الغيمة الكتابيّة
تماهي الشعريّ بالسرديّ
في الرواية السعوديّة

دراسة في حلقات
الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيفي*
[ الحلقة الأولى ]
مدخل
نظري في (تداخل الأنواع الأدبيّة):
ما زال البحث في الأجناسيّة الأدبيّة مجالاً غير مطروق بكِفاية في المشهد
النقديّ العربيّ. وإلى ذلك فإن الذاكرة الشِّعريّة العربيّة ما تزال
متغلغلة بكثافة في نسيج الخطاب العربيّ، أدبيّ وغير أدبيّ. وهو ما يفسح
الحقل الأدبيّ واسعًا للتداخل النوعيّ بين الشِّعريّ والنثريّ، عن وعي
نوعيّ تارة وعن غير وعي غالبًا، كما أنه- من جهة أخرى- كثيرًا ما تختلط
أوراق الأجناس الأدبيّة في المشهد النقديّ، على نحو يستدعي إعادة التدقيق
في جاهزيّة التصنيفات النوعيّة المتوارثة.
وإذا كان التداخل بين الشِّعريّ والسرديّ معدودًا في الكتابات المعاصرة من
جملة التقنيات الخطابيّة الحداثيّة، أو ما بعد الحداثيّة، فإن للأسباب
المشار إليها في السياق العربيّ لدورًا مضاعفًا في بروز هذه الظاهرة. بيد
أن الأمر يزداد حِدّة إشكاليّة حين يكتب النص السرديّ شاعرٌ ذو تجربة
مهمّة، فيتمخّض عمله عن شكلٍ كتابيّ ملتبس الهويّة، يقع في منطقة برزخيّة
بين نوعين أدبيّين، جديرةٍ بأن تُعطَى تسميتها المائزة، المتفّقة مع
طبيعتها الخاصّة.
ذلك ما تخوض فيه هذه القراءة، التي أصلها ورقة بحث قدّمت إلى مؤتمرٍ دعيتُ
إليه في جامعة اليرموك، بالأردن، 22 – 24 / 7 / 2008. وهو المؤتمر الثاني
عشر للنقد الأدبي في الجامعة، تحت شعار "تداخل الأنواع الأدبيّة". وتتّخذ
القراءة نموذجها من العمل السرديّ السعودي بعنوان "الغيمة الرصاصية: أطراف
من سيرة سهل الجبليّ"، للشاعر علي الدُّميني، نشره سنة 1998. وتأتي ضمن
مشروع استقرائيّ أوسع في هذا القطاع من الطفرة السرديّة التي عرفتْها
الكتابة في السعوديّة خلال العِقدين الأخيرين، وهو ما أسماه الدارس في
مقاربات سابقة بظاهرة "القصيدة-الرواية"، بُغيةَ المزيد من تمحيص المصطلح
وسبر اعتمالات الخصائص الفنّيّة. وكنتُ قد ألقيتُ ورقة بحثٍ سابقة في هذا
السياق بعنوان "القصـيدة- الرواية: تداخل الأجناس في بلاغيات النصّ المعاصر
("الحزام" لأبي دهمان: نموذجًا)"، في المؤتمر الدولي الرابع للنقد الأدبي،
تحت شعار "البلاغة والدراسات البلاغية"، الذي أقامته الجمعية المصرية للنقد
الأدبي، بالتعاون مع جامعة عين شمس، في القاهرة 1-5 نوفمبر 2006.
ويُعدّ البحث في شأن الجنس الأدبي جديدًا على النقد العربي؛ الذي ظلّ
منشغلاً إلى وقت قريب بقسمة حدّية للأدب إلى: شِعر ونثر، دون النظر في
التماهي بين الدائرتين، أو بين عناصر كل دائرة. هذا إضافة إلى ذلك التعليل
العام الدارج من "أن التعرّف على الأجناس الأدبية وتحديدها أكثر صعوبة من
الفنون الأخرى أو من الأجناس الخطابيّة غير الأدبيّة."(1) ولا يمكن القطع
بتصنيفٍ واحد ثابت وتعريفٍ محدّد لا يتغير للجنس الأدبيّ؛ فالجنس الأدبيّ
كائن حيّ، لا ينمو فحسب، ولكنه أيضًا يتغيّر من طورٍ إلى طور، ذلك أن
الأجناس الأدبية- حسب كليتون كولب(2)- "مؤسّسات، يجب التخلّي عن فكرة
تعريفها، إلاّ بصورة جزئيّة، وضمن سياقات خاصة". وتبعًا لذلك، فإن أسماء
الأجناس الأدبية نفسها يجب أن لا تكون نهائيّة ولا ثابتة. فليس مصطلح
"رواية"، الذي عبّر عن نوعٍ سرديّ من النصوص في حِقبة تاريخيّة ما، صالحًا
لاستيعاب دلالة التطوّرات في ذلك النوع، والتحوّلات التي مرّ بها- فضلاً عن
تلاقحه وتوالجه مع غيره من الأنواع- في حِقب أخرى، ممّا أدّى إلى انزياح
معاييره السالفة أو انتقالها عمّا كانت عليه. ولقد كان هناك التفات منذ وقت
مبكر- لدى ديوميد (نهاية القرن الرابع) مثلاً- إلى ما يسمى: "الجنس
المختلط"(3).
وفي حقل التعالق بين الشعريّ والسرديّ نجد أن جان إيف تادييه
Jean Tadi’e
قد أشار إلى ما أسماه بـ"الرواية الشعريّة"، معرباً عن أنه يمثل كسرًا في
قواعد الخطاب الروائيّ، وذلك حينما "تتحوّل الرواية إلى شكل شعريّ بكلّ ما
يميّزه هذا الشكل من (تناسق) و(خفوت)"(4). لكن ما تحدث عنه تادييه إنما
يمثّل صراعًا "بين الوظيفة المرجعيّة ذات الدور الإيحائيّ والتمثيليّ،
والوظيفة الشِّعرية التي تشدّ الانتباه إلى الشكل ذاته للخطاب"(5). بحيث
يغلب أحد الطرفين- الروائيّ أو الشعريّ- الآخر، ومن ثم تفتح (الرواية
الشِّعريّة) "في غنائها العميق الأساطير لمتعة الحواس، وتفتح الإحساس لفرحة
الأساطير"(6). أي أن ما سمّاه تادييه "رواية شعرية" تظلّ رواية كاملة
الهويّة، ولكنها توظّف الشِّعريّة لأغراضٍ روائيّة. فهي "رواية كلّيّة، لا
تتابع التفاصيل، وإنما وظيفتها رصد الحالة"(7). ولعلّ خير نماذجها في
السياق العربي "رامة والتنين" للخراط.
ويأتي هذا الشكل الكتابي نتاجًا حداثيًّا، تنطمس فيه الفروق بين الأجناس
الأدبية، حيث بات الشِّعر يتقمّص النثر، منذ تي. إس. إليوت
T.S. Eliot،
أو إي كامنجز
Ee Cummings،
كما يتقمّص النثر الشِّعر، مثلما هي الحال عند وولف
Woolf،
أو جويس
Joyce،
أو نيكوس كازانتزاكي
Nikos
Kazantzaky.(8)
والروايات اليوم- كما يشير الشاعر المكسيكي (أوكتافيو باث)(9)- تنزع عمومًا
إلى التحوّل أكثر فأكثر إلى تشكيلات لفظيّة، غير كثيرة الاختلاف عن بنى
الشِّعر، كما تستعيد القصيدة لدى بعض الشعراء النَّفَس الملحميّ، فتقترب من
الرواية.
بيد أن قصارَى ما يعنيه هذا هو اختلاط الشِّعر بالنثر في ضرب من تقنيات
الخطاب الروائيّ الحديث. وذاك غاية ما يدلّ عليه مصطلح "الرواية
الشِّعريّة" لدى (تادييه). أي أن مصطلح "الرواية الشِّعريّة" ما هو إلا
محاولة لفرز هذه الرواية المتمتعة بمسحة شِعريّة عن الرواية النثريّة
الاعتياديّة، فهو نظير تسميات أخرى، كـ"الرواية البوليسيّة" أو "الرواية
الغرائبيّة" أو "رواية المغامرات"، ونحوها. أمّا ما هي بصدده هذه المقاربة
من نموذج، فإنه يتجاوز فضفاضية هذا الاصطلاح وأريحية ذاك المفهوم، الدائر
في فَلَك الرواية، بوصفها جنسًا أدبيًّا. من حيث هو نموذج من نمط كتابي
تكاد تمّحي هويته الروائية في شعريّته المطلقة، وهو ما يسوّغ اتخاذه
مصطلحاً جنسيًّا أشدّ تحديدًا وأضيق تبئيرًا، يتلاءم وطبيعتها، ألا وهو:
"القصيدة-الرواية".
ويقف المتتبع على ثلاثة أعمال ممّا نسمّيه (القصيدة-الرواية) في المملكة
العربيّة السعوديّة، هي: (سقف الكفاية، لمحمّد حسن علوان: 2002، والحزام،
لأحمد أبي دهمان: 2001 (الترجمة العربيّة)، والغيمة الرصاصية، لعلي
الدميني: 1998)، تمثّل أبرز النماذج من هذا النوع الذي ينتقل فيه النصّ من
محض التوالج الشعريّ بالسرديّ إلى مستوى ما أطلق الدارس عليه:
"القصيدة-الرواية". وقد أُنتجت جميع تلك الأعمال- كما هو واضح- خلال نهايات
العِقد الأخير من القرن الماضي وبدايات العِقد الأوّل من هذا القرن. وقد
تكون لهذا التوقيت في ذاته دلالته، التي ربما تمثّلتْ في محاولة الذاكرة
الشِّعريّة العربيّة الانتصاف من جنس أدبي- هو الرواية- كان قد شَرَع يزاحم
فنّ الشِّعر في عُقر داره، ويسحب البساط من تحت قدميه في قلب وجوده
العربيّ، جزيرة العرب، فيَسْتَرِق منه أضواءه التاريخيّة. فجاءت تلك
الكتابات حركة لا واعية يمارسها هؤلاء الشعراء، ردةَ فعلٍ شِعريّة تضاف إلى
ردّات الفعل الأخرى العربيّة المتوالية، ولاسيما عقب فوز نجيب محفوظ بجائزة
نوبل، فضلاً عن دوافع التيار العالمي الجارف صوب النثر وفنون السرد.
وفي المقال التالي قراءة في نصّ "الغيمة الرصاصيّة"، بوصفه (قصيدة-رواية).
[ الحلقة الثانية ]
يمثّل نصّ "الغيمة الرصاصيّة"، لعلي الدُّميني(1)، أثرًا من آثار هجرة بعض
الشعراء في السعوديّة من عالم الشِّعر إلى عالم السَّرد. وهذا النصّ- الذي
أرسله المؤلّف من مدينة الظهران، بتأريخ 4/ 2/ 1998، قائلاً: "لعلّ هذه
الغيمة النقيّة الخالصة للحرف والنَّدَى تصلكَ وقد تخفّفتْ من صمتها
ورصاصها"- هو نصٌّ ملبّدٌ بالصمت والرصاص بالفعل. ذلك أنه نصّ سورياليّ
الأسلوب، وإنْ سمّاه صاحبه "رواية"، مثبتًا تحديده الأجناسيّ هذا على صدر
العمل، بخلاف ما فعله (أحمد أبو دهمان) إذ ترك نصّه "الحزام"(2) مفتوحًا
لرياح التصنيف من قِبَل القارئ، مكتفيًا بدور الكاتب.
إن عنوان "الغيمة الرصاصيّة" ليشفّ للقارئ، منذ أوّل وهلة، عن ذكرى تلك
الغيمة الرصاصيّة التي غطّت عين الشمس إبّان حرق آبار النِّفْط أيّام غزو
العراق الكويتَ. وقد أشار النصّ إلى ذلك مباشرة في قوله- وهو يتحدّث عن
أزمة الخليج الثانية-: "يوم أطفأت الصواريخ موجاتها، وأغلقتْ المدافع
فوّهاتها بالهواء، كانت السماء رصاصيّة، تهلّ المطر والقطران ودخان الآبار
المحترقة."(3) أو قوله: "أطفأت الكويت مئتي بئر مشتعلة، وانقشع جزء من غيوم
البترول الرصاصيّة التي تحجب الشمس فوق الخليج."(4) وهو ما يرسم للنصّ في
مخيّلة القارئ جوّه السياسيّ. بيد أن عنوان النصّ الفرعيّ، "أطراف من سيرة
سهل الجبليّ"، يشكّل غيمة أخرى من علامات الاستفهام حول "سهل الجبليّ" هذا
وأطراف سيرته؟
وسيتّضح منذ مدخل النصّ أن سهلاً الجبليّ هو سارد النصّ وحامل ضميره
المتكلّم، متألّفًا من هذا الطِّباق بين (السهل) و(الجبل)، وكأنما هو- في
الدلالة النصوصيّة- سهلٌ ممتنع، ظلّ يبحث عنه بطل النصّ. مثلما هو في بُعده
التناصّيّ مع التراث يُحيل على (سُهيل اليمانيّ)، الذي يتطابق رمزيًّا مع
المكان الذي ينتمي إليه المؤلّف، في جنوب الجزيرة العربيّة. ما يعني أن
سُهيلاً اليمانيّ هو رمز للمؤلّف نفسه، وأن سيرته هي سيرة المؤلّف نفسه، لا
بصفته الشخصيّة ولكن بماهيّته الرامزّة إلى الإنسان العربي. وسيذكرنا بقول
(عمر بن أبي ربيعة)(5):
أيها المنكح الثُّريّا سُـهيلاً،
عَمْركَ اللهَ، كيف يلتقيانِ!
هي شاميةٌ إذا ما استقلّتْ،
وسُهيلٌ إذا استقلّ يماني
وسَهْلٌ وسُهَيْلٌ: اسمان. وسُهَيْلٌ: كوكبٌ يَمانٍ. وكان سُهيل- بحسب
الأسطورة- رجلاً يمانيًّا فحلاً فاتكًا، وقيل كان عَشَّارًا على طريق
اليَمَن، ظَلومًا، فمسَخَه الله كوكبًا، وقد رَوَوْا قصّة زواجه بالجوزاء.
وكانت الثُّريّا في المقابل امرأة شاميّة فاتنة متعرّضة للخطبة، حسبما جاء
لديهم في قِصّة ما ساقه (الدَّبران) من قِلاص لمَهرها(6).
وأهميّة رمزيّة سهل تلك ستتضح من خلال "الغيمة الرصاصيّة"، لا في تركيبة
الاسم بين "سهل" و"جبل" فحسب، ولكن كذلك في تلك الخلفيّة التناصّيّة مع
"سُهيل اليمانيّ"، الذي لا يمكن أن يلتقي بالثُّريّا، بما هذه الأخيرة رمز
شآميّ مقابل رمز يمانيّ، وأنثى تكامليّة مع ذَكَر، لكن كلاًّ منهما في
اتجاه، نكاحهما مستحيل، كاستحالة أن يكون اليَمَن شامًا، والشام يمنًا، في
بنية وطنٍ واحد غيرِ واحد، وظروف جسدٍ فَرْدٍ لا تلتقي أطرافه. وتلك هي
الأبعاد التي ستنشغل بها مضامين النصّ.
وفي نصّ "الغيمة الرصاصيّة" نقرأ نموذجًا آخر من نموذجات
(القصيدة-الرواية)، يضاهئ "الحزام"، لأبي دهمان، و"سقف الكفاية"، لمحمّد
حسن علوان. بل إن "الغيمة الرصاصيّة" ليكاد أن يبثّ القارئَ الأجواء ذاتها
التي تبثّها إليه قصائد معيّنة من شعر الدُّميني، ولاسيما قصيدته "يمامة
على جداريّة الأزمة"، أو "غيمة لي وقميصٌ لفتنتها"، من مجموعته الشعريّة
"بياض الأزمنة"(7). فمن أجواء النَّصّ الأول وُصُوله إلى القول:
بغداد كيف أفرُّ من هلعي عليكِ
واسيتُ جرحكِ حين غرّبكِ الزمانُ،
وكنتُ أملأ بابكِ المائيَّ
بالأعراس والحلوَى
وأجلو ساعديكِ
ما مرّ فوق عرائش الليمونِ إلاّ وجهكِ العربيّ، يا بغداد
هل هانت لديكِ
أرواح من نَفَقُوا على سواد الجبال
أحزان من حملوا إلى باب "المعظّم"
عرش أسراهم، وقتلاهم،
وغُصّة كل بيت؟
أرأيت فاجعة الكويت!
