشيد الإلهي الساحر وهذه الغابة الذهبية من غابة حيوانات الرغبة الجائعة توقد "فجورا جماليا مرحا تجاه انحطاط من يحصر بوتقة الشعري في أدارج وصناديق الإيديولوجيات الصدئة . يقول الشاعر منير مزيد : في فضاءات سحرية حول الروح/ اشتهي لمس شفاه حبيبتي...

إن الشاعر في حالة توثب أبدي على ضفتي الحب الخرافي حيث لا مسافة بين سحرية الروح ولحظة التوحد والاشتهاء ولا فاصل زماني بين عوالم المادة وعوالم الروح.

  قد  يكون هذا التداخل أفظع متعة من متع الجمال لأنها من متع المحارم إذ كيف للروح المتبتلة في محراب عشق الصورة الروحية أن تتمرد على طبعتها وتستقر في محراب لذة من مصلى الجسد فكيف للروح أن تنتزع حق الاشتهاء وممن ؟ من شفاه الجسد ؟

   يا لها من فظاعة جمالية تقتل سحرا وجمالا وتبشر برحيل عصر تابوهات منع الشعر أن يتنفس جمالية شعره دون قيود ميثولوجيا الإيديولوجيات المنهارة وتغوينا لممارسة طقوس هوس الإبداع كما آن له أن يكون . في باحة جنون متوحش تغدو كتابة الشعر نزوة إبداعية وقحة تقطر بفضائل رذيلة التمرد على لغة لا تجد لنفسها فكاكا من براثن أعداء حرية الكلام وبلاغة الصمت البراق . وإنه لاستبدال باروكي ومبدع لما هو متداول وتحد لشعوذات الكتابة ومشعوذي أشباه المبدعين لتنحت في جسد الإبداع جسدا آخر ولننظر في قصيدة "جسد آخر" :

 

الرغبةُ المسكونةُ في الوجعِ

ترسمُ طريقاً إليك

و الخيالُ يصورُ لها

كل لقطات الحب

الممكنة و غير الممكنة

تنطلقُ شفاهُ الوردِ في حلمٍ

تنحتُ في الجسدِ

جسداً آخر

أكثر دفئاً و اشتعالا

 

  أليس في هذه المقاطع الشعرية ما ينبئ أن ثمة مؤامرة إبداعية تحاك ضد حضارة باتت تتقشف في استهلاك الإبداع وحولت وجودها إلى مجرد استثناء استهلاكي أو كوجيتو مستهلك لا يفقه ربات الإبداع ولا وحيه ولا يؤمن بكتابه المقدس الشعري الذي لا يأتيه الباطل. في هذا الزمن الذي أصاب الشعر بالمرض ما على عبقرية الشاعر إلا التدخل لمداواة جرح القصيدة واسترجاع عافية شعريتها قبل استفحال وباء طاعون التقليد القاتل. يقول الشاعر منير مزيد مشخصا المأزق الشعري للقصيدة الراهنة الواقعة تحت طائلة المنع والكبت " منذ زمن والقصيدة تداوي جراحاتي/تمتص أحزاني / والآن / تسألني من يداوي جراحها "؟ فهل من مجيب لنداء إستغاثة الشعري بعد أن تورط في مدار غير شعري ؟هنا فقط نفهم معنى أن تأتي مدارات شعر منير مزيد تلبية لهذا النداء.

  إن "قصائد من كون آخر" هي استطراد شعري هائل في مملكة الشعر وديكور وجودي تخفي مفاجآت كورس من حفل انعتاق فردوسي وإكسير يعبق بروائح تجديد شباب الإبداع تشي بروعة الخلق يقول في قصيدته " زهرة الخلق": لا تنبت الزهرة دون عشقها للماء/ و أنا يا حبيبتي / الماء و السر و الظمأ/ و أنت زهرة الخلق الأولى " ...

   فما دامت المرأة قصيدة والقصيدة امرأة فإن قصائد منير مزيد تغدو وفق هذه المرجعية هي "زهرة الخلق الأولى" وهي بسر لغتها وجمالية صورها الشعرية المكتنزة كثافة معنى هي من تبدأ وتعيد إنشاء خلق هذا الكون الشعري الفخم ذي السبع نجوم من نجوم السماء لا الأرض...

والقارئ "الزبون" هو زائر مبجل لن يمل المكوث على بساط مروج هذه القصائد ولن يسأم التجول في براعم أزهارها من رحيق ملذات روح الشعر الصافي...

  وكيف له أن يسأم والقصيدة المرأة تمسك بالخيوط الخفية لسر هذا العالم الاحتفالي والإنتشائي وكأنها كاهنته العظمى في حين تنغمس الكلمات في إخضاع وعينا لطقوس نار الحب في روح مقدامة على ميدان التصارع، لذة تخلص الحب كما القصيدة من موضوع النفعية وزخرفتها بمطلب الفن للفن والشعر للشعر والحب للحب والشهوة للشهوة في خطوة إبداعية عملاقة تهدف إلى تحرير الشعر والحب مما ليس هو..

هذه القصائد بجماليتها التي لا تقاوم ستفتح شهية للقراءة لا تنضب وشراهة لتذوق أطباقها الشعرية الفاخرة في لعبة لغوية مثيرة وفضولية تقول الرغبة وتدمر التزهد في الحب..

ما دامت النساء عنده من "شجيرات الكرز"يتعرين لإظهار مفاتنهن" فلا خوف إذن من معاودة الحياة و معاودة الحب في كل زفرة من زفرات الاشتهاء..

هكذا يكون الاسترسال الشعري كإشعاع بصري يفتح لنا حدود خيال بلا حدود ويسمح لنا النص التحليق في مناطق المحظور حيث مثلما يسبق الحب الشعر ويشترطه ،يسبق الشعر الحب ويشترطه . تلك هي أشد إحداثيات الديوان وضوحا وهي إحداثية تبادلية كفيلة بإلهاب العالم كله حبا وإغراقه في ضياء من المعاني التي لا تنتهي..

