|

قصة قصيرة
جوتيار تمر
شروق
في
رحلة مكوكية من بغداد الى مدينتي التي اعيش فيها عشت هواجس أشبه بهذيان رجل
خارت قواه من الهم الممزوج بالتعب والإرهاق..خرجت من بغداد في الخامسة مساء
وبعد ست ساعات بالتمام وصلت مدينتي الشمالية..وما ان حطت قدماي الارض حتى دب في
أعماقي شعور غريب..وكأني التقي بشخص غريب عني لا اعرفه ولا يعرفني...تراءا لي
وكأنه ضخم البنية..يملك عينين حادتين..كشفا لي عن امر مريع..لم اعرف اذا كان قد
ابتسم لي ام حاول استدراجي بشكل ما..تجاهلته في البداية..ومضيت لكن ابتسامته
حملت انكسارا مرعبا في داخلي..كنت أسير وأحس بمرافقته لي..ورصده لكل صغيرة
وكبيرة تصدر مني..بدأ شيئا فشيئا يحكم على محاصرته...وفي كل خطوة كان الفزع
يجتاح مني ما لا اطيق.
صادفت بعض المحلات ..حاولت ان احتمي بإحداها..دخلت..سألت صاحب المحل عن شيء ما
لا أتذكره بالضبط..التفت وجدته خلفي..يرافقني ..احيانا كنت اشعر بانه يحاصرني
من اكثر من جهة...واصلت سيري بعدها..الفزع مثله يلازمني اصطدمت برجل عجوز وأنا
احاول عبور الشارع العام..اعتذرت.. ثم انحدرت من الشارع العام الى احد
الفروع..لأتخلص من الزحام وعلني أتخلص من رفيقي...لكن..خاب ظني..بدأت ارواغه
لعلي في النهاية استطيع الانفلات من حصاره..لكن دون جدوى..أصبت بالذهول..حتى
اني فكرت بان استنجد بالمارة..لكن كأن عيناه الحادتان قد اخرسا لساني...اقترب
مني شيئا فشيئا...لم يكن يتكلم وكأنه اخرس... حتى انفاسه لم اكن اشعر بها مع
اني كنت اشعر بان أنفاسي تكاد تنقطع جراء السير الاشبه بالركض...ما كان يحيرني
انه لم يحاول معي شيئا حتى اهابه هكذا...حتى انه لم ينطق بكلمة..كل جريمته انه
حطم الفرحة التي كنت احملها في أعماقي.
أوقفت سيارة أجرة..دخلتها..نظرت خلفي...وجدته مغروس على المقعد
الخلفي..تجاهلته...صدمتي كانت اشد عندما وجدته ينزل في نفس محطتي...اقصد في نفس
الفرع الذي اسكن انا فيه..توجهت الى البيت وهو معي..كان الجميع في البيت
حاضرين..استقبلوني بالقبلات..جلست معهم للحظات..كنت التفت لعلي اجده لكنه
للحظات اختفى عن ناظري..استأذنت ..صعدت..ومنذ اللحظة التي غادرت فيها الأهل
وجدته يظهر من جديد...بدأ الفزع يجعلني مضطربا.. دخلت غرفتي.. أغلقت الباب
خلفي..تنفست الصعداء..لحظات قليلة سمعت طرقا للباب..انتفضت أعماقي
خوفا..تجاهلت..زاد الطرق إصرارا..كان الظلام يحوم حولي.. فكرت..جذبني نور ضئيل
يخرق الستائر..توجهت للنافذة..تحاملت على خوفي وبطريقة عجيبة..قفزت على عتبة
النافذة..التي توصل الى سلم خلفي.. وكأني آنذاك سمعت حركة داخل الغرفة..هرعت
وبدأت انزل السلالم راكضا..خرجت من البيت..وعلى الشارع بدأت اجري بطريقة
جنونية.. وكأن وحشا كاسرا يطاردني..تعبت قدماي..خارت قواي..اتكأت على حائط مبنى
قديم في زقاق ضيق..فكرت ما الذي أوصلني الى هذه المنطقة... لكن ظهوره أمامي لم
يدعني اجد الوقت الكافي لأعرف الإجابة...كان الظلام حالكا ومسجي على كل
شيء..فقط عيناه الحادتان كان بريقهما يقطعني خوفا.
عدت للركض من جديد...لا اعلم الى اين لكن كنت اركض...لحظات وكنت امام شجرة
كبيرة...خلفها مباشرة توجد شجرة صغيرة...وجدته منتصبا امامها.. تراجعت انا
وحاولت ان أتحسس الفراغ بيدي..شعرت حينها ان الإنسان بداخلي اصبح مجرد كتلة
خوف...وهو لا مبالي منتصب على بعد امتار قليلة.
الخوف...الفزع..بل الموت..هكذا بدا الأمر بالنسبة لي...حاولت ان اصرخ...لكن
مابه لساني مازال وكأنه مقيد بسلاسل نارية...أخرسني الفزع.. لكني لم أيأس بقيت
احاول الصراخ...حتى وجدت صراخي فجأة يكسر تلك القيود المفروضة عليه من
الفزع...شعرت بان حبائل صوتي قد تمزقت.
من هذا....؟ ماذا يريد مني....؟ لماذا يطاردني....؟ لماذا لا يتكلم....ما هذا
الصمت...؟ ثم شعرت بعد صراخي ذاك بالهدوء وكأن كسر تلك القيود كان فرجا.. لكن
لا...ابد...فالهدوء غمرني لأنه بعد كل هذا الصراخ لم ألاحظ منه أي تصرف
يفزع...بل بقيت بعدها طوال الوقت أتسائل هل ابتسم لي أم حاول استدراجي...؟
الفزع بدأ شيئا فشيئا يقل...عيناه الحادتان بدأ بريقهما يتوارى خلف
الظلمة...وبدأ هو يتراجع شيئا فشيئا....حتى توارى خلف الظلمة...لكني بقيت
أتسائل هل ابتسم لي أم حاول استدراجي....وتراه من يكون ..وماذا يكون...؟ |