لا حلّ إلاّ من يديك
لا حلّ إلاّ من يديك
فتسوّري وجه الفرات إلى مخادعهم
وخوني قاتليك(8)
وفي النصّ الآخر، بعنوان "غيمة لي وقميص لفتنتها"، نقف على ثلاثة عناوين
لثلاثة أجزاء، هي: "فجر الاثنين"، "مساء الأحد"، "صباح الجمعة". في رمزيّة
زمنيّة عدديّة يتنامَى النصّ فيها بين الزوجيّ والفرديّ والجمع، في إشارة
إلى هاجسَي الفراق والأمل في العودة؛ فالمدينة- كما يقول في "فجر
الاثنين"(9)-:
غارقةٌ في هواء من القار،
غائبةٌ في حضورٍ من النار
تهائهة في الهويّة والاهتواء
...
فيما يقول في "مساء الأحد"(10):
وأسلمتُ لله أمرَ المدينة مذبوحةً دون ذنبٍ سوى حزنها، ...
ويبزغ الوطن في "صباح الجمعة"(11):
(ولي وطـنٌ) قاسَمتُه فتنة الهوَى
ونافحتُ عن بطحـائه من يقاتـلُهْ
إذا ما سقاني الغيث رطباً من الحيا
تنفّس صبحُ الخيل وانهـلّ وابلُـهْ
وإن مسّني قـهرٌ تلمّستُ بـابَـهُ
فتورق في قـلبي بُروقاً قـبائـلُهْ
تمسّكت من خـوفٍ عليه بأمـّتي
وأشهرتُ سيفَ الحُبّ هذي قوافلُهْ
وهذان النصّان الشعريّان- "يمامة على جداريّة الأزمة"، و"غيمة لي وقميصٌ
لفتنتها"- مؤرّخان بتأريخ تلك الأزمة، فالنصّ الأول بتأريخ 27/ 10/ 1990،
(الظهران)، والنصّ الآخر مؤرّخ: بين يناير ويوليو من عام 1991. فيما جاء
نشر "الغيمة الرصاصيّة" متأخّرًا، بطبيعة الحال، إلى 1998. لكنه نصٌّ يلوب
على هذه الرموز، والهموم، وإنْ بطريقة أكثر إيغالاً في غموضها، وإبعادها عن
الاحتمالات المباشرة للقراءة.
وفي المقال التالي نواصل القراءة في "الغيمة الرصاصيّة".
[ الحلقة الثالثة ]
أشرنا في الحلقة السابقة إلى أن نصّي الدُّميني الشعريّين- "يمامة على
جداريّة الأزمة"، و"غيمة لي وقميصٌ لفتنتها"- مؤرّخان بتأريخ أزمة احتلال
العراق الكويتَ، فالنصّ الأول بتأريخ 27/ 10/ 1990، (الظهران)، والنصّ
الآخر مؤرّخ: بين يناير ويوليو من عام 1991. فيما جاء نشر "الغيمة
الرصاصيّة" متأخّرًا، بطبيعة الحال، إلى 1998. لكنه نصٌّ يلوب على تلك
الرموز، والهموم، وإنْ بطريقة أكثر إيغالاً في غموضها، وإبعادها عن
الاحتمالات المباشرة للقراءة. وهذا ما شكّل انغلاقيّة النصّ عن قُرّائه،
بخلاف ما كان ينبغي لنصٍّ نثريّ، ناهيك عن نصٍّ روائيّ، كما وصّفه الكاتب.
ذلك أن النصّ بدا من الإمعان في البناء التجريبيّ، من جهةٍ، وفي اللغة
الشعريّة المراوغة، من جهةٍ أخرى، بمنأًى عن تواصل القارئ، حتى إنه ليجعل
خاتمة النصّ- تحت عنوان "في الختام"- في مستهلّه، ويجعل مستهلّه- تحت عنوان
"في البدء"- في ختامه. في قلبٍ مكانيّ، لا يخلو من تكلّفٍ، يمكن أن يُذكّر
القارئ بتجارب أخرى، سابقة على "الغيمة الرصاصيّة"، كنصّ "4 صفر"، للكاتبة
رجاء عالِم. وفهم ختام "الغيمة الرصاصيّة"- الذي أُدرج في المستهلّ- لا
يتأتّى إلاّ بقراءة النصّ أوّلاً؛ لأنه هو سياق ذلك الختام/ البدء. أضف إلى
ذلك أن العمل بمُجمله يتألّف من نصّين: نصّ يُشْبه أن يكون سيرةً ذاتيّة
واقعيّة- ويظهر في المطبوع بحبر غامق- ونصّ خياليّ غرائبيّ موازٍ- يظهر
بحبرٍ باهت، وظيفته أن يقول المسكوت عنه، بأسلوب رمزيّ، ممّا تعذّر الإفضاء
به مباشرة في النصّ الأوّل. إذ يمكن القول: إن النصّ الأخير يَجْبُر عُنصر
الغياب في النصّ الأوّل. وهو ما أشار إليه المؤلّف "في الختام"، بقوله:
"للأصل موقعه وللشرح والتوهّم هامشه."(1)
وتمضي أقسام "الغيمة الرصاصيّة" وَفق التقسيم التالي:
- في الختام: ص6- 8.
- وهج الذاكرة، 1- سهل الجبَلي: ص9- 34.
- وهج الذاكرة، 2- سهل الجبَلي: ص35- 74.
- وهج الذاكرة، 3- الراوي: ص75- 80.
- وهج الذاكرة، 4- تدوينات الزوجة: ص81- 98.
- وهج الذاكرة، 5- سهل الجبَلي: ص99- 118.
- وهج الذاكرة، 6- الأصدقاء (1): ص119- 132.
- عتمة المصابيح، 1- سهل الجبَلي: ص133- 148.
- عتمة المصابيح، 2- الأصدقاء (2): ص149- 160.
- عتمة المصابيح، 3- الراوي: ص161- 164.
- عتمة المصابيح، 4- من أوراق عَزّة: ص165- 182.
- عتمة المصابيح، 5- سهل الجبَلي: ص183- 190.
- عتمة المصابيح، 6: ص191- 218.
- الأبواب، 1- سهل الجبَلي: ص219- 238.
- الأبواب، 2- الراوي: ص239- 242.
- الأبواب، 3- سهل الجبَلي: ص243 (صفحة عنوان فقط، بلا محتوى).
- في البدء: ص244- 247.
فما منطقيّة هذا التركيب؟
ذلك ما لعلّها تتكشّف عنه القراءة لاحقًا. إلاّ أن هذه اللعبة التجريبيّة
ليست بغريبة على ممارسة المؤلّف الشعريّة، التي اختطّ فيها نهجًا تشكيليًّا
عُرف به منذ مجموعته الشعريّة الأولى "رياح المواقع"، (1987)، حيث ينتظم
بناء تلك المجموعة اثنا عشر نشيداً، سمّاها بـ"أناشيد على باب السيّدة
العظيمة"، وكأنها ألواح ملحمة كَلْكَامش الاثني عشر. وتمثّل تلك الأناشيد
ما يشبّه رجع الصدَى للقصائد التي تتخلّلها، في جهاز حواريّ، خرج به
الديوان كقصيدة واحدة. وكذا يتشظّى الزمن في "الغيمة الرصاصيّة" بين
نَصَّين متحاورَين في نصّ واحد- كما تقدّم: نصّ يشبه أن يكون سيرة ذاتيّة،
ونصّ خياليّ غرائبيّ مواز. ومن "رياح المواقع"، مروراً بـ"بياض الأزمنة"،
يُلحظ هذا النزوع الفنيّ بشكل أَجْلَى في مجموعة: "بأجنحتها تدقّ أجراس
النافذة"، (1999)؛ حيث يغذّي الشاعر تجربته الشعريّة بتجربته السَّرْديّة.
وأوّل ما يتبدّى الشبه بين التجربة الشعريّة هذه والتجربة السَّرْديّة، من
تبويب القصائد في أبهاء وممرّات:
- بهو الأصدقاء
- بهو الجداريات
- بهو النحت
- ممرّات
- بهو الغروب(2)
1. وهج الذاكرة، 1- سهل الجبَلي:
يأتي القسم الأول من "الغيمة الرصاصيّة" تحت عنوان "وهج الذاكرة، 1- سهل
الجبَلي"، حاكيًا على لسان سهل كيف أن شخوص روايةٍ كَتَبَها قد غادروا
النصّ ليتحوّلوا من الواقع المتخيّل إلى الواقع الحيّ. فـ(عَزَّة) تتسلّل
من قصّتها التي كَتَبَها سهلٌ لتنام إلى جانبه، بينه وبين زوجته، مثيرةً
ارتباكه، فما يجد إلاّ أن ينتهرها لتعود إلى النصّ. في رمزيّة ستتكشّف عن
أن عَزَّة ليست امرأة في النصّ، بل هي رمز لما يمكن أن يرى القارئ فيه
جزئيًّا (العراق)- مثلاً- بحسب أجواء القِصّة المحيلة على أزمة الخليج
الثانية، وإنْ كانت الرمزيّة باسم عَزَّة تحمل ظلالاً أخرى متعلّقة
بالعِزّة والكرامة، التي سُلبتْ فانهار كلّ شيء.
كما يخرج من النصّ (مسعود الهمداني) ليُطالب سهلاً بقَرضٍ من أجل دفع دياتٍ
عليه، وحينما يتردّد سهل- الذي يعمل في أحد البنوك- في إقراض مسعود-- الذي
يتبدّى من وصفه كأنه يُعادل رمزيًّا (صدّام حسين)-- يقوم باختطافه إلى وادي
الينابيع. ذلك أن مسعودًا قد ذَكَر، مخاطبًا سهلاً، أنه هو من حدّد دوره في
النصّ فجعله قاتل أهل عَزَّة، وعليه فهو يطلب القرض ليُقدّم ديةً لقتلاه.
وحين يتشكّك سهلٌ في قدرة مسعود على سداد القرض، يقتاده إلى خارج المكتب
بحُجّة أنه يريد أن يُوقفه بنفسه على مصادر دخله، ليأخذه بالقوّة من هناك
إلى مشارف المدينة. ومن ثمّ يمضيان في رحلة غرائبيّة متخيّلة، مليئة
بالتهويمات الرمزيّة، التي قد تشير في مجملها إلى ذلك المعترك الذي جرت فيه
أحداث حرب الخليج الثانية، رامزًا بالأسماء إلى الأماكن والماضي والحاضر.
لقد أخذ مسعود الهمداني سهلاً من (الدمّام) إلى غرب الدمّام.(3) ويسوق
الكاتب ذلك كلّه في لغة شِعريّة، من مثل قوله:
"تلفّتُ خلفي لأحتفظ للمكان بصورته الأخيرة، وكأبواب للفراق كنتُ أُغلق
قِمَم عمارات الدّمّام على وجع الأحباب، وأضع بحنان سعف نخيل القطيف الغارق
في الماء على منازله، وقلعة دارين على محار الخليج وأمضي خلف مسعود
الهمداني، حاملاً جمرةً من حرقة المكان وشتات الأزمنة... مرّت ساعات منحوتة
من الصمت اليابس... ها أنذا لا مخفورًا بالوعول أمضي، ولكن بالحبال
والجِمال خلف مسعود الهمداني في بيداء لم يترك بها ساكن رسمًا... ونحن
نُخبّ لنقطع أطول مسافة قُبيل الغروب وبعده بقليل، حتى استحالت البيداء إلى
منابع شموس مشتعلة من آبار النفط، ضاع فيها وجه الرواحل ودليل القيادة.
لُذنا بيباس النخل وأطراف سعفه المتهدّل بالنشيج..."(4)
وعلى هذا النحو من اللغة التي تبدو مزيجًا من الشِّعر والنثر ينساق الأسلوب
في نصّ يمكن وصفه بأنه نسيج فكريّ شِعريّ.
و يتقمّص سهلٌ في هذه الحكاية شخصيّة المؤرّخ أو التراثيّ، معبّرًا عن ذلك
بما كان يجمعه من كِسَر جِرارٍ في الطريق، ما جعل مسعودًا يقول لمرافقه عن
سهلٍ: "هذا الرجل كَتَب نصّ عزّة، وأدخل وادينا في مشاكل كثيرة، وهو يدّعي
العِلم والمعرفة، فاتركه يتلهّى بأحجاره، وراقبه عن كَثَب."(5)
حتى يصلان إلى محطة (أُمّ سالم)، التي ربما بدا أنها ترمز في النصّ إلى
(مكّة)، فهي تمثّل في النصّ معادل السلام والأمن ونبذ الحروب. هناك يلتقي
سهل بشخصيّة (نورة)، وهي، كما يبدو، ترمز إلى عبق الماضي والحضارة في بلاد
ما وراء النهرين. فيقع في غرامها، ويحلم بها معتنقًا جراب أحجاره، التي
تمثّل التاريخ، حيث يقول:
"اتكأتُ على أطراف الصباح الأُولى، وشظايا الشمس، ترفع جمرها في أقاصيه،
لتُطلّ على هذا الهدوء الضارب في براري الرمال المنفسحة. كان المراح
صامتًا، وأُمّ سالم تفتح عيون الأشياء على منابت هسهسة فم النهار، وإذ جلتْ
عيناي غشاوة الليل، تذكّرتُ شوارد صحو منام البارحة، حيث وجدتني معتنقًا
جراب أحجاري، الذي تضوع منه عبق روائح أنثى حارّة كذِكرَى."(6)
فنورة إذن تحمل رمزيّة الضوء الحضاريّ وأساطير الماضي معًا.
وفي الحلقة التالية نستطلع من تكون تلك الأنثى/ الذِّكرى، التي يصوّرها
النصّ في شخصيّة (نورة).