وتقذف بنا بعيدا عن شعاب الفراغ والتيه في حلقات مفرغة الإبداع المتهرئة من شدة استعارات ميتة . هنا المراوغة باللغة مجال إعلان لإفلاس صنم التكرار والمعاودة الشعرية ليفصح الديوان عن نمط أنطو لوجي شعري مباغت يركض جنونا وعفوية ماوراء عقلية تبشر بالسقوط إلى أعلى العليين على حافة الحب حوريات الشعر الفاتن تراودك عن نفسك بكل وحشية حبية لا تكل ممارسة الغواية الشعرية ولا تمل شغفا أسطوريا يقود نحو هاوية الجميل بحثا عن إشباع خيالي تروض فيه الرغبة لحساب جسد بلوري مجنح تخلصنا من عباءة حياة مهوسة بانضباط الكراهية والحسابية حياة تخجل من ممارسة الحب ولا تخجل من ممارسة الكراهية لتقول لنا ثمة كون آخر نستحق السفر إليه والمكوث عنده كون منطقه اللامنطق هندسته الفوضى العارمة وعنف جنون الحب هديته ولننصت لصوت هديته القادمة من "كون آخر" حيث يقول في قصيدة "هدية" : " أَجْمعُ كل أزهار الكون / و غناء العصافير/ في قصيدة/ وأهديها إليك "  ..

يالها من صور شعرية تخلخل بداهتنا وتقتلعنا من سكونية عالم غارق في بداهته. إن القصيدة هنا هي أكبر من الكون كله بل إنها الكون الذي يفترس الكون حبا وإنها آنية الوجود وكأن الشعري نسكنه قبل أن يسكننا في قصيدة تمثل بيتنا ومسكن وجودنا ونشيدنا الأبدي..

  إنها بناء كارثي بكل مقاييس" الإبداع الكارثة" الذي يمثل ثورة على أصنام التقليد وأوثانه. وكل أشعار منير مزيد هي أشعار تصارع الموت وتصرعه في رؤية قيامية للحياة الحبية بل إنها "قيامة القصيدة" الكونية كطائر الفنيق المنتفض المحلق في سماء كون مفتوح منذ تحطيم نظام كوسموس القصيدة المنكفئة على ذاتها وهندسة الفضاء الشعري ليقذف بها في كلية التجربة الإنسانية مخلصا الشعر من الدوران حول الذات ليصبح يدور حول الكون. لا تنفك التجربة الشعرية عند منير مزيد عن محاولة الانفلات من قبضة الأنانوية والفردية الضيقة التي ذبحت الشعر على مذبح الخصوصية الفقيرة و التقليد و الابتذال والتكرار الشعري المقيت.

  كل قصيدة هنا هي سرب قصائد خرافية تسبح في مياه بحيرة قلب الشاعر يقول في قصيدته "بحيرة القلب " :

أسراب من قصائد خرافية

تنوح تحت جناح فراشة الشعر

فجأة

تصمت

القمر يلمع في بحيرة قلبي

أغنية

 أسراب من قصائد خرافية /.... القمر يلمع في بحيرة قلبي / أغنية " فهي تسارع احتفالي وإيقاع تكثيفي من أخيلة كلمات ليس لها ظل فرغم أن ما يميز " قصائد من كون آخر " من ومضة برقية مختصرة، إذ القصيدة هنا كالبرق ما إن تضيء حتى تنطفئ في قصيدة أخرى تنبثق منها وكأنها في سباق مع سرعة الضوء ورغم الوميض القصير فإن الدلالة الرمزية تظل ماكثة في حواسك رواسي من أمانة دلالات عرضت على متاريس الأبدية فرفضتها وقبلتها القصيدة المزيدية بكل تحد وانتصار لغريزة حب بقاء الشعر.

  إن منير مزيد الشاعر المحلق في فضاء الكوني اللامتناه كان مبدعا شجاعا جعل من قصائده متنا فضائحيا لإباحية الابتذال وتأسيسا إيروسيا لفضائل إباحية تخلد نزوة الحب والشعر الأبدية إلى حد تصير فيه القصيدة "وردة الرغبة ". "فلقصائده مدارات من الياسمين " "كلها تدور حول حبيبتي"-له هو. إنه زحف قصائد من فاشية الحب والشعر تقطن كهوف جنس معاني كوسموبوليتية تجعلنا سادة الحب وسادة القول الشعري ومالكين له وتأثث فضاء شعريا يتحدى الحظر الأبوي على رقابة الإبداع ويؤسس لقتل أب الشعر الرقيب واستبداله بالقصيدة المدللة الحسناء التي تأخذنا ببهرج كلماتها وصورها الشعرية المتزاحمة على سطح القصيد لممارس دعارة الإبداع وفجوره في علن الخيال الخصب. فهل يكون الشاعر الكوني الكبير منير مزيد بديوانه "قصائد من كون آخر" قد صاغ ديوان "قمم وأعال الإبداع بأتم معنى الكلمة" و"ارتفع إلى هذه الأعالي حيث لا يجلس إلى النبع أي من السفلة والرعاع " كما يقول نيتشه في كتابه" هكذا تحدث زرادشت"؟

   وإن كان يرى في الشعر "قصيدة حب لا يريدها أن تنتهي" على حد قوله فإنه قد جعل من قصائده لحظة نزوة حب وشعر من لحظات الأبدية حتى أنه جعل للشعر أجنحة يطير بها بحثا

" عن فردوس مفقود"

   إن كل هذا التفوق الإبداعي الشعري لدى منير مزيد وكل هذه الطاقة الخلابة من جنون روعة الشعر وأخيلة الصور الشعرية التركيبية المذهلة ما جاءت له كرها أو طوعا إلا لأنه يحمل خلاصا ذهبيا للبشرية جمعاء لخصها الشاعر في المعاني التالية "أحب الإنسانية جمعاء " ولهذا اعتقد أن " الحب الأمل الوحيد للبشرية بالعودة إلى رشدها قبل أن تفترسها الكراهية والظلم " ولكم أن تتخيلوا أن تفترس الكراهية الكون فعندها لن يبق سوى عويل الخراب وصوت الدمار المرعب .ما من شك أن من خلال تجوالي في متون رباعية منير مزيد ومن خلال قراءتي المتأنية لكرستاليات شعره المنثور في ثنايا الدواوين الأربعة التالية ألواح كنعانية  الذي احتوى على 4 مجموعات شعرية - وجوديات - حبيبتي والحلم - وهذا الديوان "قصائد من كون آخر"  وجدت بأن الشاعر العربي الكوني الكبير منير مزيد قد قدم خدمة جليلة لمدرسة الشعر العربي بل إنه ذاته المدرسة الشعرية الموعودة التي ستكون شرارة انطلاقة لجيل من المبدعين الشباب وستنضوي تحت رايتها الشعرية. إنها تجربة شعرية فريدة من نوعها ستمثل زلزالا شعريا يشل إمبراطوريات التحنيط الشعري وتأذن بانطلاقة شعرية تغرد لفن الحياة وفن الحب وفن الشعر حتى يكف وجودنا عن استخدام الموت الشعري كمخزون إستراتيجي وتحويله إلى مناسبة آدمية للرقص على شعلة الإبداع المتجدد . هنا في قلب رباعية منير مزيد الشعرية يسكن الشعر الصافي حيث لم يعد من المستحيل تأسيسه كمدرسة. وأنا حبا في كل حراس الإبداع ومن يغارون عليه أدعو كل مبدع وناقد مؤمن بضرورة التجديد ويبحث عن لغة شعرية صافية أن يكرع من عيون هذه الدواوين ماء شعريا عذبا زلالا  ..

