قصة قصيرة :

صالح
البدري*

رآها
..
ولكن أين ؟ كأنه يطير فوق السحاب أو ربما وسط الضباب ، أو على موجة من
الأحلام . إنه لا يدري ؟
كان كل شيء زاهياً ، وبأطياف ألوان قوس قزح . هي التي
كان يحلم أن يلتقيها في كل صحوة أو إغماضة عين . بالمصادفة أو مع سبق الأصرار
والأنتظار والترقب . بقامتها الهيفاء الجميلة الطويلة كجذع نخلة ، ليضع رأسه
المُتعب في حضنها الدافئ الرحيم . ويداعب خصلات شعرها الطويل الماسي الناعم ،
وتداعب خصلات شعره التي صبغ بعضَها ، لونُ الثلج ، وتملأ صورتها عينيه وقلبه
.
حاضره ومستقبله
.
وإلتفت إليها بكل الحنو. وإلتفتت إليه بدلال وغنج وإثارة ،
فرأى في إلتفاتتها ، كل دفىء العالم وأمانه . فتطاير شعرها خلال إلتفاتتها
كسحابة
من ذهب ، كشف عن لوح بريق من حولها كخلفية ذهبية ، وخطت الى إمام كناقة شاردة
في
صحراء عمره القاحلة . أو كغزالة مرعوبة من مطاردة صياد لها في أخاديد صخور
جبل
قاس .
قرر أن يتبعها . لم تنطق هي بحرف . ولم تصده عنها وكأن نظراتها تقول له
:
هيا إتبعني ، إمسكني ، إحتضني ؟
وزادت خطواتها سرعة وديناميكية ، فحث هو الخطى
وزاد من الحماس في تتبعها ، وأخذت هي تركض ، وتركض وتركض . عيناها بأتجاهه ،
وهو
يركض ويركض ويركض . وعيناه بأتجاهها وهما متعلقتان بها . وقلبه كذلك ، خافقاً
من
الفرح والشوق إليها ، وقد نبتت له جناحان ورديان شفافان
.
مرا وسط صخور ناتئة
حادة ، وأشواك وعواسج قاسيين . بعد أن إجتازا مساحات ساخنة ، بل ، وملتهبة من
الرمال والحصى ، حتى وصلا حافة قمة جبل حاد الأرتفاع ؟
فجأة ، نبت لها جناحان
أبيضان براقان كجنا حي فراشة بيضاء . وأخذت تطير رويداً رويداً ، وهو يركض
خلفها
ينوي اللحاق بها . ولم يأبه للصخور والأشواك التي أدمت قدميه الرقيقتين ، حيث
سال
دمهما فوق الصخور والحصى والأتربة
.
كم تمنى هو ، لو تنبت له جناحان مثل جناحيها
أو مثل قلبه ، لكنها إبتعدت عن المكان . ولم ير إلا طيفاً أو شبحاً في السماء
يبتعد وسط سراب خانق موحش ، حتى وقف على حافة الجبل متطلعاً إليها ومتـرقباً
عودتها بعد إنتظار قروني . لكنها إبتعدت .. وأبتعدت .. وأبتعدت
. ....
وتلقفها
الأفق البعيد .. ثم غابت ، مثلما حضرت . بعد أن حضرت ، ثم غابت . وقتها ، كره
الأفق
القريب وكره الأفق البعيد . وأحس بخسارة كبيرة لا تضاهيها خسارة فقدانه لحبه
المغدور ، والذي كان من طرفه هو .. ومن بعيد
.
وقتها تمنى أن يقف على حافات
كل الجبال وعلى أبواب كل الأودية ليصرخ : "مات حبي"
"
ماتت حبيبة في الأحلام
، في زمن الأوهام والآلام
" .
==================
*صالح
البدري -
العراق/النروج
salehalbadri@yahoo.com
==================