
قصة
:بقلم
خالد السروجي

alsrogy2002@yahoo.com
أصدقاء القصة السورية
لم
يكن حلمه بالبالطو الأبيض ، وهوى زميلة الطب ذات البشرة الحليبية ، وقطته
السيامية البيضاء مجرد مصادفات فى حياته ، فالأشياء البيضاء دائماً ما كانت
تخطف بصره وتأسر قلبه بقدر ما ينقبض من اللون الأسود . وخرج لأول مرة فى حياته
فى مظاهرة ليهتف بحماس ضد كل الأشياء السوداء ، ولم يكن يشعر – لفرط حماسه –
ببرودة يناير القارصة . وأثناء المظاهرة كانت تلتقى نظراته مع نظرات رفاقه فى
الجامعة ، فتعبر العيون عن الفرحة بما يصنعونه . ولكن الجنود أحاطوا بهم ،
وأوسعوهم ضرباً بالعصا المكهربة . واستطاعوا الإمساك به مع بعض رفاقه ،
واقتادوهم إلى مبنىً بارد ، ثم أدخلوهم إلى ضابط شاب أكسبته البدلة الرسمية
السوداء هيبة وجلالاً .
قال لهم الضابط حانقاً :
- تهيجون الناس يا أبناء الزوانى .
أوجعه أن تهان أمه بهذا اللفظ . فتح فمه ليرد ، ولكن صفعة اعتقلت رده فى لسانه
. احمر وجهه غيظاً وقهراً .
علا صوت الضابط :
- إن لم يعجبك الكلام ، نستطيع أن نزنى بأمك هنا أمامك .
وأشار الضابط لرجاله ، فأمسكوه وجعلوا رأسه إلى الأرض ، وضربوه بعصاً رفيعة
ملفوفة على أقدامه المرفوعة لأعلى . حاول أن يتحداهم بتحمل الألم وعدم الصراخ .
قال له الضابط ساخراً :
- تظن نفسك رجلاً ؟!! .
ثم أردف مخاطباً جنوده :
أعيدوا إليهم عقولهم داخل الرؤوس .
اقتادهم الجنود إلى غرفة باردة وكئيبة ، وتباروا فى إيلامهم وإهانتهم . ورسم له
أحد الجنود دشاً على الحائط وأجبره على خلع ملابسه والاستحمام تحته وسط ضحكات
باقى الجنود . لم يقو على الاحتجاج . كان يبتلع الإهانات ، فيشعر بمرارتها فى
حلقه ، وهو الذى لم يعتد الإهانات طيلة عمره القصير . وكان يضنيه التساؤل : ما
الذى يبرر إهانة أى إنسان ؟!! . حاول أن يتذكر أشياءه البيضاء ، فجاءت صورها
باهتة مهتزة .
كان رقيقاً وضعيفاً ولم يستطع تحمل نوبات الضرب المبرح ، فأغمى عليه عدة مرات .
عندما أفاق من الإغماءة الأخيرة ، نظر بتلقائية – من خلال الضوء الضعيف بالغرفة
– إلى ساعة يده فوجدها تشير إلى الثالثة . اندهش لأنه كان قد نظر فى ساعته قبل
أن يقبضوا عليه بحوالى الساعة ، وكانت الثانية ظهراً . والآن قد حل المساء .
عند الفجر ألقوا عليه ماءً باردًا ، فاستيقظ مذعوراً . وأخبره أحد الجنود بأنه
قد أصبح ديكاً وأن عليه أن يؤذن مثل الديكة حتى يوقظ رفاقه ، وجعلوه يؤذن
كالديكة حتى استيقظ رفاقه .
عندما أفرجوا عنه ، كان قد أحس بشرخ فى روحه ، شعر بأنه لن يلتئم أبداً . كانت
روحه ممتهنة ، ولم يكن قد جرب من قبل القهر والامتهان . نظر إلى الناس فى
الشوارع ، فأحس بأنهم مجرد آلات تتحرك . بدت له الشوارع كئيبة ومعتمة رغم أضواء
المصابيح . حاول أن يتوارى عن الناس حتى لا يروا روحه الممتهنة . حانت منه نظرة
إلى ساعة يده . كانت لا تزال تشير إلى الثالثة . لأول وهلة ظن أن الساعة قد
أصابها العطب ، ولكنه اندهش عندما رأى عقرب الثوانى يدور بلا انقطاع . وعندما
مر بأحد المقاهى ، لاحظ أن الساعة المعلقة على الحائط تشير إلى التاسعة والنصف
.
عندما شاهدوه فى البيت بعد هذا الغياب فرحوا ، ولكنه لم يستطع أن يفرح . ولما
أفزعهم منظره حاولوا إضحاكه . حاول أن يجاملهم ، ولكنه اكتشف عدم قدرته على
الضحك . كان يخشى أن يشاهدوا روحه المشروخة . أغلق عليه باب غرفته ، ولم يرد
على الطرقات أو النداءات . كان منكفئاً على شرخ روحه الذى بدأ يتشعب ليصبح عدة
شروخ . نظر بيأس إلى ساعة يده وكانت لا تزال تشير إلى الثالثة رغم دوران عقرب
الثوانى .
عندما حاول بعد ذلك أن يفتح أحد الكتب ، تراءت له على الصفحات مشاهد امتهانه ،
فأغلق الكتاب بعنف ليهرب منها ، ولكنها ظلت تطارده بلا رحمة . حاول أن يتذكر
أشياءه البيضاء : البالطو ووجه الحبيبة والقطة السيامية ، ولكن الذاكرة كانت
عصية . فقط كانت بدلة الضابط الرسمية السوداء هى التى تلح على مخيلته . نظر
بحنق إلى ساعته وقرر يائساً أن يذهب إلى محل الساعاتى .
ناوله الساعاتى ساعته وهو يقول له باسماً :
- الساعة سليمة وليس بها عطب .
وضعها فى يده بصمت ، ومضى ساهماً . كان ينظر إلى مشاهد الحياة فى الشوارع بعدم
اكتراث . البيوت لازالت كئيبة ، والناس لا يزالوا مجرد آلات تتحرك .
سأله أحد المارة :
- كم الساعة الآن ؟
أجاب دون أن ينظر إلى ساعته :
- الثالثة تماماً .
نظر إليه السائل فى ذهول ، ثم ابتعد عنه مهرولاً .
لم يحك لأحد عن وجعه . كان يلتف بصمته ، ويحاول أن يتوارى عن العيون حتى لا
يلاحظ أحد شروخ روحه التى كانت تتسع وتتشعب بلا نهاية .