==================

سلمى بالحاج مبروك - تونس/ سوسة

شاعرة و أستاذة فلسفة من تونس الخضراء

صورةُ الشاعر بينَ الذئبِ والمرأةْ 

تأملاَّت سريعة في كتابةِ يوسف أبو لوز

قراءة أدبية

نمر سعدي*

 

      أردتُ هنا أن أكملَ ما بدأتهُ في مقالةٍ سابقةٍ عن الشاعر الفلسطينيِّ المقيمِ في دولةِ  الإماراتِ العربيةِ يوسف أبو لوز فما زالتْ في نفسي تخيُّلاتْ كثيرة بشأنِ قصيدتهِ الحداثيَّة وطريقةِ كتابتهِ النثريَّة.

 بعدَ نشري مقالي السابق طافت بنفسي  تأملاَّت سريعة أحببتُ أن أوردها هنا في هذهِ الإطلالة العجلى على عالمِ الشاعرِ المسكونِ بالضجرِ والقلقِ والجمال.

ليسَ من بابِ الصدفةِ أو العبثيَّةِ إذن أن يقولَ الشاعر محمود درويش عن يوسف أبو لوز أنَّهُ مستقبلُ الشعرِ الفلسطيني فقد تلقَّيتُ ردَّاً آخرَ من شاعرٍ مصريٍّ عريق هو عزَّت الطيري يؤكِّدُ أنَّ يوسف أبو لوز بحساسيَّتهِ المفرطةِ وطبعهِ الحادِّ كسيفٍ يمانيٍّ من أروعِ وأبدعِ الشعراءِ العربِ المتطلِّعينَ إلى قصيدةٍ جديدةٍ حداثيَّةٍ بكلِّ ما تحملُ الكلمةُ من معنى.. فقد كانَ يعرفُ درويشُ جيِّداً في أوائل التسعينيَّات أنَّ هذا الشَّاب الأسمرَ المعروقَ المتحدِّرَ من أسرةٍ فلسطينيَّةٍ من ملحِ أرضِ النقبِ والمترعرعَ في شمالِ الأردنِ في بيئةٍ جبلِّيةٍ وعرةٍ.. يملكُ أدواتهُ الفنيَّةَ ولغتهُ الشعريَّةَ الطازجةَ المركبَّةَ والجديدةَ وطبيعتهُ البريَّةَ المتشوِّقةَ إلى هدمِ أطلالِ الرتابةِ والتكرارِ والجمودِ في الذائقةِ العربيَّةِ..والبناءِ المحكمِ لنصٍّ مغايرٍ غائصٍ على المعاني الفريدة يخوِّلُ صاحبهُ الخجولَ الغاضبَ أبداً أن يكونَ أميرَ شعراءِ فلسطينَ الشباب عن جدارة.

أبو لوز شاعرٌ صعبُ المراسِ لا ينقادُ للناسِ بسهولة.. وربمَّا يأتي هذا الطبعُ من طبيعةِ شاعرنا المتقلِّبةِ القلقةِ والشديدةِ الحساسيَّةِ والرهافةِ إلى جانبِ الحسِّ الحادِّ والصراحةِ العجيبةِ في زمنِ المداهناتِ والتملقِّ والرياءِ والمحاباةْ.وأوردُ هنا ما

يقولُ الشاعر ذياب شاهين عن يوسف أبو لوز في تقديمهِ لأمسيةٍ شعريَّةٍ لهُ: "يوسف أبو لوز شاعرٌ خارج الالتزام والأدلجة، وهو نموذج الأديب اللا منتمي، فلا يعمل بوحي من سلطة أو رقيب أو إيديولوجيا. الكتابة لديه تعني الحرية بكل بهائها، ولا يمكن له أن يكون بوقاً لأي كان، وهو يعمل في منطقة لا تنتمي للسرب، يغرد خارجه فروحه عصية على التدجين، ولا تطيع إلا ما ينبثق من داخلها إبداعياً. يجد في نفسه ذلك البطل الذي لن يترجل عن صهوة حصانه أو يغمد سيفه، بل إنه مطمئن على أن الذي سيأتي هو الأجمل والأبهى، كما أن غزارته في الكتابة التي أفنى حياته بها ونذر نفسه لها لن تتوقف، فالشاعر ما انفك مولعا بالحياة وما تنطوي عليه من شعر ونثر وحب وسفر وجنون."

 أودُّ أن أشيرَ إلى أن العمودَ النثريَّ الذي يكتبهُ الشاعرُ تحتَ عنوان " رفيف" في صحيفةِ الخليجِ الإماراتيَّة يتميَّزُ بدِّقةٍ عاليةٍ وعشقٍ واضحٍ جليٍّ لهذا النوعِ من النثرِ الذي يتدفَّقُ على الورقِ بكاملِ الحريِّةِ والشفافيَّةِ والموضوعيَّةْ... وعمودُهُ الذي لا يتجاوزُ أربعمائةَ كلمةً يصلُ إلى أعلى حدودِ التكثيفِ اللغوي الإيحائيِّ البليغِ حتىَّ أنَّهُ من خلالِ الكلماتِ القليلةِ هذهِ يوفي الموضوعَ المتناولَ حقَّهُ على أجملِ وجهٍ وأحسنِ صورةٍ.. أكثرُ ما ترهبني ليونةُ الحبرِ في يدِ شاعرنا عندما يكتبُ نثرهُ الحرَّ والمنفلتِ من بوتقةِ التراكيبِ المألوفةِ كطيرٍ سحريٍّ ملوَّنْ..

