
قصيدة نثرية
عبد الهادي شلا
مع تعليق للدكتورالمرحوم/ زكي العيلة
خرج
يبحث عنها
قلقا..منفعلا
حمل ديوان شعره الأول
سار بلا هدف
إنها في داخله ..
تلح عليه..
لاحقها
ما أن اقتربت وشع نورها..اختفت
سار في الشارع الطويل ..مرة أخرى ..لاحقها
ما زالت على عنادها
تصاعد الوهج الموجع في قلبه
***
على حائط السوق القديم إعلان لفيلم سينمائي.. توقف
خطف نظرة إلى الممثلة الشهيرة
ما رآى شيئا..ما شعر بشيء.. مشى .
أشعل سيجارة ثالثة
ألحت عليه..اختفت
الطريق كله..قطعه
ما رآى أحدا في الشارع المكتظ
سوى همهمات وطلاسم من كلمات ..سمعها
إلى الشاطئ ..نهاية الشارع..وصل
***
غشيته سكينة
أسرع الخطى ..إلى البحر
أراد أن يبلل قدماه
حينها..
اكتشف أنها أخرجته من البيت ..حافيا
***
لامست قدماه ماء البحر البارد
شعر براحة ونشوة
رأى زرقة البحر و السماء..في عناق
الموجات في عملها الدائم ..الدؤوب
تروح وتجيء
إنها تشبهها
إنها تروح وتجيء..أيضا .
ليتني أستطيع أن أمسكها..
تشرق..تتوهج..تضيء أحيانا
لكنها تفلت مني..
تغيب في عتمة لا قرار لها.. حدث نفسه
***
أسلم جسده لرمل الشاطئ
لأقصى الشمال وأقصى الجنوب.. مد يديه
رأسه إلى الشرق .. قدماه إلى الغرب
لامستهما موجة صغيرة على استحياء..لاعبته
شعر بها تسري في كل جسده المرهق.
اقتربت..
وسط الوهج القادم..رآها
مد يده في الوهج..
ألقى ديوان شعره ..
حلق في الفضاء..
هوى على الشاطئ.
أمسكها.
***
الغلاف
إكليل من الياسمين..
زيّن رأس فتاة..
طير أبيض ..وسط قمر فضي..
على كتفها.. رقص.
ريشة فنان ..أبدعته
***
الأحرف ..الكلمات .. أبيات الشعر
حبات لؤلؤ ..تناثرت
الإهداء
إلى وطن..هو وطني
إلى صديق..هو شهيد
إلى إمرأة..هي!! * (1)
في أول الديوان..كتبها
البيت الثاني من القصيدة..
وقع بين الرمل وبين الماء:
الطير مبهم الكلمات ..
والريح قد شاخت من السفر. * (2)
***
استسلم لنسيمات البحر.
الهمزات ..الكسرات والفتحات .. الإهداء وبيت الشعر
على ظهر الموجة.. ركبت
احتضنتها ..
عادت بها إلى البحر..
ودعته!! .
***
السُكون والشَّدة..
تَعِبت ..ألقت بجسدها على الشاطئ ..
تَحررَت من سجن الورق
واجَهَت الشمس
الموجة الصغيرة أصرت على أن ترجع بكل الكلمات والهمزات والكسرات والسكون
والشدة وأبيات الشعر
لتعيد بنائها مرة أخرى ..
هناك ..عند الأفق الذي اتسع أكثر .. فأكثر
أمسك بها
ضمها إلى أفقه ..
أغلق عليها قلبه.
انتظر عودة الشمس ليمنحها حريتها
إنها الفكرة.
أرهقته ..
من البيت ..أخرجته حافيا !!!
قراءة
الراحل الكبير الدكتور زكي العيلة
( الفكرة ) للقاص عبد الهادي شلا :
تنتمي بطلة النص ( الفكرة ) إلى عالم مجرد غير محسوس ـ حين تشكل عملية
توليدها هاجس الكاتب ، و إن كانت ( الفكرة ) هنا رمزاً أوسع يشمل فضاءات
الإنسانية و آفاقها .
في البدء نتتبع خروج الراوي مثقلاً بالهموم ، يلاحق شيئاً ما يقترب و يشع
نوره ثم يختفي ، وفي مطاردته لذلك الشيء ( الوميض ) المثقل بالعناد نجده
يتخطى دروباً ممتدة .
و في بحثه المضني المشحون بالوجع و الوهج يداهمه إحساس قبالة البحر باقتراب
و احتضان ذلك الشيء الذي أصابه بالتوهان ( لا مست قدماه ماء البحر ، شعر
براحة و نشوى ، رأى زرقة البحر والسماء..في عناقهما الأبدي الموجات في
عملها الدائم .. الدؤوب، تروح وتجيء ، إنها تشبهها ،إنها تروح وتجيء..أيضا
!!ليتني أستطيع أن أمسكها، تشرق.. تتوهج.. تضيء أحياناً ، تعاندني .. تفلت
مني ، تغيب في عتمة لا قرار لها) .
يهوي على الشاطئ ، يلتقط ما يبحث عنه حبات لؤلؤ تتناثر فوق الورق ، لتأتي
النهاية مباغتة ، محملة بالمفارقات (هناك ..عند الأفق الذي اتسع أكثر فأكثر
أمسك بها، ضمها إلى أفقه ..أغلق عليها قلبه.انتظر عودة الشمس ليمنحها
حريتها، إنها الفكرة .أرهقته ..من البيت أخرجته حافيا !!)
النص لغة مكثفة منحوتة بعناية و هي تلتقط فكرة عميقة تتمثل في وجع المبدع و
شقائه بمخاضات الكلمة ، نص يوفر للمتلقي هامشاً من الإمتاع و الإدهاش ،
فذلك الشيء المضني ، المطارَد و المطارِد ، المعجون بالعذابات ، ليس إلا
فكرة مجردة أشقت الكاتب و أرقته قبل أن يتصيدها و ينطقها بالمعاني الرشيقة
اللائقة ، بعد أن بعث فيها الحياة برحابتها و حقيقتها و شروطها.