الأدب1 

صفحات خاصة

.

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

الفراشة

 

قصة قصيرة :

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 صالح البدري*

 

    رآها .. ولكن أين ؟ كأنه يطير فوق السحاب أو ربما وسط الضباب ، أو على موجة من الأحلام . إنه لا  يدري ؟
كان كل شيء زاهياً ، وبأطياف ألوان قوس قزح . هي التي كان يحلم أن يلتقيها في كل صحوة أو إغماضة عين . بالمصادفة أو مع سبق الأصرار والأنتظار والترقب .  بقامتها الهيفاء الجميلة الطويلة كجذع نخلة ، ليضع  رأسه المُتعب في حضنها الدافئ الرحيم . ويداعب خصلات شعرها الطويل الماسي الناعم ، وتداعب خصلات شعره التي صبغ بعضَها ،  لونُ الثلج  ،  وتملأ صورتها عينيه وقلبه حاضره ومستقبله .
وإلتفت إليها بكل الحنو. وإلتفتت إليه بدلال وغنج وإثارة ، فرأى في إلتفاتتها ، كل دفىء العالم وأمانه . فتطاير شعرها خلال إلتفاتتها كسحابة من ذهب ، كشف عن لوح بريق من حولها كخلفية ذهبية ، وخطت الى إمام كناقة شاردة في صحراء عمره القاحلة . أو كغزالة مرعوبة من مطاردة صياد  لها  في أخاديد صخور جبل قاس .
قرر أن يتبعها . لم تنطق هي بحرف . ولم تصده عنها  وكأن نظراتها تقول له : هيا إتبعني ، إمسكني ، إحتضني ؟
وزادت خطواتها سرعة وديناميكية ، فحث هو الخطى وزاد من الحماس في تتبعها ، وأخذت هي تركض ، وتركض وتركض . عيناها بأتجاهه ، وهو يركض ويركض ويركض . وعيناه  بأتجاهها وهما متعلقتان بها . وقلبه كذلك ، خافقاً  من الفرح والشوق إليها ، وقد نبتت له جناحان ورديان شفافان .
مرا  وسط صخور ناتئة حادة ، وأشواك وعواسج قاسيين . بعد أن إجتازا مساحات ساخنة ،  بل ، وملتهبة من الرمال والحصى ، حتى وصلا حافة  قمة جبل حاد الأرتفاع  ؟
فجأة ، نبت لها جناحان أبيضان براقان كجنا حي فراشة بيضاء . وأخذت  تطير رويداً رويداً ، وهو يركض خلفها ينوي اللحاق بها . ولم يأبه للصخور والأشواك التي أدمت قدميه الرقيقتين ،  حيث سال دمهما فوق الصخور والحصى والأتربة .
كم تمنى هو ، لو تنبت له جناحان مثل جناحيها أو مثل قلبه ، لكنها  إبتعدت عن المكان . ولم ير إلا طيفاً أو شبحاً في السماء يبتعد وسط سراب خانق موحش ، حتى وقف على حافة الجبل متطلعاً إليها ومتـرقباً عودتها  بعد إنتظار قروني . لكنها إبتعدت .. وأبتعدت .. وأبتعدت . ....
 
وتلقفها الأفق البعيد .. ثم غابت ، مثلما حضرت . بعد أن حضرت ، ثم غابت . وقتها ، كره الأفق القريب وكره الأفق البعيد . وأحس بخسارة كبيرة لا تضاهيها خسارة فقدانه لحبه المغدور ، والذي كان من طرفه هو .. ومن بعيد .   
وقتها تمنى أن يقف  على حافات كل الجبال وعلى أبواب كل الأودية  ليصرخ : "مات حبي
 "
ماتت حبيبة في الأحلام ، في زمن الأوهام والآلام " .
==================
*صالح البدري - العراق/النروج
salehalbadri@yahoo.com         

==================