ومواضيعُ شاعرنا التي يكتبُ عنها كثيرةٌ ومتنوعةٌ منها الأدبيُّ ومنها السياسيُّ ومنها المعيشيُّ الراهنُ.. ومن أجملِ مقالاتهِ ذلكَ المقالُ الذي أسماهُ " في مديحِ الكتابة" ومقالهُ عن الشاعر المصريِّ الراحل أمل دنقلْ في ذكرى سبعينَ عاماً لولادتهِ.. وتلكَ المقالات الكثيرة التي يدافع بها عن شعرِ التفعيلةِ ومن أهمِّها مقالهُ المعنون" هل أنقرضَ شعراءُ التفعيلةِ في مصر".

الشاعرُ يولي النثرَ أهميَّةً خاصَّةً ونجدهُ في روحهِ النثريَّةِ كما في شعرهِ أيضاً محتشداً بالحنينِ ونارهِ الوجوديِّةِ القاتلةِ ومملوءاً بالزخمِ الموسيقيِّ العالي والغضبِ العربيِّ الأبهى.. وروعةُ نثرِ الشعراءِ المطبوعينَ تنطبقُ على العديدِ من الشعراءِ العربِ المتأخرِّين كنـزار قبَّاني وأدونيس ومحمود درويش وعبد اللعزيز المقالح وأنسي الحاج وسميح القاسم وشوقي بزيع  وغيرهم وربمَّا استثنينا بدر شاكر السيَّاب من هذهِ القائمةْ على حدِّ تعبير بعض النقَّاد العرب.

عندَ قراءتي لشعرِ يوسف أبو لوز فأكثرُ صورةٍ ترتسمُ في خيالي وأحسُّها مطابقةً لتجربةِ الشاعرِ ومناسبةً أكثرَ من غيرها لوصفهِ فهيَ صورةُ الشاعرِ بينَ الذئبِ والمرأةِ فكلُّ كيانهُ الشعريِّ يتراوحُ دائماً بينَ هذينِ المخلوقينِ فهما موتيفانِ أساسيَّان صديقانِ ولا يفترقانِ عن بعضهما في أغلبِ ما كتبَ أبو لوز من شعر.. فكلامهُ وروحهُ يعكسانِ في نظري العطشَ الذئبيَّ للشاعرِ إلى جمالِ المرأةِ غيرِ المحدود واللا متناهي.

على الرغمِ من قولهِ :

 

لستُ ذئباً

ولا من طباعي العواء على الليل ظناً من الحيوانِ

بأن الليالي قطيع

وما جعتُ يوماً

ولا نبتُ صيداً

فمثلي من دون ناب

لستُ ذئباً

ولكن، تقنعتُ وجهاً لذئبٍ

لكي لا تعضُّ حياتي الكلابْ.

 

يقول الناقد والشاعر الفلسطينيُّ علي الخليلي عن الشاعر يوسف أبو لوز في مقالةٍ جميلةٍ بديعةٍ تناولَ فيها ديوان الشاعر الأهمَّ "ضجر الذئب" : "ولكنني أستطيع أن أمحو مسافة ثلاثة عشر قرناً بين الفرزدق وأبو لوز، بقراءة غير مألوفة لكليهما، وصولاً إلى الذئب الشعري الذي صاغته الـمخيلة العربية بخبرة الدهر، أو أنها تجدد صياغته على الأصح جيلاً بعد جيل، بغير ما صاغته الطبيعة بتلقائية الصيغة منها وسكونها الـموروث، حتى جعلت منه ثباتاً مادياً لا يتحول ولا يتبدل على الأرض.
قد يبدو للوهلة الأولى، أن ذئب الفرزدق هو ذئب الطبيعة، لا اختلاف بينهما، إلا ما شاءه الشاعر من "صحبة" بينهما غير عادية إلى حد الاستحالة، في القصيدة. ولكن التمعن النبيه، يخترق هذه الوهلة، ويعبر إلى ذئب خاص بهذا الشاعر، أراد، من خلال صياغته له، أن يحدثنا عن نفسه، أو عن الإنسان بشكل عام. هل ثمة في هذا الـمعنى (في هذه الصياغة - الصيغة الشعرية)، علاقة متنامية إلى درجة التماهي، بين الإنسان والذئب؟".

ومقالتهُ تلك المنشورةُ في الأيامِ الفلسطينيةِ من أجملِ ما وُصفَ بهِ هذا الشاعرُ الجامحُ كحصانٍ بريٍّ إلى أقصى فضاءِ اللغةْ.

 كم نحنُ بحاجةٍ إلى حفَّارينَ في ذاكرتنا الجمَّاليةِ على شاكلةِ هذا الشاعرِ المُصابِ بلعنةِ الحرفْ والمرهونِ لأبدِ النعناعِ... كم نحنُ بحاجةٍ إلى استفزازيين نبوءيين جدد... وإلى شعراءٍ يملأهم جوعُ الذئابِ إلى الحريِّةِ والجمالِ والمعرفةْ .

مسرحية أشباح

عرض

زكية خيرهم الشنقيطي*

 

 "سيرة ذاتية حول هنريك ابسن  بقلم ستاين إيريك لوند "