[ الحلقة الرابعة ]
في الحلقة الثالثة رأينا التقاء بطل الغيمة الكتابيّة سهل الجبليّ بنورة
في محطة (أُمّ سالم)، التي ربما بدا أنها ترمز في النصّ إلى (مكّة)، فهي
تمثّل في النصّ معادل السلام والأمن ونبذ الحروب. و(نورة)، كما يبدو، ترمز
إلى عبق الماضي والحضارة في بلاد ما وراء النهرين. فيقع سهل في غرامها،
ويحلم بها معتنقًا جراب أحجاره، التي تمثّل التاريخ، حيث يقول:
"اتكأتُ على أطراف الصباح الأُولى، وشظايا الشمس، ترفع جمرها في أقاصيه،
لتُطلّ على هذا الهدوء الضارب في براري الرمال المنفسحة. كان المراح
صامتًا، وأُمّ سالم تفتح عيون الأشياء على منابت هسهسة فم النهار، وإذ جلتْ
عيناي غشاوة الليل، تذكّرتُ شوارد صحو منام البارحة، حيث وجدتني معتنقًا
جراب أحجاري، الذي تضوع منه عبق روائح أنثى حارّة كذِكرَى."(1)
فنورة إذن تحمل رمزيّة الضوء الحضاريّ وأساطير الماضي معًا. وهي- كما تَصِف
نفسها بأوصاف تحيل من بعض الجوانب إلى النموذج الأسطوري لـ(عشتار)،
و(عشتروت). فعشتار هي: ربّة الحرب والحبّ، عند البابليين، وسُكّان ما بين
النهرين. وهي عشتروت عند الفينيقيين، أعادت الحياة إلى أدونيس بعد أن قتله
الخنزير البريّ. وهي أفروديت اليونان، وفينوس الرومان.(2) وعلاقة نورة
برمزيّة النور والشمس تتأتّى من معرفة أنه قد نُظر إلى الشمس وإلى رموزها
في التراث العربي الجاهلي بوصفها آلهة مؤنّثة في الغالب، وقد تُصوّر حسب
الطريقة السامية الشماليّة- كعشتروت- إنسانًا، يمثّل حسناء عارية.(3)
وكما سبقت الإشارة فإن النصّ يتألّف من نصّين: نصّ يُطبع بخطّ سميك، ويمثّل
ما يشبه سيرةً ذاتيّة واقعيّة، ونصّ موازٍ خياليّ، يحاول قول المسكوت عنه،
ولكن بأسلوبٍ رمزيّ. ولئن كانت الشعريّة ظاهرة في النَّصّين، فإنها لتبدو
أشدّ كثافة في النَّصّ الأوّل، الذي يوشك أن يكون شِعرًا خالصًا، حتى إن
البنية الإيقاعيّة لتصاحبه، كما في قوله:
"أيقنتْ جدّتي أنّها حضرتْ متأخّرةً إلى ساحة الأجساد الحبلى بالموت
والدَّمار..."(4)
أيقنتْ/ جدّتي/ أنّها/ حضرتْ/ متأخّـ/ ـخرة/ إلى سا/ حة الأجـ/ ساد الـ/
حبلى
فاعلن/ فاعلن/ فاعلن/ فَعِلن/ فَعِلن/ فَعِلن/ فعولن/ فعولن/ فعْلن/ فعْلن
"قلتُ باستغراب: لم أوردْ ذلك في نصّ عَزَّة، فهل بقيت جدّتك هنا؟"
قلتُ/ باستغـ/ رابٍ/ لم أو/ رد ذا/ لك في/ نصّ عزْ/ زةْ فهل(5)/ بقيتْ/
جدتُ/ كَ هنا
فعْلُ/ فعْلن/ فعْلن/ فعْلن/ فعْلن/ فَعِلن/ فاعلن/ فاعلن/ فَعِلن/ فاعلُ/
فَعِلن
فشعريّة النصّ لا تكتمل هنا بلغته التخييليّة حتى يشفعها الكاتب/ الشاعر
بترجيعٍ إيقاعيّ، كما هو نمط الشِّعر الكامل بأدواته، فضلاً على تلك
المقاطع التي ينصّ السارد على أنها بمثابة شواهد شِعريّة، كنشيد أُمّ سالم:
"في البدء كانت الحرب لكننا سنبقى هنا
نبني مدينتنا على حافّة هذا الفراغ الموحش من الدنيا
وسنعلن أننا لن نقبل فيها من يشعل حربًا أو يعين على أخرى
ولن نتزوّج من أحد ولا يتزوّج منا أحد."(6)
وعلى هذا النحو يمضي نَصّ "الغيمة الرصاصيّة"، في لغة شِعريّةٍ شجيّة، تطغى
على سرديّة النَّصّ، بل إنها لتحجب تلك السرديّة، لا بشِعريّة اللغة فحسب،
ولكن أيضًا بما أُشير إليه من شِعريّة التركيب التهويميّ، الذي يوحي ولا
يفضي، ويومئ ولا يحكي، ويرمز ولا يصرّح. وهذه آليّة شِعريّة لا روائيّة.
وهج الذاكرة، 2- سهل الجبَلي:
وفي القسم الثاني، بعنوان "وهج الذاكرة، 2- سهل الجبَلي"، يصوّر الكاتب
موقف محاكمةٍ لقَلَمِه، يُجريها (أبوعصام) و(أبو معصوم) لكي يسألاه: لماذا
جعل أهل وادي الينابيع يتقاتلون في حُبّ عَزَّة، وكان في مِكْنتهم أن
يتزوّجوها واحدًا واحدًا؟
وهنا تحضر إلى جوار شخصيّة عَزَّة شخصيّات مختلفة، كـ(ابن عيدان)،
و(حمدان)، و(جابر). تلك الشخصيات التي قد تبدو رموزًا لأقطاب ذلك الصراع
الذي دار إبّان حرب الخليج الثانية، حول العراق والكويت، المشكّلة بدورها
نماذج تاريخيّة للصراع السياسي والثقافي في المنطقة.
وتُمثّل شخصيّة (سهل الجبليّ) في النصّ ما هو أشبه بشخصيّة (التاريخ)، التي
يتّهمها الآخرون بالتسبّب في ما يحدث بتراكمات ما تدوّن وما تُسند من
أدوارٍ لشخوص القصّة السرمديّة. لذا يخاطب أبو معصوم سهلاً الجبليّ،
ساخرًا: "حمّلتَ حمدان، وجابرًا، وإخوة عَزَّة أعباء فوق طاقتهم، واختلقتَ
إشكالات لا يعرفها الوادي، ووضعتني وأبا عاصم(7) في دائرة التساؤل والنقض،
حتى اختلطتْ علينا الأمور، ولكن أترى كيف تَحَرَّر كلّ منّا من نصّك الذي
توهّمت؟".
وبذا فقد يُشبَّه إلى القارئ أوّل وهلةٍ أن كل اسم من أسماء الشخوص في
"الغيمة الرصاصيّة" يرمز إلى دولة من تلك الدول التي كانت محلّ الصراع، غير
أن النصّ في تطوّره سيتكشّف عن أبعاد ملتبسة لتركيبة الرمز بتلك الأسماء.
وتحمل مقاطع النصّ المطبوعة بحِبر غامق ما تبدو بنية استطراديّة إيضاحيّة،
ما يلبث أن يعود بعدها الكاتب إلى سياق السَّرد، كما يُلحظ ذلك على
الصفحتين 38- 39؛ حينما يسترجع سهل ذكرى صديقه (عبود)، فيحكي عنه ذكرى كانت
بينهما. إلاّ أن ذاك التعاظل بين النصّين هو ممّا زاد دلالة النصّ تعقيدًا
لا توضيحًا. ومن ثمّ فإن القارئ سيجد نفسه أمام خليط عجيب من الرموز،
والتهويمات، والاسترجاع، وتداخل الحكايات؛ الأمر الذي يجعل الربط بين أطراف
النصّ ضربًا من التأويل الافتراضي، الذي يحاول أن يمسك في النصّ بنسقٍ
دلاليّ مقارب لا يكاد يتّسق.
وليست إيماءات النصّ واعتماده الغموض بسبب شعريّته فحسب، ولكنها قبل ذلك
بسبب الأبعاد السياسيّة، التي لم يُرِد الكاتب أن يُباشرها، بيد أن ذلك في
رأي الدارس قد أفسد أحيانًا قيمة النصّ السرديّة والشِّعْريّة معًا.
ومنذ هذا الجزء، فإن النصّ العامّ يرادوه النصّ الثاني- ذو الحِبر الغامق-
الذي يحكي الكاتب فيه قِصّة التنظيم الشيوعيّ، الذي كان سهل جزءًا منه.
ليعود عن قصّة التنظيم بعد قليل إلى قِصّة وادي ابن عيدان، فيتحوّل الواقع
إلى خيال، كما يتحوّل الخيال إلى واقع، في تنازع بينهما عبر صفحات النصّ.
وهذا ما كان يجعل القارئ أمام بنية رمزيّة شِعريّة، لا روائيّة، ويشتّتُ
ذهنه في ضروبٍ من الحكايات الجزئيّة، والتداعيات التفصيليّة، التي يتعسّف
الكاتب تعسّفًا الربط بينها تارةً، وتفكيكها وبعثرتها تارة أخرى، حتى ما
يكاد يُمسك القارئ بخيط دلالي في تسلسل النصّ إلاّ ويبعده الكاتب بأسلوب
اعتباطيّ صوب وجهة مغايرة.
إن نَصّ "الغيمة الرصاصيّة" يفتقر إلى منطق الترابط السرديّ، ما يؤدّي إلى
تشظّيه في متاهات الدلالة، بين (الحُلميّ، والواقعيّ)، و(الشِّعريّ،
والسّرديّ)، و(المتخيّل، والحقيقيّ)، و(الأسطوري والحياتيّ). وذلك ما يعترف
به الكاتب نفسه، حينما يقول "في الختام" (=البدء): "كان عليك أن تملأ
الفراغات، وأن تتعلّم آليّات السرد، ومغامرة توزيع الأصوات، لتُخرج هذا
النصّ من تشتّته لتوطينه في علاقات أثقلك همّ كتابتها بشروط تحفظ للأصل
موقعه، وللشرح والتوهّم هامشه، وقد اختلفتَ مع ذاتك حول ترتيب بعض
الأحداث..."(8).
وما دامت تلك فعلة الكاتب، فإن من حقّ القارئ- في المقابل- أن يجتهد كي
يفترض الدلالة المقاربة، أو يؤوّل النصّ ليقترب من دلالةٍ ما تربط أشلاءه.
وفي الحلقة التالية محاولة في ذلك.
[ الحلقة الخامسة ]
قلنا في الحلقة السابقة إنه ما دامت فعلة كاتب "الغيمة الرصاصيّة" رمزيّة،
فإن من حقّ القارئ- في المقابل- أن يجتهد كي يفترض الدلالات المقاربة، أو
يؤوّل النصّ ليقترب من دلالةٍ ما تربط أشلاءه. فباستطاعته أن يقرأ وراء
شخصيّة (عَزَّة) رمزيّةً للعراق، ووراء شخصيّة (نورة) رمزيّةً للحضارة،
ووراء شخصية (مريم) رمزيّةً للولادة والتجدّد والأمل في المعجز. وكذا القول
في (أُمّ سالم) التي يمكن أن تحمل رمزيّة (أُمّ القُرَى)، كما تمثّلت في
رمزيّة (محطّة أُمّ سالم) وفق هذا الإطار التاريخيّ الحضاريّ الذي يخوض
المؤلِّف فيه. وفي الجانب الذكوريّ، فإن أسماء الأبطال، كـ(مسعود
الهمداني)، و(ابن عيدان)، و(جابر)، و(مبروك)، و(أبي عاصم)، و(أبي معصوم)،
و(حمدان)، هم شخوص ذلك المخاض التاريخيّ، وحكّام تلك الحِقبة، إذ يمكن أن
نرى وراء شخصيّة حمدان: أميركا، مومئًا بالاسم إلى التعبير الشعبيّ:
"الميدان يا حميدان"(1). وكأن ابن عيدان يرمز إلى (الجزيرة العربيّة)، أي
إلى ينبوع ذلك التشظّي للقبائل العربيّة، فابن عيدان جدّ الجميع كما
يصفه(2). وينطبق القول نفسه على (أبي عاصم) و(أبي معصوم)، و(مبروك) من
أبطال ذلك المعترك. على أن الكاتب كان يُسقط على هذه الأسماء دلالات أعمق
وأبعد زمانًا ومكانًا من دلالاتها المتعلّقة بالبلدان التي يمكن أن تشير
إليها؛ لتستغرق امتداد التاريخ، ولكي يقول في النهاية: إن التجربة التي مرّ
بها العالم العربي في تلك المرحلة ما هي إلاّ نموذج لمخاض طويل، كان يحدث
في الماضي على مرّ التاريخ، ويمكن أن يحدث أيضًا في الحاضر والمستقبل، وأن
ما حدث ما هو إلاّ صورة لاحتمالات أخرى؛ فالتاريخ يكرّر نفسه، ولاسيما
حينما تكون العوامل هي العوامل، وحينما تكون للتاريخ حتميّاته، التي عبّر
عنها الكاتب من خلال نصّ سهل الجبليّ، الذي يقرّر الأدوار والمصائر
والأحداث، وإن اعترض أصحابها، ولم يرضوا عن الأدوار التي أوكلت إليهم،
وكأنهم مسيّرون لا مخيّرون. ومن هنا فإن الأسماء في النصّ هي أسماء رمزيّة،
لا تتّضح دلالاتها إلاّ حينما يُحاول القارئ أن يربط أطراف الشبكة الدلالية
الكامنة خلفها.
ولمّا كانت الشعريّة تغلب في هذا النصّ على الروائيّة، فأنت لا تجد للزمن،
ولا للمكان، ولا للشخوص، أهميّة في ذاتها، وإنما أهميتها تكمن فيما ترمز
إليه. فلا تنامي ذا بال في بناء الشخصيّات، ولا تسلسل في البنية الزمنيّة،
ولا منطقيّة في علاقات المكان. وهذا ما يعنيه الدارس بتصنيف نصّ كهذا في
زمرة (القصيدة-الرواية). وليس مردّ هذا إلى وجهة تجديديّة في البناء
الروائيّ، بمقدار ما مردّه إلى ذاكرة شعريّة تكتب نصًّا سرديًّا لأوّل مرة.
وعليه، فإن العمليّة الكتابيّة تختلف هاهنا عن نصّ روائيّ غرائبيّ لكاتبٍ
كجيمي جويس، أو إمبرتو إيكو، أو غبريال غاريسيا ماركيز، أو كازانتزاكي؛ من
حيث إن الرؤية الشعريّة في نصٍّ كـ"الغيمة الرصاصيّة" هي بطلة هذا المخاض
الغرائبي، وليست التجريبيّة الروائيّة.
ولا يمكن، عند التطرّق إلى هذا النصّ، إغفال سياقه الزماني الذي نشأ فيه
وأسهم في تشكيله وتكييفه، وهو ما سُمي حرب الخليج الثانية وما تلاها. ذلك
الظرف الزماني الذي أملى على شاعرٍ كعلي الدُّميني الاتجاه إلى سرد هواجسه
وهمومه وآماله، حين لم تعد القصيدة منجدةً لحمل ذلك كلّه. والهمّ السياسي
والثقافي أمرٌ ملازم للكاتب في مختلف أعماله الشعريّة والنثريّة.
وكأن النصّ الثاني- الموازي- المطبوع باللون الغامق، يحمل في طيّاته ما
يشبه سيرة شخصيّة للراوي- في مقابل النصّ الآخر الذي يحكيه سهل الجبليّ-
وهو يمثّل حُلُم الفرد العربيّ، الذي تشظّى وتبخّر في ثنايا الحراك
التاريخي التراكميّ الذي مثّلته حكاية سهل. فهاهنا خطّان متوازيان لسيرتين
متعاضدتين، سيرة الفرد الذي رأى في الشيوعيّة خلاصًا، فكانت دمارًا وخيبة،
وسيرة الجماعة في وادي الينابيع، التي كانت حربًا وخرابًا وبوارًا للوادي
وأهله.
تلك إذن هي التشابكات الذهنيّة التي شكّلت (قصيدة رواية) في ذهن الدُّميني،
لتنتقل إلى نصّ مُشْكِل، تعقّدت خيوطه، وأمعن الكاتب في مزيد من تعقيدها؛
لاحترازات موضوعيّة، ولأسباب رآها فنّيّة، من وجهة نظرٍ ملتاثةٍ
بالشِّعريّة، اعتادت أن يوحي نصّها ويومئ، لا أن يسرد ويحكي. ولعل تلك هي
معضلة الشاعر حين يُغامر في كتابة نصّ سرديّ، ولاسيما في تجربته الأولى.
ومن هنا فإن شِعريّة "الغيمة الرصاصيّة" هي أشدّ إمعانًا من شِعريّة "سقف
الكفاية"، لعلوان، أو "الحزام"، لأبي دهمان؛ بمقدار ما كان الدُّميني أبعد
غورًا في شعريّته، وأطول باعًا في تجربته الشِّعريّة، من صاحبَي القصيدتين
الروايتين المذكورَين. وإزاء عمل كهذا لا يمكن للقارئ أن يتواصل مع النصّ
إنْ قرأه بوصفه نصًّا سرديًّا، أو بوصفه رواية- وإنْ سمّاه الكاتب نفسه:
"رواية". وهذه هي إشكاليّة كلّ من قرأ "الغيمة الرصاصيّة" وفي ذهنه أنه
يقرأ رواية، أو حتى نصًّا سرديًّا؛ إذ لا بُدّ أن يتلقّاه تلقّي من يقرأ
نصًّا شِعريًّا سورياليًّا؛ فما السرديّة فيه إلاّ أداة شِعريّة لا أكثر،
وما "الغيمة الرصاصيّة" بنصّ يختلف كثيرًا عن قصيدةٍ كـ"الخَبْت"
للدُّميني(3).
لقد خرجتْ عَزَّة من النصّ كما خرج العراقُ عن النصّ العربيّ الجامع.
وحينئذٍ لم يعد للسدّ موقع. ذلك السدّ الذي قد يرى فيه القارئ معبّرًا عن
موقع العراق بصفته بوابة شرقيّة، وقلعة عربيّة، وسدًّا منيعًا، انهار
بانهيار العراق. لذلك يقول:
"قريبًا من الفجر استدعاني أبو عاصم وطرح عليّ سؤاله الأخير: لماذا لم
تحدّد موقع السدّ في قصّتك، وتركتنا نحترب سرًّا وعلانية في تحديده؟
-: تركتُ ذلك لعَزَّة؛ لأن الموقع مرتبط بما يستجدّ من ظروف موضوعيّة في
الوادي، يحسمها موقع أبطال النصّ وحركتهم حين خروجها منه."(4)
وعدم تحديد السدّ هنا كذلك يُلْمِحُ إلى المشكلة التي تفجّرت عنها الحرب من
خلاف حول الحدود بين دولتين. ولا يلغي هذا ذاك؛ فالنصّ محمّل بالإسقاطات
المتداخلة، والمتوارد خاصّها في عامّها.
ويشير الكاتب إلى أن المياه في وادي الينابيع كان قد رَسَم لها في قِصّته
المسير المتعرّج الطويل في جنبات الوادي، لكن ابن عيدان "يأمر حرّاسه
بإعادة وضع الأحجار الكبيرة في فُوّهة مصبّ الماء بعد كل سيل، ليرتفع منسوب
المياه، ويندفع في قناة شقّوها على سفوح منحدرات الجبل الكبير، حتى تصل إلى
أسفل قلعته، فيتمّ له من هناك توزيع المياه في قنوات صغيرة أخرى على قرى
الوادي."(5) إنها المركزيّة، والتحكّم في مصائر المياه، وحريّة وصوله إلى
الناس ووصول الناس إليه، وتقنين ذلك تقنينًا بيروقراطيًّا، لم يَرْضَه سهل
الجبليّ، ولكن إرادة ابن عيدان تمرّدت على نَصّه. ومن هنا، فليست حتمية
التاريخ ما تملي الهروب والخراب على الديار؛ إذ ليست حتميّة التاريخ بالشرّ
المطلق، بل الشرّ قد ينبع عن الخروج عن تلك الحتميّة، ما يعني أن الأمر بين
الخير والشرّ نسبيّ، يخضع لإرادة الإنسان وتدبيره، دون استسلامه لإرادة ما
كُتِب له أو ما أُمليَ عليه. بلفظ آخر: إن تداعيات الأحداث وإفرازات الماضي
تلعب دورَها، كما تلعب دورَها تحكّمات الراهن، فإذا عَدَلَتْ إرادة الإنسان
العاقل عن إدارة أمره، فإنه سيصبح رهين الظلم والفساد في كلّ الأحوال.
ولولا أن عَزَّة- كما قال- ما زالت معلّقة بنصّها وظُلُمات المَغارات، وما
ينجزه أبطال النصّ الآخرون(6)، لكان لبناء السدّ موقعه، ولاتّقى أهل الوادي
ما تجرفه السيول كلّ شتاء من مساكنهم ومزارعهم(7). في إشارة إلى ما ذكرناه
من أن غياب الإرادة والرؤية، وبقاء القِيَم رهينة الماضي أو التنظير، هو
أُسُّ ما يحدث من استبداد بعضٍ بمصالح الكلّ.
ويأتي نموذج الشاعر (عُبيد)(8)، عاشق أُمّ عَزَّة. ولا تختلف أُمّ عَزَّة
في رمزيّتها عن عَزَّة إلاّ في أنها تمثّل الأصل المتجذّر، الذي تُعَبّر
عنه شخصيّة عَزَّة. وعُبيد هو الشاعر المغنّي، الراعي، وصبّاب القهوة، الذي
يذكّر القارئ بشخصيّة (طَرَفة بن العَبْد)، وقصيدة الدُّميني:
"الخَبْت".(9) و"الخَبْت" قصيدة قائمة على مؤاخاة النصوص، تمامًا كما هي
الحال في "الغيمة الرصاصيّة"، حيث مؤاخاة نصٍّ يُشبِه السيرة الذاتية،
وتخييله في حكاية غرائبيّة. حتى إن القارئ ليقف على تقنية النصوص الشارحة
مطبوعة بخط غامق الحِبر في القصيدة من خلال بعض المقاطع العامّيّة، مثلما
فعل ذلك في "الغيمة الرصاصيّة". وملامح كثيرة متشابهة بين عُبيد "الغيمة
الرصاصيّة" وابن العَبْد "الخَبْت" من جهة، وطرفة بن العبد الشاعر-
(المعلّقة) أو (الأسطورة)- من جهة أخرى. بيد أن شخصيّة الشاعر هنا لا تمثّل
بالضرورة هذا الشاعر أو ذاك، أو هذا الرمز أو ذاك، وإنما تحمل دلالة الحُبّ
والكلمة، التي تتفانَى في التغنّي بالأمل وإشراق صبحٍ جديد، على الرغم ممّا
تستشعره من اغتراب، وممّا تجده من محاولةٍ لتوظيفها إعلاميًّا في خدمة
القبيلة، ونفيها حينما تسعى إلى إخلاص فنّها للجمال والحق والخير فقط.
وفي الحلقة الآتية تحليل لما يصوّره الكاتب من خلال شخصيّة عُبيد من مأساة
الشاعر بصفة عامّة، أو قل: مأساة الكلمة والرأي في مجتمع الشاعر.
[ الحلقة السادسة ]
رأينا في الحلقة الخامسة أن شخصيّة الشاعر (عُبيد) في "الغيمة الرصاصيّة"
لا تمثّل بالضرورة هذا الشاعر أو ذاك، أو هذا الرمز أو ذاك، وإنما تحمل
دلالة الحُبّ والكلمة، التي تتفانَى في التغنّي بالأمل وإشراق صبحٍ جديد،
على الرغم ممّا تستشعره من اغتراب، وممّا تجده من محاولةٍ لتوظيفها
إعلاميًّا في خدمة القبيلة، ونفيها حينما تسعى إلى إخلاص فنّها للجمال
والحق والخير فقط. ذلك ما شكَى منه الشاعر عُبيد إلى سهل الجبليّ، لمّا
قال:
"لقد مَدحتُ القبيلة وأعلامها، فأحبّوني، وحينما أطلقتُ لشيطان شِعري
عنانه، ولقلبي لسانه يتغزّل بالجميلات، خشيَ الناس على زوجاتهم من شِعري،
فقرّروا قتلي. ولمّا علمتُ بالأمر، احتميتُ بالجبال والأودية والصحارى، حتى
أتيتُ وادي ابن عيدان، واستجرتُ به، فأجارني. لكنني لستُ من العشيرة، فلا
يجوز لأصلابي أن تتناسل بينهم، ولا يحقّ لقلبي أن يسكن لمن وجَدَت فيّ
ملاذًا من وحشة العمر القارسة. ومنذ ذلك الحين ما برحتُ أقود عذابي
كالجِراب خلفي، وأحمل اسمي على وجهي وفي عصاي(1): الراعي أنا، صبّاب القهوة
أنا، الشاعر أنا، ...".(2)
تلك إذن مأساة الشاعر بصفة عامّة، أو قل: مأساة الكلمة والرأي في مجتمع
الشاعر.
وتذكرّنا شخصيّة (مسرور) بـ(مسرور) خادم الرشيد وسيّافه. إذ يوثِق سهلاً من
ساقَيه بقيدٍ حديديّ، ويديه بحبل، ويقتاده. وإنْ كان يبرّر عمله بأنه صنيعة
الكاتب نفسه (سهل الجبليّ). أي أنه- على نحو فلسفيّ- صنيعة الثقافة
والمعطَى التاريخيّ، كما هي رؤية النصّ في مختلف المواقف التي يعالج فيها
تلك القضايا التي يعترض عليها سهل، فيقول له الآخرون: إنما هي من صنع يديك.
ولا يقف حَجْر السُّلطة في وادي الينابيع على فِكر سهل الجبليّ عند حدّ، بل
إنهم- إذ يقتادونه ليحقّقوا معه- يسألونه: في شأن ما قَبَسَه مِن تفكير مَن
أطلق عليه اسم (صفوان). فلقد كان ذَكَر في روايته أن صفوان "فَتَحَ أمامه
آفاق التفكير والتخييل؛ فهل هو الذي عرّفه على أفلاطون، والفارابي، وهيجل،
وماركس، والآخرين؟". كان لا بُدّ من ذلك التقصّي حتى يأخذوا منه معلومات
صفوان، كي يعتقلوه أيضًا هو وأصدقاءه، ممّن "يكتبون القِصّة والشِّعر
والرواية، ويصطادون عصافير الوهم ومخاتلات الحقيقة مثلي"، كما قال سهل.(3)
إنها حكومة الفِكر والرقابة عليه. وتلك سياسة وادي الينابيع. كأن النصّ-
بلعبته السرديّة- إنما أراد أن يقول: ما نحن إلاّ ضحايا نصوصنا، وذبائح
أعمالنا، نُخرب بيوتنا بأيدينا، على حَدّ قول صفوان لسهل الجبليّ: "ها هو
نَصّك يضعكَ ويضعنا في هذه المغارة، وكأنكَ تأثّرتَ بشيخ الدادائيّين الذي
قال: نحن دائمًا نَرتكب الأخطاء، ولكن أعظم أخطائنا هي تلك (النصوص) التي
كتبناها."(4) إنها الكتابة، بمعناها الحضاريّ، والثقافيّ، والقيميّ، مصائد
مصائرنا. وتلك مأساة سهل، مع ذاته، ومع الآخرين.
وعلى هذا النحو يزاوج السارد بين أبعاد الشعريّ والأسطوريّ والفلسفيّ.
وتتوالج الأجزاء التي تُمثّل ما يُشْبه السيرة الذاتيّة من النصّ- أو ما
أسماه الكاتب "الأصل"(5)، وهو المكتوب بحبرٍ سميك- مع الشرح والتوهّم
والهامش كما وصفه "في الختام"(6). إذ ينكسر تتابع النصّ ليدخل منه الكاتب
إلى نصٍّ آخر، منتقلاً من الجمعيّ إلى الذاتيّ، أي من حكاية سهل الجبليّ في
وادي الينابيع إلى حكاية التنظيم الشيوعي والرفيق (سهل/ مبروك)، الذي يفرّ
بفِكْره إلى اليونان، إلاّ أنه سرعان ما يُؤْثِر العودة؛ فسجن الوطن أرحم
من حُرّيّة الغُربة. ليقول هاهنا: إن الفِكْر بات محاصَرًا، سواء ما كان
قادمًا من الخارج أو كان فِكْرًا مهاجرًا إلى الخارج.
وهكذا يظهر أن "الغيمة الرصاصيّة" تتألّف من نصّين متوازيين، أحدهما يمثّل
متنًا- وهو نَصّ أقرب إلى السيرة الواقعيّة، تحكي عن عذابات شخصيّة معاصرة،
هو سهل الجبليّ/ الرفيق مبروك- والنصّ الآخر الموازي، الذي يمثّل هامشًا،
وإن بدا، من حيث الطول والتشعّب، كما لو أنه هو المتن، وهو نَصّ سهل
الجبليّ في وادي الينابيع، بتفريعاته وتفصيلاته، ويلعب دور الشَّرح للنص
الأوّل، وإن بطريقة حُلُميّة رمزيّة. وشرح النصّ الآخر (الهامش) هو شرحٌ
لملابسات كثيرة، يبدو أن الكاتب كان يتوقّى أن يبوح بها في نَصّ المتن. على
أن النصّين قد يلتحمان أحيانًا في سياقٍ واحد، فيتداخل صوتا الساردَين في
صوتٍ واحد، كما في قوله: "الآن أتذكّر تلك اللحظات، وأتساءل: ماذا سيكون
موقفي لو أنّهم وجدوا البرنامج في ركن من بيتي غفلتُ عنه؟ وهنا أيضًا
أتمنّى لو أنني كنتُ قد كتبتُ نصّ عَزَّة ليكون من جملة المضبوطات
المصادرة؛ لكيلا يضمّني هذا الكهف الموحش في الوادي، وحيدًا أخشى أبطاله
الذين صنعتُهم، وظننتُ أنني قد حدّدتُ أدوارهم وتصرّفاتهم سَلَفًا، وبكلّ
دقّة!"(7) وبذا تلتحم البنية، بشقّيها: ذكريات سهل الجبليّ (الملقّب
حركيًّا بمبروك) في التنظيم الشيوعيّ الذي تورّط فيه، وذلك قبل ذهابه إلى
وادي الينابيع، ثم تجربة سهل في وادي الينابيع.
وهذا يعني أن بطل النصّ واحد، وليس اثنين، وإنما الكاتب يعرض المَشاهد
والأحداث من خلال مرآتين متقابلتين. وسيأتي لاحقًا صوتٌ ثالث هو صوت الراوي
(الدُّمَيني) نفسه، ليحكي رحلة بحثه عن سهل الجبليّ مع بعض أصدقائه.
إيهامًا بواقعيّة القصّة وما حَدَث لبطلها. وهكذا فمن الواضح أن بنية العمل
في أطواره الثلاثة هي بنية سيريّة، غير أن الكاتب كان يُدمج طور السيرة
(سهل الجبليّ/ الرفيق مبروك) في طورٍ آخر "فنتازيّ" (سهل الجبليّ في وادي
الينابيع)، ثم يسعى إلى انتشال الراوي من ذلك كلّه، بتصويره شاهدًا على
الأحداث، لا جزءًا منها.
ويصوّر الكاتب سُلطة ابن عيدان الشموليّة، التي تتدخّل حتى في تزويج الناس
وطلاقهم، وذلك بحسب مواعيد يحدّدها هو.(8) فهو حامي النسل، والشرع،
والوادي. يمضي خلفه الفقيه إلى حيث يقتاده، فيأمره ليكتب ما يريد. ولمّا
كانت نساء قرية (العبادل) ونساء قرية (الرمليّة) يلدن الكثير من البنات
والقليل من الأبناء، فقد حلّ عليهنّ إذن الطلاق البائن بينونة كُبرى. ولذا
فقد طلّق ابن عيدان (مريم)- بنت عريفة الرمليّة- من (عطيّة)، عريفة
العبادل، بحُجّة أنه كان المقرّر أن تتزوّج جاره (عيضة)، لكنه حدث خطأ بينه
وبين الفقيه (عمران) في احتساب مواعيد الزواج! وهذا ما قوبل بحنق من عطيّة
ونساء العبادل وأطفالهم. أمّا نساء قرية (الينابيع) فكنّ يلدن الذكور أضعاف
ما يلدن من الإناث، فكان على ابن عيدان أن يُزَوّجهنّ لبعولتهنّ المرسومين،
كما أنه سيُزَوّج رجال القرية المتزوّجين بأُخريات، يحدّدهن لهم.
وما ينفكّ الكاتب في غضون حكايته قصّتيه بصياغتيهما المختلفتين- القصة
الواقعيّة، عن سهل الجبليّ في التنظيم، والقصّة التخييليّة الأسطوريّة، عن
سهل مختطفًا إلى وادي الينابيع- يومئ إلى إسقاطات كثيرة سياسيّة وتاريخيّة،
وإنْ في غير تسلسل سرديّ، وإنما في نقلات غير متنامية ولا مترابطة. ومن ذلك
وصفه ما خضع له سهل الجبليّ من تحقيق في المغارات بتهمة تحريض مبروك على
تحريض الرعاة والموالي على مغادرة معركةٍ وقعت بين أهالي قرية الرمليّة
والعبادل بسبب الخلاف على الحدود بين القريتين. وكأنه يشير بذلك إلى الخلاف
بين الكويت والعراق على الحدود، وإن كان النصّ، كما سيتبيّن، هو أشدّ
التباسًا من تحديده بتأويل واحد كهذا. ولقد تكلّم (جابر) عريفة الشماليّة
طالبًا من ابن عيدان أن تكون الأرض مقسومة بين القريتين بالتساوي، غير أن
العبادل قد اعترضوا بأنهم هم الأكثر، ومن ثم لم يتمّ الاتفاق بين الطرفين،
وكان "الميدان يا حميدان"، حسب تعبير الكاتب.(9)
وفي المواجهة بين قريتي العبادل والرمليّة، يوجّه ابن عيدان سؤاله إلى أبي
عاصم: "هل وَرَدَ فيما بلغنا من الرواة عن قِصّة عَزَّة شيء ممّا حَدَث
اليوم؟ أجابه: لا." (10) وكأن سؤاله هنا يقول: هل التاريخ يعيد نفسه؟! هل
هذه الأُمّة المتناحرة هي الأُمّة ذاتها المرويّة في التاريخ؟!