موجز وتحليل أشباح إبسن
    تعتبر  مسرحية أشباح ثورة اجتماعية وأكثر قوة من مسرحياته السابقة في ذلك الوقت، حيث تمكن إبسن أحد رواد المسرحية الحديثة أن يعري الكذب والنفاق الاجتماعي وانعدام أو تقلص الاحساس بالمسؤولية الذي يؤدي للعجز وتراجع مساحة الفرح الإنساني . الغرض من هذه المسرحية هو تسليط الضوء على العناصر الأكثر ضررا وتدميرا في الحياة. و قبل أن تصدر المسرحية ، أرسل ابسن رسالة إلى ناشره " فريدريك هيجل" حيث يحذره قائلا :"أشباح ستكون إلى أبعد حدّ في بعض الدوائر مثيرة للانزعاج ولكن يجب أن تكون هكذا. إن لم تثر ضجة لم يكن من الضرورة كتابتها ". لكن أشباح كانت قنبلة موقوتة أكثر مما كان يتوقع ابسن. شخصيات المسرحية قليلة: السيدة هيلين ألفينج، ابنها أوزفالد، القسيس ماندرز، النجار انجستراند، والخادمة ريجينا انجستراند، وكذلك الحاجب وهو المتوفي ألفينج، زوج هيلينا ووالد أوزفالد. رغم أنه توفي، إلا أنه يؤثر على كل ما يحدث في المسرحية، وتجري الأحداث في منزل فخم بروزنفولد وفي أقل من أربعة وعشرين ساعة.
تبدأ المسرحية لنعرف أن أوزفالد الذي يعمل فنانا في باريس رجع إلى أهله. في نهاية المسرحية نعرف أن رجينا وأوزفالد أخوة من الأب، كما نعرف أن أوزفالد ورث مرض الزهري المميت من والده. الخادمة رجينا التي وعدت بأن تذهب إلى باريس مع أوزفالد ستغادر أوزفالد عندما تعرف أنها أخته من الأب. احترق الميتم الذي ستفتحه السيدة ألفينج. ستسوء حالة أوزفالد في فترة مرضه الأخيرة و يوشك أن يكون مجنونا. طلب من أمه أن تمنحه المورفين لكي ينهي حياته، كما جاءت به إلى الحياة يريدها أن تأخذه بعيدا عنها .

قامت السيدة ألفينج بما سمته عائلتها القران الجدير بالاعجاب، تكتشف بعد فترة وجيزة من زواجها أن زوجها سكير وفاجر. تصاب بيأس وتلجأ إلى صديقها الشاب، القس ما ندرز الذي كان يهيء لانقاذ النفوس على الرغم من أنها مغلفة في جثث متعفنة. يحث القس ماندرز ميسز ألفينج للعودة الى زوجها وواجباتها تجاه بيتها. ميسز هيلين ألفيج شابة وغير ناضجة ، وكذلك تحب القس الشاب ماندرز. أوامره كانت مطاعة لذك عادت إلى بيتها، وعانت خمسة وعشرين عاما من البؤس والتعذيب المستمر بلا نهاية. تحملت ذلك الشقاء من أجل ابنها الذي ولد من تلك العلاقة العجيبة. ابنها اوزفالد كان كل شيء في حياتها ويجب الحفاظ عليه بأي ثمن. و للقيام بذلك ستضحي رغم توقها الكبير بإرساله بعيدا عن الأجواء المسمومة في منزلها.

من مشاهد المسرحية: أم مثقلة بالذنوب

مسييز ألفينج: كان أوزفالد على حق في كلمة.
القس ماندرز: على حق!
ميسز الفينج: هنا في وحدتي وصل بي تفكيري إلى نفس النهاية، ولكني لم أجرؤ على الافصاح عن آرائي، إلى أن جاء إبني يتحدث عني.
القس ماندرز: أنت تثيرين شفقتي، ولكن دعيني أتحدث إليك، ولن أتحدث بوصفي مدير أعمالك ومستشارك ولكن بوصفي الصديق القديم لزوجك. بوصفي القسيس. القسيس الذي لجأت إليه يوما عندما أخطأت في الحياة.
ميسز ألفينج: وماذا يمكن القسيس أن يقوله لي؟
القس ماندرز: سأثير ذكرياتك بعض الشيء والوقت مناسب لذلك . غدا الذكرى العاشرة لوفاة زوجك. غدا سيزاح الستار عن نصب لتخليد ذكراه. غدا سأتحدث إلى أناس كثيرين، أما اليوم فسأتحدث إليك وحدك.
ميسزو ألفينج: تفضل.
القس ماندرز: أتذكرين ولم ينقضي عام على زواجك، أنك وقفت على حافة الهاوية. إنك هجرت بيتك، أنك فررت من زوجك ، نعم فررت ورفضت العودة إليه رغم توسلاته وصلاته.
ميسز ألفينج: وهل نسيت مدى تعاستي آنذاك .
القس ماندرز: إنها روح التمرد التي تدفعنا إلى طلب السعادة في هذا العالم. ولكن بأي حق لنا نحن ألآدميون أن طلب السعادة؟ علينا أن نؤدي واجبنا. كان واجبك البقاء إلى جانب ذلك الرجل الذي ارتبطت به برضاك المقدس.
ميسز الفينج: لعلك لم تنس كيف كان الفينج يحيا وكم كانت ذنوبه وآثامه .
القس ماندرز: نقلت إلي الشائعات الكثير عنه، وإذا لم تخطئ تلك الأقاويل، فإنك أول من ينكر حياة ألفينج في شيليه، ولكن للزوجة أن تقيم نفسها حكما على زوجها. كان من واجبك أن تحملي الصليب الذي حملتك إياه الإرادة العليا. ولكنك تمردت ورميت الصليب، وهجرت الدار وخاطرت باسمك و سمعتك، وكدت أن تدمري سمعة قوم آخرين.
ميسز ماندرز: تعني سمعة شخص آخر.
القس ماندرز: كان من الحمق أن تلجأي إلي.
ميسز الفينج: إلى قسيسنا.. إلى صديقنا الحميم.
القس ماندرز: لنفس الاعتبار. إنك مدينة بالشكر لله، أن وهبني تلك اللحظة صدق العزيمة فنجحت في طرد الشيطان عنك وإرجاعك ثانية إلى دارك وزوجك.
ميسز ألفينج: كان هذا واجبك؟
القس ماندرز: لم أكن إلا أداة بسيطة في يد إرادة عليا. ألم تشعرين بالراحة النفسية بعد أن أرشدتك إلى طريق الطاعة وتحمل أعباء الحياة؟ ألم تسير الأمور على النحو الذي توقعت ، فتبرأ الفينج من أخطائه كما يجب على رجل أن يفعل، وعاش إلى جانبك زوجا طيبا، كريما، عطوفا حتى مات؟ ألم يصبخ إنسانا خيرا امتد خيره فشمل الجوار؟ ألم يرفعك إليه حتى صرت شريكة له في أعماله؟ لا أنكر مسيز ألفينج أنك جديرة بالثناء. ولكن لنتحدث الآن عن خطيئتك الثانية الكبرى في الحياة.
ميسز ألفينج: ماذا تعني؟
القس ماندرز: كما تنكرت لدور الزوجة يوما، تنكرت لدور الأمومة. كنت نزاعة إلى التحرر والتمرد ولم تعرفي يوما كيف تتحملين التزاما أو قيدا. فقدت دون عناية أو شعور مسؤولية كل ما ألقاه الواجب على عاتقك. ذات يوم لم يرق لك أن تكوني زوجة فغادرت زوجك. ورأيت أن الأمومة حمل ثقيل فأرسلت ابنك إلى الخارج يعيش بين الغرباء.
ميسزو ألفينج: هذا حق.... لقد فعت ذلك.
القس ماندرز: وهكذا أصبحت غريبة في نظري.
ميسز ألفينج: كلا، كلا، لست كذلك.
القس ماندرز: نعم، أنت غريبة في نظري. تلك حقيقة لامهرب منها. تدبري الأمر يا ميسز ألفينج؟ لقد أثمت في حق زوجك، وإقامة تلك المؤسسة لذكراه اعتراف منك بالإثم. وعليك أن تعترفي الآن بإثمك في حق ابنك. تبتعدي عن طريق الخطأ وانقذي البقية الباقية التي تستطيعين لأنك أم مثقلة بالذنب. ذلك واجبي نحوك.