وبذا يظهر نصّ "الغيمة الرصاصيّة" حافلاً باختلاط الأزمنة: زمن الحكاية
بزمن قراءة الحكاية/ زمن قِصّة عَزَّة بزمن أَسْرِ راويها، متداخلاً ذلك
بأصل الحكاية كلّها، أي بالسيرة التي تبدو ذاتيّة، وهي سيرة تورُّط سهلٍ
الجبليّ في التنظيم الحركيّ، التي يستغلّها الكاتب لنبش إسقاطات كثيرة،
تاريخيّة وراهنة. بل إن النصّ السيريّ الواقعي- قصّة التنظيم والسجن- ليبدو
عديم المعنى والقيمة خارج كونه محاولة لربط الكلّ بالجزء، والعامّ بالخاصّ،
والماضي بالحاضر، في محاولة جاهدة لتحويل ذلك كلّه إلى نسق روائي أسطوريّ،
يبدو التحرّزُ السياسيّ وراء اختطاطه أكثر من الهدف الفنّيّ. ولقد ألمح
الكاتب إلى ذلك- وهو يتحدّث عن خلافه مع (منصور) و(سعيدان) حول تأويل قِصّة
عَزَّة، وما أضافاه أو حذفاه منها- حيث قال: "بدا كلٌّ منهما وهو يحاكمني
على ما خطّت يدي، ويتّهمني بقصور الرؤية والخوف."(11)
ولذا فإن العمل بمجمله، وما دار حوله، ممّا دعاه الكاتب قِصّة عَزَّة، هو
رمزٌ للتاريخ، وإعادة كتابة التاريخ، والسُّلطات أو الظروف التي قد تحول
دون تغيير مجرى التاريخ، فضلاً عن إعادة كتابته.
ولتتبع ذلك نواصل القراءة في الحلقة المقبلة، بإذن الله.
[ الحلقة السابعة ]
في الحلقة السادسة أشرتُ إلى أن نصّ "الغيمة الرصاصيّة" بمُجمله، وما دار
حوله، ممّا دعاه الكاتب (قِصّة عَزَّة)، هو شبكة من رموز التاريخ، والحُلم
بإعادة كتابة التاريخ، وتصوير السُّلطات أو الظروف التي قد تحول دون تغيير
مجرى التاريخ، فضلاً عن إعادة كتابته. يدلّ على وجاهة هذا التأويل قول
الكاتب- على سبيل المثال- في الردّ على منصور وسعيدان:
"قلتُ لهما: المشكلة ليست في فهم أيّ منكما للنصّ أو لما أضافه إليه، ولكن
المشكلة في النصّ الآخر الذي تمّ تدوينه محرّفًا في أكثر من مكان، ولا
أعتقد أن عَزَّة سترى النور في هذا الوادي إلاّ بإعادة تدوين النصّ الأصليّ
في كتاب السجلاّت، أو نَقْله منه وتصحيحه في كتابة جديدة.
لم يَبْدُ الارتياح على الشابّيْن، لكنّهما أشارا إليّ بأن أبا عاصم وأبا
معصوم يُعيدان كتاب السجلاّت بعد انتهاء التحقيق إلى قلعة ابن عيدان ليبقَى
تحت نظره مكنونًا في حِرزٍ يصعب الوصول إليه إلاّ بأمره."(1)
وهكذا ينقضي القسم الثاني من "الغيمة الرصاصيّة"، بعنوان "وهج الذاكرة، 2-
سهل الجبَلي"، لينتقل الكاتب في القسم الثالث، بعنوان "وهج الذاكرة، 3-
الراوي"، إلى أقصوصة يختلط فيها الواقع بالخيال، ينسبها إليه هو، أي إلى
علي الدُّمَيني. خلاصتها: أنه أتى إليه في مكتبة في (الخُبَر) (جاسم)
بحقيبة فيها مخطوط، وفيها جذاذات وتسجيلات، ثم طلب منه الاطّلاع عليها،
وتجميع موادّها، ليُخرجها إلى النور. في لُعبة سرديّة تذكّر القارئ– على
سبيل المثال، وإنْ مع الفارق- باللعبة السرديّة في رواية "المخطوط
القُرمزي: يوميّات أبي عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس"، للشاعر والروائي
الأندلسي أنطونيو غالا(2). ولدى اطّلاع الراوي على ما في الحقيبة، والإصغاء
إلى بعض التسجيل، سَمِع:
"يا سهل الجبليّ.. يا صاحب الحول والطَّول... والعصى والعُصَيّة...
والزَّبَرْجد المعقود، والحرف المفقود... أعطني صوتك وموتك... وحرّك وِقْرك
لأطلق عَزَّة من غياهب نصّك". واستمَرَّ في تكرار النداء، وكان صوتُ امرأة
يُعاتبه من بعيد: أتعبتَ نفسك يا خالد وأتعبتنا معك بهذه الأشرطة
والأوراق... ثم صَمَتَ التسجيل حتى نهاية الشريط."(3)
ويتبدّى من هذا، إذن، أن سهلاً الجبليّ هو رمزٌ للأمل العربيّ في التغيير،
السهل والجبل/ السهل الممتنع، المحيل إلى "البسيط من الكلام"، حسب (محمود
درويش)(4) في "مأساة النرجس ملهاة الفِضّة":
عادوا...
من آخر النّفَق الطويل إلى مراياهم.. وعادوا
حين استعادوا مِلْحَ إخوتهمْ، فُرادَى أو جماعاتٍ، وعادوا
من أساطيرِ الدفاع عن القلاعِ إلى البسيط من الكلامْ
...
سهل الجبليّ الحاضر الغائب، بصوته وبموته؛ الذي يمكن أن يُطلق عَزَّة
البائسة من غياهب النصّ، بما يحمله هذا الاسم الشاعريّ الأخير من رمز إلى
عودة الأمور إلى نصابها، وعودة عِزّة الأُمّة، ومنعتها، ومكانتها، إلى ما
كانت عليه، وهي الهواجس التي يدور النصّ في فَلَكِها. عَزَّة، الجمال
والحُب والخصب، المُذكِّر بشاعرها الذيّ لم يكن له منها نصيب، إلاّ لوعة
الهوى، (كثيّر عَزَّة)، القائل- فيما يشبه إشاريّة "الغيمة" في "الغيمة
الرصاصيّة"-:
41- وَإِنّي وَتَهيامي بِعَزَّةَ بَعدَما
تَخّلَّيتُ مِمّا بَينَنا وَتَخَلَّتِ
42- لَكَالمُرتَجي ظِلَّ الغَمامَةِ كُلَّما
تَبَوَّأَ مِنها لِلمَقيلِ اِضمَحَلَّتِ
43- كَأَنّي وَإِيّاها سَحابَةُ مُمحِلٍ
رَجاها فَلَمّا جاوزَتْهُ اِستَهَلَّتِ(5)
وحينما عجز الراوي عن تجميع الموادّ التي قدّمها إليه جاسم في نصٍّ متكامل،
ذَكَر أنه ذهب- فيما هو يسعى إلى إنجاز ذلك التجميع- إلى رجلٍ كان يشتغل
بالسِّحر وتحضير الأرواح لاستشارته، وهو رجل مسنٌّ كَلَّ بَصَرُهُ وثَقُل
سمعه. في إشارة إلى السلفيّ العاجز، الذي قد لا تُجدي استشارته نفعًا. وهذا
ما حَدَث، حينما لم يجد الراوي لدى ذلك السلفيّ العاجز ما يفيد في تفسير
معنى ذلك النداء الذي وجّهه خالد إلى سهل الجبليّ. وإذا كان (خالد) في هذا
المقطع من النصّ يوحي بالبطل المرتقب، الذي تنعقد عليه الآمال، فإن نداءه
سهلاً الجبليّ يُذَكّر هنا بنداء (عُمر بن الخطّاب): "يا سارية، الجبلَ..
الجبلَ!"(6) إنه نداء ضمير الأُمّة، الذي يستصرخ إلى الاستعصام بما يمكن أن
يعصم من الموت. هذا النداء الذي يوجّهه (خالدٌ ما)، أو (عُمَر ما)، من
الماضي أو الحاضر، إلى (أملٍ ما)، سهلٍ/ جبلٍ، هو حُلم يرنو إلى أن يُنقذ
(عَزَّة) من غياهب نَصّها، لتولد وتَلِد عُمْرًا جديدًا. هذه هي فلسفة
النصّ الجوهريّة، التي يحوم حولها الكاتب في عوالم من الخيال ومتاهات من
السرد، من حيث هو يرسم ما يشبه لوحةً من لوحات سيلفادور دالي، أكثر ممّا هو
يحكي قِصّة من نوع ما، واقعيّة أو خياليّة.
ويشير الكاتب في هذا القسم من "الغيمة الرصاصيّة" إلى أنه، وهو يحاول تجميع
النصّ، كان قد نبّهه جاسم إلى جزء من الكتابة بخطٍّ غير معروف، ولا بُدّ من
نقله إلى الحرف العربي. في إشارة إلى جزء من التراث والتاريخ بغير
العربيّة، لا اكتمال للنصّ بغيره. وقد بدأ الراوي- كما قال- يُفرغ ما في
الأشرطة التسجيليّة والأوراق والجلود في دفتر أزرق خبّأة في مكتبه(7)، في
إشارة بهذا اللون إلى الأمل/ الماء/ السماء.
وهكذا فإن قراءة نصّ كهذا ما لم تكن بقدرٍ من الشفافيّة الشاعريّة، توازي
ما كُتب به النص، ستتعثّر فيما وضعه الكاتب من عراقيل في سبيل تواصلها معه.
وهو ما حال دون افتضاض بكارة المعنى في "الغيمة الرصاصيّة" في محاولات
قرائيّة سابقة.
ثم ينتقل المؤلّف إلى القِسم الرابع من نصّه، تحت عنوان "وهج الذاكرة، 4-
تدوينات الزوجة". وتبدو من نقاط الضعف السرديّة في "الغيمة الرصاصيّة"- وهو
ما يسهم في إبعاد النصّ عن السرديّة إلى الشِّعريّة- أن الشخوص كانوا
ينطقون لغة المؤلِّف الشِّعريّة نفسها. وهذا ما لا يتأتّى في الواقع، ولا
يتماشى وأصول العمل الروائي. وهذا لا يقلّل من إبداعيّة العمل بمقدار ما
يصرفه إلى نوع مختلف من السرد.
في هذا الفصل يحكي معاناة زوجة سهل الجبليّ خلال غيابه المفاجئ، إذ اختطفه
مسعود الهمداني من الخُبَر إلى وادي الينابيع، ومن الواقع إلى الخيال، ومن
الحاضر إلى الماضي؛ ليصبح أسير نصّه الذي كَتَب، وأسير التاريخ نفسه،
مغادرًا إلى وادي الينابيع: ينابيع التاريخ. وفي هذا الفصل يتكشّف ما سبقت
الإشارة إليه من مسعى الكاتب إلى أن يربط معاناة الحاضر بآفاق تراكميّة من
الماضي والتاريخ، وقَرْن إشكاليّة الخاص بإشكاليّات العامّ؛ فالزوجة تحكي
ذكرياتها حول اعتقالِ سهلٍ بسبب ما ضُبط معه من الكتب والأشرطة؛ أيْ أن
الواقع الراهن قد كان يحاصره في حياته مع زوجته مثلما غدا يحاصره هناك في
التاريخ.
ولقد اعتلّت عَزَّة في كرّاستها وخارجها- كما اعتلّتْ زوجة سهل الجبليّ
لغيابه- ولم يُفلح الطبيب في علاجها؛ لأنها "أسطورة، ولا يملك لها علاجًا"،
ولكن زوجة سهل راجعت بها الشيخة زعفرانة، فألبستها حجابًا، كان سببًا في
عودتها إلى طبيعتها.(8)
وعلى الرّغم من أن عَزَّة قد نَفَرَتْ من الرجل الأمريكي في بادئ الأمر،
حينما اصطحبتها زوجة سهل الجبليّ إلى المطعم، فإنها ما لبثت أن انجذبتْ
إليه، وانساقت وراءه؛ لأنها شدّتها، كما قالت، عيناه بسِرٍّ غامض. وقد ذهبت
معه إلى خارج المركز التجاريّ في الخُبَر، الذي أخذتها معها إليه زوجةُ
سهل، ثم طلب منها الذهاب معه بسيّارته للنزهة، وإذ أخبرته أن هذا خارج
النصّ الأصليّ، لم يفهم.
ونتابع القراءة في حكاية عَزَّة هذه، ومصير مغامرتها مع الأمريكيّ، وما
تحمله من دلالات، في الحلقة المقبلة، بإذن الله.
[ الحلقة الثامنة ]
مَرّ في الحلقة السابعة ما حكاه مؤلِّف "الغيمة الرصاصيّة"، في القِسم
الرابع من نصّه، تحت عنوان "وهج الذاكرة، 4- تدوينات الزوجة"، من أن عَزَّة
على الرّغم من أنها كانت قد نَفَرَتْ من الرجل الأمريكيّ في بادئ الأمر،
حينما اصطحبتها زوجةُ سهل الجبليّ إلى المطعم، فإنها ما لبثت أن انجذبتْ
إليه، وانساقت وراءه؛ لأنها شدّتها، كما قالت، عيناه بسِرٍّ غامض. وقد
ذهبتْ معه إلى خارج المركز التجاريّ في الخُبَر، الذي أخذتها معها إليه
زوجةُ سهل، ثم طلب منها الذهاب معه بسيّارته للنزهة، وإذ أخبرته أن هذا
خارج النصّ الأصليّ، لم يفهم. فدعتْه للجلوس تحت نخلة، قالت: إنها كانت
تقتعد مع حمدان صخرةً صغيرةً إلى جوارها، وذلك بالقرب من النبع في وادي
الينابيع. في إيماء إلى حالة الاستلاب الحضاري، و"الأَمْرَكَة" الفاتنة،
التي تُشْبه حالةُ الأُمّة العربيّة فيها حالةَ عَزَّة، برمزيّتها إلى
التراث والأصالة، وما يُعتدّ به من مكوّنات الشخصيّة. لقد اختطف الأمريكيّ
عَزَّة، ولم تعد النخلة (رمزُ الماضي/ رمزُ الوادي والينابيع) سوى شجرةٍ
تُظلّ عَزَّة ورجلٍ أمريكيٍّ، بليلٍ شتائيّ قاسٍ مخاتل، "تقصّفت فيه أغصان
الأشجار، وأعشاب الحدائق، وشعر الأطفال والنساء، لا أتذكّر شتاءً مثله إلاّ
ذاك الذي استضافت فيه العاصمة سهلاً الجبليّ"(1)، كما وصفتْ زوجة سهل.
في مقابل ذلك تسرد زوجة سهل قصّتها مع الحداثة، التي بدأت بانفجار ليليّ،
كما قالت، لم يُعرف مصدره، إلاّ أن النهار تبلّج عن محاضرة في الجامعة حول
"الحداثة في ميزان الإسلام".(2) أمّا المحاضِرةُ، فزميلتها المتخصّصة في
الكيمياء، التي لا شأن لها لا بالحداثة ولا بالأدب، لتقول لها زوجة سهل وهي
تحاورها، عائدتين من الجامعة: إن "الحداثة الإبداعيّة لدينا أسلوب كتابة
يجدّد ويتساءل ويبحث عن نموذجه الخاص، أمّا في مجال الرؤيا والفِكْر فإنها
موقف نقديّ لا قطيعة."(3) وهذا تعريف المؤلّف للحداثة على لسان زوجة سهل،
بطبيعة الحال.
ثم ما يلبث أبو أنس، جارهم، أن يقرع الباب داعيًا أبناء سهل- بعد أن عرف من
زوجة سهل أنه مسافر- إلى ندوة دينيّة في المسجد عن "الحداثة والمحدثين".
ويمضي السارد في تضمين هذه الحقبة من الصراع بين صحوة الحداثة وحداثة
الصحوة.
ويكاد الكاتب يُفضي برمزيّة عَزَّة التي سبق الحديث عنها وهو يصف مشاعر
زوجته: مشاعر الفقد والغياب لمعتقل الرأي سهل الجبليّ، موكّلةً برعاية
عَزَّة، "المجنونة العاقلة، والطفلة الكبيرة، والفيلسوفة المكبوتة، التي
[كان سهل يحدّثها] عن فنتازيا خروجها عن قِصّتها، على ضفاف الوادي البعيد،
لتقيم حُلم الإنسان في بناء جنّنته الأرضيّة."(4) يُقدّم الدُّميني إلى
القارئ في هذا مصطرع الحداثة مع التراث، والأصالة مع المعاصرة، والقوميّ مع
الأجنبيّ، من خلال تلك الإشارات والرموز المحايثة لطبيعة نصّه ذي البناء
الإشكاليّ، الذي أبَى إلاّ أن يتّخذ الشعريّ الأسطوريّ متنفّسًا للتعبير.
نصّ يوظَّف لبثّ خطاب ثقافيّ، يحمّل الشخوص صوتَ الكاتب كي يذيع من خلالها
بعض المواقف الأدبيّة، إلى جانب المواقف الاجتماعيّة والسياسيّة.
ويعرّج الكاتب- في ذكريات زوجة سهل- على اشتغالها مدرّسة مسائيّة في محو
الأميّة؛ لرفع قدراتها الماليّة على الإنفاق في ظلّ غياب سهل. وهي أُمّيّة
يقتضي محوها، لا تقويم حركات الإعراب على ألسنة المتعلّمات من النساء فقط،
ولكن محو أُمّيّة أخرى، فكريّة وحضاريّة. إذ ما يلبث أن يحتدم النقاش بين
المعلّمة وطالباتها حول الحداثة ومفهومها: أ هي كفرٌ- كما أشاعت
"ميكرفونات" الأئمّة في المساجد، أيّام معركة الحداثة في ميزان الإسلام- أم
هي محض تجديد، وأخذ بالمفيد؟ حسبما حاولت المعلّمة أن تُقنع تلميذاتها،
محتجّة بأن تعليم المرأة نفسه كان يومًا ما مُحدَثةً وبدعة.(5)
أمّا (عَزَّة)، فقد كشفتْ هي الأخرى عن وجهها السلبيّ من الحداثة، لمّا
وجدتها زوجة سهل قد وضعتْ كُتب الحداثة في الطرَف القصيّ من المكتبة،
قائلة: "هذا زمن ليس زماني، فدعيني حيث وضعني سهل الجبليّ."(6) متّخذةً
وجهها التراثيّ المحافظ، وهو ما أراده المؤلّف برمزيّة عَزَّة، وجهًا
للمحافظة، في مقابل ما يبدو أنه وجه للنور والخِصب والتنوير الحضاريّ في
وجه (نورة)، وإن في إطار تراثيّ. ولكَم تمنّى سهل أن تجتمع نورة وعَزَّة في
نصٍّ جامع، يعبّر عن ذاك بقوله: "بقيَ ضوء الخَرَزَة الزرقاء يشعّ رهيفًا
بيننا، وأنا أتأمّل وجه نورة، مجلّلاً بإشراقة غمرتْ مساء الصحراء من حولي،
وداخلتْني نشوة الزمن، وقلتُ لنفسي: كم سيكون جميلاً وشاعريًّا أن تدخل روح
نورة وضباب أساطيرها إلى نصّ عَزَّة، أو إلى جوار هوامشه!"(7) فنورة هي
الأسطوريّ والماضويّ والحاضر والمستقبل في آن. إنها نموذج البكارة
والولادة، مندلعة رغباتها كالحرائق، وإن ظلّت وفيّة لزوجها المتوفَّى، بعد
أن أدمنته، فلم تتزوّج بعده، ولم تشأ الزواج من غيره ولا الإنجاب، تعبيرًا
عن انتمائها إلى السابق.(8) تُبارك بفرحٍ طفوليّ عمل سهلٍ وهو ينبش الأثر
ويعيد تشكيله لا ترميمه فحسب، ويطمح إلى "إعادة قراءته من جديد".(9) لذلك
فقد رضي سهل بضمان نورة إمكانيّة إعادة القرض الذي اقترضه مسعود الهمداني
من البنك الذي يعمل فيه(10). يصف سهل معادلتها بين الماضي والحاضر
والمستقبل بقوله:
"تنهّدتْ ونبشتْ الرمل بيديها، فخرجتْ العظام والجماجم، وقالت: كلّ شيء له
ذاكرة: المكان، الشجر، الإنسان، وجميعنا يسبح في بحار من آثارها المتراكمة،
وأنا لا أرمّم ماضيّ، فهو يسكنني، وإنما أحاول التسلّل خارجه. أختصم معه
ويعنّفني لكنني لا أنغمس فيه. أرأيت الغريق كيف يُخرج رأسه من الماء
أوّلاً؟
تطلّعتُ إليها موافقًا، وأكملتْ: ذلك ما أُحاوله مع ذاتي كلّ مساء، حيث
أجلس إلى قنديل الجدّات، فأخرجهن من توابيت الزمن، وأحاور ما عبّأن به
ذاكرتي من أساطير ورموز وطقوس، وحين يثقلني الحديث أَخْرُجُ من حضرتهن،
وأَسْتَلّ من تراثهن "إلهةَ العشق"، ثم أصطفي لنفسي نديمًا يعاقر جذوة
الروح المتّقدة، فأُشعله بي فلا ينساني، وستسأل نفسك عني ذات يوم."(11)
إن نورة خارج نصّ عزّة- كما قال- لكنه ظلّ يحلم بضمّها إلى ذلك النصّ.
هاهنا تُقرّر زوجة سهلٍ- التي لم يقترح المؤلّف لها اسمًا- أن تمضي قُدُمًا
في تقديم محاضرة مضادّة لمحاضرة "الحداثة في ميزان الإسلام" في الجامعة حول
"الحداثة: ما لها، وما عليها". بيد أن عميدة الكُلّيّة تعترض على ذلك في
آخر لحظة، فيما المحاضِرةُ على منصّة الإلقاء. أمّا زميلتها فاطمة، أستاذة
الكيمياء، فقد ألقتْ محاضرتها ضِدّ الحداثة مرةً ثانيةً وثالثةً في
الكُلّيّة، والطريق، والمدرسة، وحتى في صالات الأفراح! وكانت العميدة تحمل
معها "كتاب المحاضرة [محاضرة فاطمة]" أنّى كانت.(12) كما أن محاضرة
"الحداثة ما لها وما عليها" قد حيل دون نشرها صحفيًّا، بحُجّة المحافظة على
الأمن الاجتماعيّ والثقافيّ. وبالرغم من محاجّة الكاتبة بأن في ذلك إغلاقًا
"لباب نور الحوار"، وإسهامًا في تسميم المناخ الاجتماعيّ والثقافيّ، ومع ما
أّكّدته من أن محاضرتها تنبّه إلى شَطَط الحداثيّين المتمثّل في نفي الآخر،
وشَطَط المعارضين المتمثّل في تكفير الآخر؛ وذلك لإنارة المعتم في الأذهان،
فإن حججها كلّها لم تُجْد إقناعًا بنشر الموضوع. ما أوصل الجدل المحتدم إلى
استبداد الغضب العاصف بالكاتبة/ المحاضِرة، وهو ما يتنافى مع ثقافة الحوار
التي كانت تتحدّث عنها، والتي لا ينبغي ثقافيًّا أن يستبدّ بمن يؤمن بها
الغضب العاصف، مهما كانت مخالفة الطرف الآخر أو مواقفه. لتقول- في الردّ
على رئيس تحرير تلك الصحيفة- فيما يشبه المرافعة الفكريّة المباشرة: "إن
الفضاء العلميّ الذي حرّر العقل من كوابيسه ليُنجز هذا التطوّر التقنيّ
الهائل هو المهاد المشترك بين حداثة الفكر وحداثة الآلة، وكما تختار آلتك
المناسبة، فإننا نأخذ من حداثة الفكر ما يفيدنا في لحظتنا التاريخيّة
الراهنة."(13) وانتهى خطّ التلاقي بين الطرفين.
ونواصل في الحلقة المقبلة استقراء ما سيفضي إليه التطرّف المتبادل من
نتائج، كما صوّرتها "الغيمة الرصاصيّة".
[ الحلقة التاسعة ]
رأينا في الحلقة الثامنة ما صوّرته "الغيمة الرصاصيّة" من أجواء ما نَشِب
من معترك ضارٍ حول الحداثة، بين أنصارها وخصومها. وجرّاء ذلك ما لبثت زوجة
سهلٍ أن اكتشفت وقوع عَزَّة في الغرام بالآخر/ الغربيّ. وقد تأكّد لها ذلك
إذ لَمَحت قَدَم الرجل الأمريكيّ تداعب قدمَي عَزَّة، فيما كانت تصوّب
نضراتها المشتاقة إلى وجهه وعينيه.(1) وعلى الرغم من قرارها بإبعاد عَزَّة
عنه، إلاّ أن إلحاح الأبناء عليها قد جعلها تقبل ذهاب عَزَّة معهم إلى منزل
ذلك الأمريكيّ؛ فلقد انتهت- كما اقنعتْ نفسها- الحصانةُ الخياليّة عن
الارتماء في أحضان الآخر التي أحاط سهلٌ بها عَزَّة في نصّه، واستسلمتْ إلى
ضرورة تجسيد نصّ عَزَّة في الواقع، لينتهي الخياليّ إلى واقعيّ، لعله يُغني
أو يُفسد. وهنا يُلمِح الكاتب إلى المأزق الثقافيّ بين مثاليّة الخيال
وضرورات الواقع، وإلى أن الكبت والحَجْر والانغلاق هي بوّابات الاستلاب
والانهيار السريع، وليس العكس، كما يتصوّر عقلٌ منغلق تقليديّ. وذلك ما وقع
لعَزَّة، بشخصيّتها المحنّطة، وفقما رسم الكاتب ملامحها، إذ سرعان ما
انزلقت تحت حجاب المحافظة الظاهريّ وقِشرة الحصانة الماضويّة، وذابت في
المختلف/ الغريب إلى أخمص قدميها. عندئذٍ يقع الانفجار الذي صوّره في دويٍّ
يهتزّ له البيت، ويزعج الكبير والصغير. ولعل القارئ لا ينسى أنّ عَزَّة ما
هي إلاّ قناع أقنعة. أي ما هي إلاّ قناع زوجة سهل، المتعدّدة الوجوه، وهذه
بدورها قناع الكرامة والعِرض والشَّرَف، حينما تتعرّض للانتهاك، حصائدَ سوء
التقدير والتدبير، بين حسابات الواقع والخيال، والماضي والراهن، والذات
والآخر. وهذا ما حَدَث من بطل النصّ نفسه، سهل الجبليّ- من جهة- وما أحاط
بزوجته (و/ أو) عَزَّة- من جهة رديفة- جرّاء حسابات مجتمعها العامّ
ومعتركها فيه حول "الحداثة: ما لها وما عليها". فكان رفضُ المجتمعِ صوتَها
وحوارَها وحِبْرَها دافعَها إلى الانسلاخ منه إلى غيره، وإلى غير رجعة.
وها هي تهرع زوجة سهل إلى المكتبة لتحتضن الغريبة (عَزَّة)، فتجدها قد نقلت
كرّاسها من رفوف الرواية ووضعته إلى جوار كتب الفكر والفلسفة.(2) وهذا في
الواقع هو ما فعله الكاتب بنصّه؛ إذ جعله، وفي هذا القسم بصفة خاصّة،
ميدانًا لصراع الأفكار، ومنبرًا للجدل حولها، وإنْ على حساب مراعاة مقتضيات
السَّرد. ولا بأس؛ فالسَّرد- من حيث هو- ليس بغايته، بل وسيلته. وقد أدّاه
ذلك إلى افتراع نصّه الإشكاليّ المختلف أجناسيًّا. وللتعبير عن المشهد بين
الزوجة وعَزَّة يصف الكاتب ما حدث، قائلاً على لسان الزوجة: "تفحّصتُ
الكُتُبَ فوجدتُ أوراقها وقد اختلطت ببعضها، وسالت منها جُمَلٌ وأفكار على
الرفوف والجدران، ولم يَعُد بالإمكان قراءتها، ولا التعرّف على سماتها،
فأغلقتُ الباب خلفي، مثلما أغلقه سهل الجبليّ، ومضيت."(3) هذا، إذن، هو سبب
الانفجار النصوصيّ والدلاليّ الذي أودَى ببنائيّة النصّ السَّرديّة، كما
أودَى بالمعنى إلى العماء والعدميّة وانغلاق الباب. إنه النصّ هاهنا يكتب
تجربته، ويَنْقُد ذاته، فيما يُشْبِه اعتذارًا بأنْ ليس إلاّ جزءًا من نصّ
أكبر- واقعيًّا، وسياسيًّا، واجتماعيًّا، وثقافيًّا- اختلطتْ فيه الأوراق
والأحبار، حتى باتت قراءة طلاسمها نفسها ضربًا من الطلسمة، وتأويلها نوعًا
من ضرب الوَدَع أو فكّ السِّحر.
وما يُحبّ الدارس أن تبدو قراءته بغموض النصّ المقروء، بيد أن محايثة النصّ
تستلزم قراءة تسامتيّة، لا تؤدّيها اللغة المباشرة، ولا تكشف أغوارها
الإضاءة السطحيّة.
ويعود الكاتب في القِسم الخامس، بعنوان "وهج الذاكرة، 5- سهل الجبليّ"، إلى
حكاية سهل. ولعله قد اتضح ممّا تقدّم أن "الغيمة الرصاصيّة" قد شَرَعَت
تتخلّق في بنية نصٍّ شعريّ فلسفيّ- أكثر منه روائيّ، بالمعنى التقليدي-
يطوّف حول التاريخ والتراث والحداثة.
وفي هذا القِسم ملامح أخرى من شخصيّة (نورة)، ممثّلةً صخب الحضارة، وقد رأى
سهلٌ أن الوادي الساكن في إلْفِ العادة، في حاجةٍ إلى روحٍ صاخبة عابقة
بالجنون، مثل نورة. وتجسّد العلاقة بين (نورة) و(عُبيد) في هذا النصّ
العلاقة بين الحضارة والماضي المجيد من جهة والشاعر الذي يتغنّى بذلك كله.
كما أن يقينيّة نصّ (عَزَّة)، وما لحق به من حذفٍ وإضافة، هو الآخر يفتقر
إلى قلقٍ شاعريّ يتحدّى صرامته أو يشذّبها.(4) وتلكم هي المعادلة التي
يفتّش عنها الكاتب عبر هذه الرموز؛ معادلة المعاصرة بالأصالة، الماضي
بالآتي، الثابت بالمتغيّر، الاعتزاز بالذاتيّ والمثاقفة مع الآخر، التراث-
المليء بالحُذوف والإضافات، والتشويه والإشراق- بالحكمة التي هي ضالّة
المؤمن، أَنّى وجدها التقطها؛ فهو أحقّ بها وأهلها. هذه القِيَم- التي
يتحرّك النصّ حواليها، من خلال الشخوص والرموز- تتوّه القارئ تارة وتنبجس
علاماتها وتشعّ نجومها في سديم النصّ تارة أخرى؛ من حيث إن المؤلِّف اعتمد
على هذه التقنية المُلْبِسة الشاعريّة. وإحدى الصعوبات الجوهريّة في قراءة
النصّ أن الكاتب يكتب (قصيدة-رواية)، لا (رواية-راوية).