كيف كان الحال؟

هل كانت مؤسسة الزواج المقدسة كما يسميها البعض تبنى على أنقاض علاقات اجتماعية غير واضحة المفاهيم ، وبالتالي آلاف من الاطفال الأبرياء يدفعوا ثمهنا حياتهم في حين أمهاتهم تواصل حتى النهاية من دون أن يتعلمن كيف هي الحياة إجرامية بشكل مخيف. تتحمل مسز الفينج عبث زوجها وتقاسي الأمرين حتي تحافظ علي سمعته وإن كان الثمن باهظا. تعيش مع الحقيقة المرة إلى الأبد ،حقيقة ما رأته من الحياة الماجنة من والد طفلهاالذي عاش في محيط ضيق، لم يجد فيه هدف لحياته . تضحي من أجل طفلها أوزفالد الذي كان النور الوحيد لها. كل ما يجري في دماء الانسان هو ما ورثه عن والديه، بل أغلب الأفكار والعادات والممارسات يكتسبها من محيطه الاجتماعي . في مسرحية أشباح تتحمل مسز الفينج عبث زوجها وتقاسي الأمرين حتي تحافظ علي سمعته، وكان من نتيجة هذا تدمير حياتها وحياة ابنها الوحيد الذي ورث عن ابيه مرضا سريا لاشفاء منه، والابن هنا ضحية أشباح تكمن وراء التقاليد البالية التي تقف عائقا دون تكامل الشخصية.

كل امرأة "ضحية" إلا ووراءها رجل

كتب ابسن هذه المسرحية كي يشخص المجتمع الذي يحكم على الظاهر أكثر من الباطن، مجتمع يعيش تحت أغطية كثيرة مستورة ، كان المجتمع الأوربي يعاني منها على شكل أمراض اجتماعية وجنسية. توغل عميقا في ثنايا علاقات المجتمع الأسرية والعلاقات غير الشرعية، ووضعية المرأة التي تصبر وتضحي لاجل انقاذ اطفالها على حساب حياتها وتعاستها، وتصبر على فساد الزوج حفاظا على سمعة العائلة والمركز الاجتماعي.

الشخصية التي فقدت كل شيء هي السيدة ألفيج . ستدرك أنها هي السبب في جعل زوجها ينجب طفلا خارج نطاق الزواج لأنها حرمته من سعادة الحياة وتضع اللوم على نفسها. فقط الآن اكتشفت أنه كان من الممكن أن تعيش معه حياة سعيدة وتتحمل أيضا ذنب انجاب أوزفالد. ذنبها سبب ارتباطها برجل لا تحبه. لذلك لم تكن قادرة على مقابلته. كانت تخشى من شراسته ووحشيته. كانت فقط مهتمة بالحفاظ على المظهر الكاذب للزواج وتأدية الواجبات التي تعلمتها من أمها، و خالاتها وصديقها القس ماندرز. هل كانت ستعطي المورفين لأوزفالد حتى يموت... هذا ما لا نعرفه . كما جرت العادة يترك ابسن المشاهدين لطرح أسئلة مهمة وكبيرة. سئل إبسن من طرف الأديب وليام آرتشر (الذي ترجم إبسن إلى الانجليزية) عن ميسز ألفينج إن ساعدت أوزفالد على الموت أم لا. ضحك ابسن وقال: "لا أعرف. يجب معرفة ذلك بنفسك. لا أريد أبدا أن أحلم في اتخاد قرار أسئلة صعبة." يبدو الأمر تقريبا عندما تسرد كل المآسي على النحو التالي، تصبح كثيرا من الأشياء الجيدة، ما يعرض على خشبة المسرح فهو بعيدا عن الكوميديا. يشعرالمشاهد بالألم حينما يرى الشخصيات واحدا تلو الآخر في طريقها تدريجيا إلى التفكك. والسبب الذي يجعل المسرحية مؤلمة وليس مضحكة، لأن ابسن بطبيعة الحال يعرف متى سيأتي بالإفصاح عن بعض الأسرار. يعرف كيف سيستخدم التقنيات الأدبية وكيف سيستعملها على خشبة المسرح. وتلك هي عبقريةإابسن ككاتب مسرحي. في واحدة من المسرحيات يعالج ابسن مواضيع مثل الزنا، الأمراض التناسلية ، وسفاح القربى والقتل الرحيم. لكن مسرحية أشباح يضا تتحدّث عن الفرق بين البيئة الاجتماعية في النرويج وبلدان جنوب أوروبا، و الحياةالقمعية هنا في وطنه "النرويج" عكس الحياة السعيدة التي تعيشها الشعوب هناك ، لذلك تتعرض آلية مؤسسة الزواج في بلاده للنقد القاسي .
إنها ستكون فضيحة إذ أرجعت المكتبات مئات النسخ إلى دار النشر. الكثيرون لم يريدوا حتى الاعتراف باقتناء الكتاب. الناقد في الجريدة الصباحية يقول بأن هذا الكتاب لا يجب أن يوضع على مائدة في بيت مسيحي. لم تجرؤ المسارح في مدن كريستيانيا، ستوكهولم ، وكوبنهاغن على عرض مسرحية الأشباح. استغرق الأمرعامين قبل أن تعرض للجمهور النرويجي،و كانت الممثلة السويدية أوجست ليندبرج قد جاءت الى كريستيانيا مع الفرقة المسرحية، ورغم ذلك لم تعرض المسرحية في مدينة كريستيانيا . العرض الأول كان في عام 1900 ، سنة بعد افتتاح المسرح الوطني، عرضت المسرحية على مسرح ثابت في العاصمة. و في ألمانيا ، كانت المسرحية ممنوعة للعرض لعدة سنوات.
قدّمت مجموعة من الهواة الدنماركيين والنرويجييين المسرحية في شيكاغو بالولايات المتحدة للمهاجرين من الدول الإسكندنافية. كان ذلك أول مرة تعرض فيه مسرحية ابسن على جانب المحيط الأطلسي. جمع وليام آرتشر مجموعة من الاقتباسات من الجرائد الانجليزية عندما عرضت مسرحية الأشباح في لندن لأول مرة. " المجارير المفتوحة، ووجود جروح مقرفة مع ضمادة ممزقة، عمل قذر يعرض علنا، حقل مستشفى بنوافد وأبواب مفتوحة على مصراعيها .... هذه المسرحية كلها ابتدال وأنانية، خشونة وسخافة ... عرض منفّر ومثير للإشمئزاز ... عرض مريض وتخريبي، خطر على الصحة وتاريخ سيء ..."
حتى في النرويج تعرضت المسرحية إلى انتقادت سيئة وبغيضة. لكن هناك من كانوا يساندونه. بيورن ستيارنا بيورنسن كان واحد منهم. وأملي سكرام كانت أيضا واحدة من الذين كانوا يؤيدونه. كان دعم بيورنسن على وجه الخصوص حارّا لابسن. كانت بينهما عداوة منذ أن نشر ابسن مسرحية اتحاد الشبيبة. على الرغم من ذلك كان من بين القلائل الذين تحدّثوا علنا بطريقة لطيفة عن مسرحية الأشباح. كتب ابسن في رسالة:" الشخص الوحيد الذي كتب بحرية وجرأة بطريقة جيدة عني، هو بيورنسون. جرأته تشبهه. في الحقيقة له عقل ملوكي كبير ولن أنساه أبدا. بعد وقت قصير كانت مسرحية أشباح تكاد أن تكون واحدة من أكثر مسرحياته عرضا. ومن جديد سيكون إبسن متقدما بفارق كبير عن جمهوره
.