أُطلق سراح سهلٍ الجبليّ ورفاقه من المغارات، واقتيد جَمعهم إلى (ابن
عيدان). وشُنق (مبروك)، عشيق (مريم). ذلك الرجل الأفريقي الذي لم يكن له من
ذنبٍ إلاّ حُبّ مريم، وأنْ ليس بأبيض البشرة، ولا مكافئها في النَّسَب-
وتكافؤ النَّسَب في الزواج عرفٌ عنصريٌّ ظالمٌ لأهله قبل غيرهم- وهي
المنحدرة من عِرقين مختلفين: أُمٍّ أَمَةٍ لابن عيدان، وأبٍ حرّ، هو عريفة
قرية الرمليّة. وهذا المقتل يشير إلى تحوّل في أملٍ منشود، كان يتشوّف إلى
تلاقح الأعراق رغم اختلاف الطبقات والهويّات والأجناس. فإذا هو يُشنق ذاك
الأمل بحبل القَبَلِيّة اللا إنسانيّة، وحُكم التقاليد الجائرة، ونفاذ
السُّلْطة الدينيّة (المختطَفَة من أصولها وغاياتها)، والسُّلْطة الدنيويّة
المادّيّة المستبدّة بأمرها، وذلك على يد ابن عيدان وزبانيته، وفي طليعتهم
(أبو عاصم) و(أبو معصوم). وهما اسمان ينطويان على إشاراتهما إلى سُلطة
"التابوه"، والمقدّس، ودعاوَى العِصمة في الثقافة. وها هي نورة تَسقط من
هول المنظر، وهي تنشج: "يا جدّتي الملِكة.. يا جدّتي الملِكة، اهبطي،
فالعالم الأرضي قد غدا جُثّة."(5)
تحرّر سهلٌ، وإن لم يتحرّر. أُطلق ورفاقه، ثم استثني (صفوان)، الذي يمثّل
منظّر التغيير والتفكير والرأي، فأُعيد إلى سجنه. وبقي سهلٌ يتردّد بين
حريّته الشخصيّة وارتهانه إلى زيارة ابن عيدان يوميًّا. والجميع يتّهمه،
والجميع يعزوه إلى ممالأة السُّلطة (ابن عيدان)، وأنه عينٌ من عيونه. فلا
هو ينجو من السُّلطة، ولا هو ينجو من الشَّعب. يتبدّى ذلك في موقف
المهمّشين، الذين يسمّيهم الكاتب الحُرّاس، وهو يُلمح بهم إلى عامّة الناس،
ممّن يوظّفون في أتون مواجهات، لا ناقة لهم فيها ولا جمل. فهم يتّهمون
سهلاً- بوصفه رمزًا للتاريخ والثقافة- بأنه وراء مقتل مبروك، ووراء ما يلحق
بهم.
ولمّا كان سهلٌ قد وصل إلى هذا المأزق: بين الحُرّيّة والعبوديّة، ابتنَى
له خيمةً من حَجَر، هي "خيمة الرُّوح"، كما يسمّيها(6) ، يخلو فيها إلى
نفسه، فوق أعلى الجبال الشماليّة. وقد رتّب مع نورة أن تساعده على الاطّلاع
على السجلاّت التي يخبّئها ابن عيدان، لِما فيها من محتوى النصّ المحرّف-
كما قال- من قِصّة عَزَّة. وقد وَعَدَتْه بذلك. في حين ما يفتأ ابن عيدان
يذكّر سهلاً بأنه معتقلٌ لديه، وأنه هو (أي ابن عيدان) المهيمن على التاريخ
والتقاليد من غوائل التحديث والتغيير، سواء لما يمنحه من أدوار لأبطال
قِصّة عَزَّة، أو لما يحمله من عبء متابعة نورة ومقهاها، الذي ما برح
(الفقيهُ عمران) و(أبو عاصم) يعترضان على ما يدور فيه من مناوشات ومن غناء
ورقص.(7) إنه صراع القِيَم والثقافة، والماضي بعاداته وتقاليده مع الطموح
إلى الآتي والمستقبل والحريّة.
وفي هذا القِسم يتجلّى دور (جابر) في هذه السرديّة. جابر، الذي سيبدو له من
اسمه نصيب: "جابر عثرات"، ساعيًا إلى جَبْر ما انكسر بين أبناء الوادي،
داعيًا إلى قيام تعاونيّات بينهم، تجعلهم شركاء في الأرض والخيرات.
وقد حكى جابرٌ لسهل كيف أنه لمّا وصل الفقيه عمران إلى الوادي تحمّس له
حمدانُ ولمدرسة الكتاتيب، إلاّ أنه حينما لم يجد لديه ما يُغْنِي رغباته،
غادر الوادي. أمّا أبو عاصم وأبو معصوم فقد وَجَدا في ما لدى الفقيه
ضالّتهما، وقد عيّنهما بدوره أهلاً للحسبة، وثنّى ابن عيدان على ذلك بأن
أناط بهما مهمّة أمن الوادي.(8) وفي هذا يومئ الكاتب إلى العلاقة بين
الحضور الدينيّ، الذي يمثّله الفقيه (عمران)، والآخر الغربيّ الذي يمثّله
(حمدان). هذا في المستوى الخارجيّ، وفي المستوى الداخلي يومئ إلى ما يدور
بين الفقيه- بوصفه سُلطة تشريعيّة- وابن عيدان وعاملَيه، أبي عاصم وأبي
معصوم- بوصفهم السُّلطة التنفيذيّة، من عَقْدٍ ضمنيّ؛ إذ وَجَدَت السُّلطة
التنفيذيّة ضالّتها لدى الفقيه، لمنحها الشرعيّة في سُلطانها، ووَجَدَت
السُّلطة التشريعيّة ضالّتها لدى السُّلطة التنفيذيّة، لمنحها قوّتها
وهيمنتها ونفوذها.
ثم يحدّث جابر سهلاً عن غياب أخوَي عَزَّة: منصور وسعيدان، اللذين يرمزان
إلى فِكرتَي "النصر" و"السعادة"، أو "القوّة" و"الرخاء". لكن سهلاً خالف
جابرًا في اعتقاده أن منصورًا وسعيدان قد اختفيا، وهو- كما قال- لم يدوّن
في قِصّة عَزَّة موتهما أو اعتقالهما، بل ترك الاحتمال غائمًا. ليخبره جابر
أن تلك الثغرة الغائمة هي التي أتاحت تسلّل أبي عاصم وأبي معصوم وابن عيدان
لتأويل النصّ، والإعلان بأن مسعودًا الهمداني- الذي يمثّل وجه الشرّ
والفُرقة في الوادي- قد قتلهما. فيخبره سهلٌ بأنه بالفعل قد وجد منصورًا
وسعيدان في المغارات، وأنهما كانا سجينين معه فيها.(9) فيُظهر جابر دهشته
لهذا الخبر، معبّرًا عن أن ذلك يؤكّد حدسه: أن ابن عيدان ظلّ يسعى إلى
تغييب منصور وسعيدان، يدعمه في ذلك أبو عاصم وأبو معصوم؛ لأنهما "لم يكونا
يرتاحان أيضًا لأفكار الأخوين اللذين كانا يؤمنان بمبدأ التغيير الجذري؛
وهكذا تفرّق أبطال النصّ، وتشتَّتَتْ حروفه في المغارات وكتاب السجلاّت،
بيد أن عزائي [يقول جابر لسهل] هو وجودك بيننا لتحفيز العامل الذاتي على
استعادة وعيه وحركته."(10)
شخصيّة جابرٌ إذن تحمل الأمل الطوباويّ في مَن يقبس مِن نصّ عَزَّة ما
يحوّل إشراقات التاريخ- التي رَمَزَ إليها الكاتب بنصّ عَزَّة- إلى واقعٍ
حيّ، متحدّيًّا السُّلطة التقليديّة، بوجهيها التشريعيّ والتنفيذيّ.
ونواصل القراءة في تفاقم هذا المصطرع الثقافيّ الحضاريّ، الحلقة العاشرة،
إن شاء الله.
[ الحلقة العاشرة ]
شاهدنا في الحلقة التاسعة من هذه القراءة في "الغيمة الرصاصيّة" للشاعر علي
الدُّميني، ما أسميناه "الانفجار النصوصيّ"، وذلك في القِسم الخامس من
النصّ، بعنوان "وهج الذاكرة، 5- سهل الجبليّ"، حيث يصوّر الكاتب الصراع
الرمزيّ والجدل الأيديولوجيّ بين أقطاب خطابه السرديّ. وأشرنا إلى أن
شخصيّة جابرٌ تحمل إلى القارئ معادل الأمل الطوباويّ في مَن سوف يقبس مِمّا
يسمّيه الكاتب "نصّ عَزَّة" ما يحوّل إشراقات التاريخ- التي رُمِز إليها
بنصّ عَزَّة- إلى واقعٍ حيّ، متحدّيًّا السُّلطة التقليديّة بوجهيها،
التشريعيّ والتنفيذيّ. على أن جابرًا يستشعر تقصيره السابق في ذلك المسعى،
قائلاً: "توهّمتُ أن وظيفتي كعريفة لقرية الشماليّة ستهيّئني لممارسة دوري
الذي حدّدتْه روايةُ عَزَّة، ثم اكتشفتُ مع مرور الأيّام أنني انغمستُ في
مشاغلي الوظيفيّة اليوميّة، حتى كدتُ أنساه. أحيانًا أصرخ من عذاب
المُراوحة بين الوفاء له وبين ما يُمليه عليّ الواقع، وكأنما أتحسّسني في
ثياب الخائن لحقائق التاريخ ومسارِه."(1) وهذا ما دَفع سهلاً، وقد غادره
جابر لدى هذه النقطة من الحوار، إلى القول: "وقفت أتأمّل نصّ عَزَّة في
الذاكرة، وأتساءل: هل يمكن لواقع أن يُشابه نصّه، أو لنصٍّ أن يقترب من
حقيقة واقعه؟"(2)
إن نصّ "الغيمة الرصاصيّة" إذن- كما أشير مرارًا- يبدو قصيدة رمزيّة، نَفَخ
فيها الكاتب روح السَّرد ليحوّلها إلى سرديّة. في تخييلاتها يُشْبِه ما جاء
في الحلقة السابقة من شَنْق مبروكٍ، عشيقِ مريم، فكرةَ صلبِ المسيح عليه
السلام، (دلاليًّا). وإذا كانت عَزَّة تمثّل النصّ الشامل للمعاني والقِيَم
المحلوم بها، فإن شخصيّة مريم يمكن أن يُقرأ فيها الوجه الحداثيّ
والمستقبليّ، مقابل نورة، وجه الحضارة التراثيّة وإشراقات التاريخ. ولقد
تنازعت سهلاً- كما عبّر- قُبلات هؤلاء الفاتنات الثلاث. حين تقبّله نورة
يحضر فمُ مريم الطفليّ الشرس.(3) فثمّة- كما قال- "قوى سحريّة، وضباب
برائحةٍ موغلة في حنين التاريخ تسكن جسد نورة ووجدانها، تغويه بالتأمّل،
أمّا مريم، فإنها كيان منحوت من الواقع، يشاغبه بحسّيّته، في لذعة اخضرار
الشجر، وسطوة بريق الماء الدافقة، وقوّة رغبات السُّلالات، وطفولة
الهواء."(4) وبالرغم من محاولته تجنّب مريم فإنها تباغته بإغرائها، ودفء
حضورها، بيد أنه يكتفي من معاشرتها برفيف الحُلم وبقايا حرقته. وهو يعزو
هذا العجز في الاستجابة لمريم إلى احتماليّة أن نورة قد عوّدته على إحراق
الرغبات دون بلوغها الذروة، أو أن مغارات ابن عيدان قد كسرت التدفّق
العفويّ للروح. ليستنتج قائلاً: "ربما كان هذا أو ذاك، لكن الأهمّ أن نورة
خارج نصّي، ومريم جزء منه، وهذا ما يَفْصِل بين الحالتين".(5) وتلك هي
رمزيّة المعادلة الجدليّة بين (التراث/ نورة) و(الحداثة/ مريم).
وقد تعرّض نصّ عَزَّة- كما يشكو سهل- لتحريف ابن عيدان في سِجلاّته.
والأدهى من ذلك "إخراج النصّ من كونه كينونة مكتملة إلى احتمالٍ يتحايل على
واقعه لبلوغ أهدافه العصيّة."(6) تلك هي الحالة الإشكاليّة التي يبحث فيها
النصّ، أو بلفظ آخر: يبحث فيها الكاتب، وهي: كيفيّة تحويل النصّ المتخيّل
(المثاليّ) إلى واقعٍ حيّ قابل للتعامل معه، بصفته واقعًا لا محض نصّ؛ كي
يهبط من عليائه ليشتغل في الواقع.(7)
ولمّا اجتمع جابر ونورة وعُبيد الراعي على العشاء لدى سهل الجبليّ دار
الحديث بينهم حول تلك القضايا الضِّمنيّة التي في فلكها يدور النصّ. ومنها
أنْ أَظْهَرَ جابر دوره في إدخال نورة وعُبيد إلى النصّ- الذي ذَكَر أنه لم
يكن يتضمّنهما- ووافقه سهل على ذلك، وسَرّ هذا نورةَ وعُبيدًا. وفي هذا
مؤكّد لما أشير إليه من تشخيص جابر دور ترجمان النصّ إلى واقع. والنصّ- كما
خاطب جابرًا سهلٌ- "ليس صخرة، وإنما هو نِسغ شجرة، تُعيد أعضاؤها الولودة-
ما دامت حيّة- رسم الأصل من جديد."(8) وبذا فإن علاقات الحضور والغياب في
النصّ تتيح استدعاء عناصره، وإنْ لم تكن مباشرة الحضور فيه. وهذه البنية
النصّيّة الموصوفة هاهنا هي الوجه الآخر للبنية الواقعيّة، التي رمّز
الكاتب إليها من خلال فكرة "نصّ عَزَّة".
وفي هذا السياق النقاشي بين شخوص النصّ الأربعة (نورة وعُبيد وجابر وسهل)
تُعرب نورة عن أنها تظلّ متجاذبة الأهواء بين: جابر، وسهلٍ، وحتى عمران
وابن عيدان، وقبل هؤلاء عُبيد الراعي، الذي هو صوتها وشجاها، ولعل الصراع-
كما قالت- قد حُسم لصالحه مبكّرًا؛ لأن الشاعر هو صوت الضمير والأصالة
والتاريخ والجذور، في حين تتفاوت علاقات الآخرين بذلك الصوت. أمّا جابر،
فلم يكن من سبيل إلى زواج نورة به من حيث لا يحقّ له الزواج بأكثر من
واحدة. ذلك أن جابرًا يحمل وجه التوحيد لجميع الأطياف والأطراف والأصوات،
ولا يمكنه أن يقترن بواحد منها دون الآخر. فهو لن يكون مُلك أحدٍ لوحده، بل
هو مشترك بين الجميع، مثلما أنه- بفِكره الاشتراكي أيضًا، كما سيأتي(9)- لا
يؤمن بالتملّك الفرديّ، كما يؤمن به عُبيد. وأمّا ابن عيدان، فمشغول- كما
أبانت نورة- بالحُكم في الوادي، وذلك ما يشغله عن نورة وعمّا تعنيه، وإن
كان ما ينفكّ يمنّي نفسه بها. ابن عيدان- كما قالت-:
"يحرس الماضي، وأنت [=جابر] تحرس النصّ، ولعلّك بهذه الخطوات تنفخ الحياة
في رئة نصّ كاد أن يتجمّد.
- لا أدري إنْ كان الأمر سيُفضي إلى ذلك، ولكنني سأجتهد، وقد فكّرتُ في
خطوة أخرى تجعل الرأي حصيلة حوار ومشاركة لا نتيجة رغبة محتومة، وسأفاتح
ابن عيدان بها قريبًا.
عقّبتُ [=سهل] على كلامه:
- فليعمل كلّ حسب بوصلته، أمّا أنا فما زال الطريق أمامي طويلاً لإعادة
كتابة النصّ من جديد حتى يأذن ذلك لعَزَّة بالخروج من طيّاته لتحرّرني
هي!"(10)
ويُعَدّ خروج عَزَّة من طيّات النصّ- بحسب رؤية "الغيمة الرصاصيّة" تلك-
تحقّقًا للهدف (الحُلم) في انتهاء الصراع والتنازع إلى حُرّيّةٍ مطلقة تشمل
الجميع.
وتلك هي هواجس الكاتب الثقافيّة والحضاريّة التي قاربها من خلال هذا القِسم
من سرديّته.