-2-

لكن ما الذي جعلها تؤثر في الجمهور اليوم؟

    الجمهور يعرف انه مسرح ، ما يحدث على خشبة المسرح ليس من الواقع، إنه فقط ممثلون يلعبون أدوارا. ولكن لا يزال المشاهدون يكادون أن يحبسوا أنفاسهم جميع أنحاء العالم عند مشاهدة مشاهد من المسرحية خاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الأطفال والآباء.  وكل من يجلس في قاعة المسرح من المشاهدين مرّ بمرحلة الطفولة، والعديد منهم  أيضا هم  آباء وأمهات. علاقة الأطفال بالآباء والأمهات هو ما يسمى موضوع أبديّ في الأدب . هناك شيء يعرفه عنه  الجميع في قاعة المسرح؛ وهو أن لديهم وجهات نظر ومشاعر مرتبطة. وعندما يكون المرء جالسا في قاعة المسرح يفكرّ المرء بطبيعة الحال بطريقة لا إرادية، في أمه أو أبيه أو ابنه أو ابنته  أو كلهم معا. كما يقارن المرء وضعيته بما يجري على خشبة المسرح . لكن معاصروا إبسن آنذاك لم يفهموا مضمون مسرحية أشباح. رأوا فقط الأشياء القبيحة التي لم يرد ابسن ذكرها بالاسم بشكل مباشر .

الدخول إلى المناطق المحظورة في الواقع الاجتماعي

لم يحدث أن كان نقد المسرحية مسرحية لأنها كانت سيئة، أو لأنها كانت مكتوبة بطريقة سيئة أو صعبة التمثيل على خشبة المسرح . انتقدت لأنها تتناول موضوعات حساسة لم يكن من المعتاد الحديث عنها ، أو ما نسميه بالمحرمات. كذلك النقد لم يوجه إلي ابسن الفنان وإنما إلى شخصيته كإنسان عادي. أصبح ينظر إلى ابسن كأنسان سيء مادام أتاح لنفسه أن يكتب عن مثل هذه الأمور، وبالتالي اختلط الحكم على المسرحية بشخص ابسن، أي أنه تم القفز عن موضوع المسرحية المهم آنذاك والآن ، لنقد الكاتب بشكل قاس لأن النقاد لم يمتلكوا الجرأة لتجاوز تلك المحرمات ( التابوات ) ، لأن النقد الموضوعي كان حتما سيعني مواجهة الجمهور الذي استشاط غضبا من جرأة إبسن ، وهذه عادة مرت بها غالبية الثقافات : يعرفون الممارسات السيئة والشاذة ، ومتأكدون أنها سيئة وشاذة ، ولكن يغضبهم كشف هذا المستور والمسكوت عنه.


هل هناك مثل هذه المحرمات اليوم؟ هل من الممكن أن نتصور فنانا يتعرض لانتقادات قوية من هذا القبيل كما تعرض إليها ابسن حين كتب مسرحية أشباح؟ لكن من هي هذه الأشباح التي تحدث عنها ابسن؟ نحن نعلم أن إبسن في حياته قد تعرض لأشباح. واحد منهم طفله الذي انجبه مع الخادمة في غريمستاد. شبح آخر كان أبوه الذي أفلس عندما كان ابسن صبيا صغيرا، والثالث هو تورمود كنودسن بورغيوردا الذي ربما كان على علاقة مع والدته ، وشائعات بعض الناس التي تقول أنه كان والد ابسن الحقيقي.

المسرح الواقعي ما بين الكشف والتعرية

هيلين ألفينج تقولها بهذه الطريقة لصديق العائلة باستور ماندرز بعد ان اكتشفت ان ابنها لديه علاقة مع الخادمة: "عندما سمعت ريجينا واوزوفالد  هناك ، كان كما رأيت أشباحا بالنسبة لي. لكنني أعتقد أننا كلنا أشباح تقريبا، أيها القس ماندرز. ليس ذلك فحسب ، ورثناها من الأب والأم ، الذين يلازمنا في خفايا أنفسنا: هناك أنواع متعددة من الآراء الميتة والمعتقدات القديمة وشيء من هذا القبيل.ليست حية في نفوسنا، لكنها رغم ذلك باقية فينا ولا نستطيع التخلص منها. . فقط حين أتناول جريدة لتصفحها، يبدو لي أنني أرى أشباحا في جميع أنحاء الأرض. لابد أن يكون عددهم كثيفا كما الرمل أعتقد ذلك.  ونحن مخلوقات الله الملتوية التي يرثى لها جميعا."

يبدو الأمر وكأن مصير الشعب في أشباح هو مقدّر سلفا ؛ الأجيال قبلهم قررت كيف ينبغي أن تكون حياتهم. في جميع العائلات هناك أشباح والأشباح تأتي مرارا وتكرارا . أبناء المدمنين على الكحول يصبحون هم أيضا مدمنون . الأطفال الذين تعرضوا لسوء المعاملة ، يمكن أن يصبحون هم أنفسهم مسيئين. الكثير من المؤلفات الأدبية التي كتبت في ذلك الوقت حول هذه الطريقة في عرض الحياة نسميها النزوع الطبيعي . في النرويج، كانت أملي سكرام ويوناس لي، النمادج الاولى في هذا الاتجاه. هذا الكاتب الرائد الطبيعي في أوربا كان الفرنسي ايميل زولا.   لكن ابسن كان فقط يزدرأ من زولا، وأعرب عن اعتقاده بأن الفرق بينه وبين إيميل زولا هو أن " زولا يغوص في أسفل المجاري ليستحم فيها بينما أنا أغوص لتنظيفيها." عندما يتعلق الأمر بالتأثر بالكتاب الآخرين، ابسن لم ينكر ذلك أبدا. كانت زوجته  تقرأ كثيرا خاصة الأدب الجديد. وقد يكون من الجائز أنها كانت كمستشارا له، لأنها كانت تقدم له ما كان يجب عليه أن يقرأه .  قال ابسن شخصيا أنه قرأ الكتاب المقدس -- "كان شديدا وقويا" -- والصحف. ولم يكن فقط يقلب صفحات الجرائد. بل  قرأ بعمق معظم الأشياء ، من الاعلانات الصغيرة حيث شخص يريد بيع طاولة القهوة إلى الأخبار العالمية الكبرى. خيال ابسن وحسه لمشاهدة الأحداث اليومية ، قد تكون الصحف فقط ما يحتاجها من مواد القراءة. ويبدو واضحا ؛ الصحف (التي كانت آنذاك السبيل الوحيد للحصول فيها على الأخبار) أعطى ابسن قراءة معمّقة وانطباعا قويا في كل يوم مما كان يتحرّك في ذلك الوقت. كل المواضيع التي تطرق إليها ابسن في الدراما المعاصرة كانت تعالج أيضا في الجرائد. كان الصحفيون يكتبون الأحداث الواقعية وابسن يحولها إلى فنّ.

في مقال من العام 1882 كتب برانديس حول إبسن : "كان يبدو لي دائما أنه يبطن مبدأ غامضا مع اشارات تخمر المستقبل في مراحله الأولى". هكذا هو الأمر مع الفنانين والمبدعين . لديهم حساسية  شديدة عند تناول أمور الواقع المعاش من خلال الفن الذي يختاره كل واحد منهم ، وكان ابسن قد اختار المسرح لأنه أكثر الفنون تجسيدا لمآسي الواقع خاصة عند تقديم هذه المآسي بشكل معاش من جديد على خشبة المسرح ، فيعيشها المرء مرتين : الأولى كقارىء والثانية كمشاهد لخشبة المسرح .

 

شخصيات مثيرة في الورق وعلى المسرح

 

أوزفالد في أشباح هو نوع من الذكور التي استخدمها ابسن في العديد من المسرحيات. هناك شخص وعادة ما هو فنان ، وبالتالي يقع خارج  غالبية المجتمع ؛ المهندس" شيخ البنائين"، المؤلف في" أيلوف الصغير" أو النحات في "عندما نحن نستيقظ نحن الموتى".  أو غيرهم من الأشخاص مع أي من الأفكار المنحرفة؛ المشرف الطبي على حمامات البلدية الصحية في "عدو الشعب"، المؤرخ الثقافي أيلرت لوفبورغ في "هيدا جابلر" أو مدير بنك في "يون غابرييل بوركمان". النساء والفنانين والأشخاص ذوي افكار المنحرفة -- وربما الشباب الذين يتمردون ضد قواعد المجتمع – أولئك الأشخاص التي تثير اهتمام الكاتب الدرامي إبسن.  هناك أناس يبحثون عن الحرية التي لا يستطيع المجتمع أن يوفرها. أو بعبارة أخرى : إن الحياة التي يعيشون فيها -- أو يحاولون عيشها -- لا مكان لها في ذلك الوقت في المجتمع كما الأمر في زمن ابسن.  أو ربما هؤلاء الناس أيضا ليس لديهم مكان في مجتمعنا اليوم.

قبل عام من صدور أشباح ألقى إبسن خطابا جادل فيه قائلا : أن المرأة يجب أن يكون لها وصول إلى رابطة الدول الاسكندنافية في روما. الخطاب سلط الضوء على نفس بعض ما قيل أعلاه . إن الشباب لديهم هذه الغريزة الرائعة، التي بطريقة لا ارادية يصيبون بها الهدف الصحيح. وهذه الغريزة تماما عند المرأة كما هي عند الشباب و الفنانين الحقيقيين . لم أعد أخشى على النساء والشباب و الفنانين الملتزمين. لكن ما أخشاه أن يتوجه نحو رجال مسؤولياتهم صغيرة وأفكارهم محدودة، رجال باهتمامات تافهة و أفكار بالية . هؤلاء الرجال يتكيفون كليا مع أفكارهم وكل الاجراءات التي يتخدونها ليس إلا لتحقيق بعض أهدافهم التي لا تخدم المجتمع ، بل مصالح شخصية ضيقة وغالبا تقاليدها بالية . تلك كانت أهمية مسرحية أشباح ، في مواجهتها لمجتمع يعيش تقاليد وعادات بالية متخلفة ، وفي الوقت ذاته لا مانع عنده أن يستمر في تلك الممارسات ، ويثور إن كشفتها أعمال فنية بجرأة مثل مسرحية أشباح .

 

Zakia Khairhoum

Ghaliawin11@yahoo.com

www.zakianna.se