فإذا انتقل القارئ إلى القِسم المعنون بـ"وهج الذاكرة، 6- الأصدقاء (1)"،
ألفَى الخلفيّة الواقعيّة التي يحاول الكاتب أن يستثمر ظِلالها لمناقشة تلك
الأسباب الثقافيّة والحضاريّة وراءها، وذلك من خلال نَصّه الآخر الذي يدعوه
"نصّ عَزَّة". فهو يتحدّث في هذا القِسم عن أهداف أزمة الخليج الثانية، وما
سَرَدَه الأصدقاء من ظروفهم إبّانها. إذ يتبادل الشاعر الفصيح والشاعر
الشعبيّ أناشيدهما:
ولمّا قذفنا في الرياضِ قلاعهمْ
تهاوتْ بيوتُ القومِ ثُم تهاوَوا
ليردّ عليه الشاعر الشعبيّ، بقوله: "وزرعنا الردَى في بطن بغداد... وتركنا
البيوت بلا عناوينا." بيد أن (مصطفى) يقف غاضبًا أمام هذه الحرب الشّعريّة،
المظاهِرة للحرب الفعليّة، قائلاً: "لا بارك الله في شاعرهم ولا في شاعرنا؛
فالرياض وبغداد قلاعٌ عربيّة، ولا خير في من يفرح بالشُّهُب المتساقطة كلّ
ليلةٍ على أيّ منهما."(11)
في الحرب- كما صوّر النصّ- يمتزج الشعور الإنسانيّ بالشعور القوميّ. ولقد
يتحمّس المرء للقوميّ حتى يُحْدِق به هو، فإذا هو ينقلب على عقبيه، وذلك
كموقف خالد في ما دار من حوار بينه وبين جاسم ومصطفى؛ إذ كان يفرح لقصف
الصواريخ العراقيّة (تلّ أبيب)، حتى حطّت على رأسه هو، فأخذ يلعنها ويلعن
مطلقها.(12)
على أن هذا القِسم من النصّ يبدو مقحَمًا على سائره، مفتعَل الربط بجملته؛
وذاك لغرضٍ خاص، وهو مناقشة مسائل جزئيّة تتعلّق بظروف حرب الخليج الثانية،
والقضايا الاجتماعيّة التي أفرزتها أو أثارتها. ثم ليثير جدليّتين: الأولى
حول حرب الخليج والاستعانة بالأجنبيّ، والأخرى حول قيادة المرأة للسيّارة.
ونستمر في الحلقة المقبلة في تفكيك "الغيمة الرصاصيّة"، وتتبع ما دار في
هذا القسم منها.
[ الحلقة الحادية عشرة ]
تطرّقنا في الحلقة العاشرة من هذه القراءة إلى ما صوّره القسم الخامس من
"الغيمة الرصاصيّة" والسادس من علاقات اتصال وانفصال بين أطراف سيرة البطل
(سهل الجبليّ). على أن القِسم السادس- المعنون بـ"وهج الذاكرة، 6- الأصدقاء
(1)"- قد يبدو، كما أشرنا، مقحَمًا على سائر النصّ، مفتعَل الربط بجملته؛
وذاك لغرضٍ خاص، وهو مناقشة مسائل جزئية تتعلّق بظروف حرب الخليج الثانية،
والقضايا الاجتماعيّة التي أفرزتها أو أثارتها. ثم ليثير جدليّتين: الأولى
حول حرب الخليج والاستعانة بالأجنبيّ، والأخرى حول قيادة المرأة للسيّارة.
وهنا يحتدم النقاش حول هاتين الجدليّتين بين: (مصطفى)، الذي يمثّل الصوت
القوميّ، و(جاسم)، الذي يبدو ممثّلاً الصوت الخليجيّ تحديدًا، و(خالد)،
الذي يبدو ممثّلاً الصوت السعوديّ، و(جواهر) زوجة خالد، الممرّضة التي
التحقت بدورة الإسعافات الأوّليّة للمساعدة في ظروف الحرب، غير أن الحرب
قذفتها وزوجها خارج المدينة مجبرَين، ثم (أبي أنَس)، الذي يمثّل الصوت
الإسلامويّ، وإنما يَظهر بين الأصدقاء عقِب قَتْل (جواهر) عقربًا بكعب
رجلها، وحينما سألها خالد: "لماذا لم تتركيها لعلّها تلدغ مصطفى، فنجرّب
خبرتكِ الصحيّة وأدويتكِ؟ ضَحِكَتْ: لكنّني أخاف أن تلدغكَ أنتَ، أمّا
مصطفى فهو شقيّ ولن تستطيع ملامسة أقدامه... خرج (أبو أنَس) من خيمته
المجاورة لخيمة الأصدقاء وأطلّ عليهم..."(1)، وكأن هذه العقرب إشارة إلى
أبي أنَس، لما يمثّله من فكرٍ منغلقٍ متطرّف- وقد مرّت بالقارئ دعوته أبناء
سهل الجبليّ أثناء غيابه إلى محاضرة تُقام في المسجد ضدّ الحداثة- ولذا كان
أكثر انسجامًا مع مصطفى، ذي الفكر القوميّ، وأخيرًا (سعد)، الذي كان
توفيقيًّا، وأراد أن يكون حياديًّا.
وكان الجدل بين الأصدقاء في القضيّة الأولى (حرب الخليج) تعبّر عن الأصوات
الاجتماعيّة العربيّة، بوُجهات نظرها المتباينة. أمّا في القضيّة الثانية
(قيادة المرأة للسيارة)، فإن الوحيد الذي وقف ضِدّ الفكرة كان: أبا أنس.
خالطًا في سلّة واحدة من محاذير ذلك بين ما يسمّيه: "عقيدتنا/ وعاداتنا/
وتقاليدنا"!(2)
ويصطنع الكاتب رابطًا بين هذا القِسم وبين صُلب النصّ من خلال ما يَذكره من
أن خالدًا اكتشف مخطوطًا في إحدى التكايا، يتألّف من أوراق جِلد وقِطَع
جرار فخّاريّة مكسّرة، "جَمَع أجزاء متناقضة عن عَزَّة من رواةٍ دَوّن
شهاداتهم سهل الجبليّ."(3) فيشير عليه جاسم بأخذ تلك المخطوطات إلى صديق في
الرياض يَدْرُس علم الآثار، علّه يستطيع فكّ رموزها. ولمّا قالت لخالد
جواهر:
"يا خالد، مللنا من اهتمامكم بأثر من الآثار البالية، وكأنكم طلاّب في قسم
الآثار.
- أجابها: النصّ خلاصة تجربة، ومفتاح لأخرى، لاسيما وقد وجدنا فيه نُتَفًا
تعبّر عن إشكالات قديمة جديدة في آن، تتحدّث عن مصائر وأشخاص وأوطان،
وكأنّها بنت اليوم."(4)
وفي إجابة خالد هذه يتكشّف مفتاح تأويل النصّ كلّه. كما يؤكّد الدلالة
الرمزيّة لعَزَّة التي تُقابل في الطرف النقيض الدلالة الرمزيّة لحمدان، إذ
تقول جواهر لزوجها خالد:
"أعطني مفتاح السيّارة، ودعني أتعلّم السياقة لعلّي أعثر على الوادي أو على
مضارب عَزَّة، "اللي أبلشتونا بها إنت وربعك".
أجابها مازحًا: أتبحثين عن عَزَّة أم عن حمدان، يا جواهر؟
ضَحِكَتْ: بل عن ابن عيدان!
- ألا تخشين أن يضبطكِ أحد حرّاس الوادي وأنت تقودين سيّارتك هناك؟
- وماذا سيفعلون بي؟ ألا تركب نساؤهم الجِمال والحمير، متجوّلات بين
المزارع والقُرى ومناطق الرعي؟
- بلى... لكن تلك مركوبات يا جواهر وهذه سيّارة، ولذا سيكتفون بوضعكِ في
كهف سهل الجبليّ في المغارات.
- أعوذ بالله... أيمكن أن يحدث ذلك؟
صَمَتا حين عَبَرَ من أمام الخيمة جارهم أبو أَنَس، وخفض خالد صوت
التلفزيون، واتّجه إلى أوراق القِصّة في طَرَف الخيمة."
فإذا كانت عَزَّة تمثّل معنى خُلاصة التجربة الأصيلة التي قد تحلّ
إشكاليّات قديمة وجديدة، كما قال، فإن حمدان- مقابل ذلك- يمثّل البُعد
الخارجيّ، أو الأجنبيّ. فيما يقف ابن عيدان مذبذبًا بين الطرفين، متجاذَبًا
بينهما، يحمي نفسه، ويقمع مخالفي رأيه بقوّة السّلطان وواحديّة الرأي.
في هذا القِسم من النصّ كان صوت المؤلّف حاضرًا بشكل أقوى، وبأسلوب مباشر،
يوجّه دفّته فِكرُه الشخصيّ، تلميحًا وتصريحًا، ويحرّك الشخوص فيه ليصل إلى
الرسالة المعبّرة عن وجهة نظره، في سياقٍ حواريّ يعيد على ألسنة الشخوص
جدَل الرأي العام، المنبثّ عبر وسائل الإعلام إزاء القضايا التي تطرّق
إليها في هذا القِسم.
وفي ختام الجزء الأوّل المعنون بـ"وهج الذاكرة" يمكننا القول إن "الغيمة
الرصاصيّة" سرديّةٌ تضحّي بالقارئ. ومن أوجه الصعوبة في قراءتها ما ينتج عن
عدم تسلسل الأحداث؛ لما أعمله الكاتب فيها من تقديمٍ وتأخير. فالقِسم
المعنون بـ"وهج الذاكر، 3- الراوي"، مثلاً، كان يُفترَض أن يجيء بعد القِسم
السادس، بعنوان "وهج الذاكر، 6- الأصدقاء"؛ لأن ما ورد في القِسم الخاصّ
بالراوي هو نتيجة لما ذَكَرَه في حكاية الأصدقاء، من اكتشاف المخطوط وأخْذه
من قِبَل جاسم إلى مَن قد يستطيع أن يقرأه، وهو الراوي. وبهذا فقد قدّم
القِسم الثالث من "وهج الذاكرة" على القسم السادس، وكان موضعه بعده، بصفته
نتيجة. لأجل ذلك كان القارئ يجد نفسه أمام شخصيّات وأحداث لم يسبق له أن
عَرَفَ ما وراءها من خلفيّات حكائيّة، فلا يتسنّى له ذاك إلاّ في صفحات
لاحقة. وهذا الضرب من تقديم نتائج الأحداث على مقدّماتها كان يشوّش متابعة
القارئ، ويضطرّه إلى أن يقرأ النصّ في بعض الحالات قراءة عكسيّة. أضف إلى
هذا أن تلك الأقسام في النصّ ليست بمتراتبة على بعضها، وإنما تحمل أصوات
أطراف الحكاية حول ما حَدَث من اختفاء سهل الجبليّ وما أعقب ذلك من تداعيات
لدى كلّ طرف، وهو ما أورث النصّ المزيد من الغموض في تتابع نموّ شخصيّاته.
وممّا يبيّن أن الكاتب قد قدّم بعض الأجزاء وأخّر، على نحو لا يبدو له منطق
واقعيّ، ولا حتى فنّي، أنه يقول مثلاً- وهو يتحدّث باسم الراوي:
"امتدّ الحديث بكما عن ورق الجِلْد، والحشيّات، والتسجيلات مدّة طويلةً،
وقال جاسم: لقد دخل خالد تجربة لم تكتمل عدّتها، فخالطت صحوه أشباح عَزَّة
وسهل الجبليّ، ووجد نداءً ظنّه فاتحة للكتابة واستحضارًا للأرواح، فأحضر
مسجّلاً لتسجيل ما توقّعه من حوار مع سهل، ولكن سهل الجبليّ لم يحضر، وطيف
عَزَّة لم يجئ، وانعقد لسانه منذ ذلك اليوم... آلمني ما حدث لخالد ودفعني
تشوّقي لإخراج عَزَّة من قِصّتها، فحاولتُ إقامة هيكل جديد للقِصّة، بدأته
بحادثة اكتشاف الأصدقاء لأجزاء من النصّ لكنني أدركت مبكّرًا أنني عاجز عن
إنجاز المهمّة ولذا قصدتك..."(5)
فهذا الكلام كان المفترض أن يأتي بعد الأحداث التي أُشيرَ إليها فيه، لكنها
أحداث ستأتي لاحقة عليه! وهذا بعينه ما حَدَث حينما جعل الكاتب "في البدء"
في آخر النصّ، وجعل "في الختام" أوّل النصّ، وكأنه يتوقّع أن يُقرأ النصّ
من آخره إلى أوّله، لا من أوّله إلى آخره!
وهذا التشظّي الذي تعمّد الكاتب إجراءه على النصّ قد عمّاه أكثر ممّا أكسبه
دلالته، ولاسيما حين يسرد ما لم تأت أسبابه ومقدّماته وممهّداته بعد، ثم
يعود إليه في موضع منفصل تال. وكأنما هذا الشّتات الغريب هو في بنية
"الغيمة الرصاصيّة" نظير ما حكاه السارد عن تشظّي نصّ عَزَّة. لكنه إذا كان
قد ذَكَر أن نصّ عَزَّة لم يتحقّق لأنه مشتّت ومفرّق وضائع، فكذلك فَعَلَ
هو بنصّ "الغيمة الرصاصيّة"؛ حيث مزّقه جذاذات متناثرة متعاكسة متناقضة،
فجاء "غيمة كتابيّة" بحقّ. وهنا كان ينبغي التفريق بين طريقة إشكاليّة في
السرد، بهدف إيصال رسالةٍ دلاليّة معيّنة، وبين ما يبدو محض بعثرةٍ لأطراف
النصّ بلا مسوّغ فنيّ أو دلاليّ. ومن ثَمّ بين تقنية (الارتجاع الفنّي (Flash-
Back-
على سبيل المثال- وما كان يحدث في بنية "الغيمة الرصاصيّة" من تأخير
وتقديم؛ وكذا بين اللعبة الحكائيّة لدى كاتب كغبريال غارسيا ماركيز- في نصّ
كـ"خريف البطريرك"؛ يحكي قِصّة شخصيّة واحدة، يدور حولها ماضيًا وحاضرًا
ومستقبلاً، بشكلٍ منتظم في نسقٍ واحد، وإنْ تحرّك من حوله وخلفه وأمامه
وفوقه ودونه- وبين شتاتٍ من النصوص المتقاطعة المتعارضة المتداخلة
المتناثرة، كما وقع في "الغيمة الرصاصيّة". بيد أن تلك في النهاية هي
(القصيدة- الرواية)، بطبيعتها الشعريّة التهويميّة الغالبة، لا بواقعيّتها
السرديّة واتساقها المنطقي، ولعلّ ما قد يبدو معيبًا في بنية السرد
الروائيّ قد يُعدّ خاصيّة بنائيّة في نصٍّ كهذا.
(ونواصل).
[ الحلقة الثانية عشرة ]
وقفنا في الحلقة الحادية عشرة على التشظّي الذي تعمّد كاتب "الغيمة
الرصاصيّة" إجراءه على نصّه، وأشرنا إلى أنه قد عمّاه أكثر ممّا أكسبه
دلالته، ولاسيما حين يسرد ما لم تأت أسبابه ومقدّماته وممهّداته بعد، ثم
يعود إليه في موضع منفصل تال. وكأنما هذا الشّتات الغريب هو في بنية
"الغيمة الرصاصيّة" نظير ما حكاه السارد عن تشظّي نصّ عَزَّة. وإذا كان
السارد قد ذَكَر أن نصّ عَزَّة لم يتحقّق لأنه مشتّت ومفرّق وضائع، فكذلك
فَعَلَ هو بنصّ "الغيمة الرصاصيّة"؛ فجاء "غيمة كتابيّة" بحقّ. وألمحنا إلى
الفرق بين طريقة إشكاليّة في السرد، تهدف إلى إيصال رسالةٍ دلاليّة معيّنة،
وبين ما يبدو بَعْثَرَةً لأطراف النصّ بلا مسوّغ فنيّ أو دلاليّ. ومن ثَمّ
بين تقنية (الارتجاع الفنّي (Flash-
Back-
على سبيل المثال- وما كان يحدث في بنية "الغيمة الرصاصيّة" من تأخير
وتقديم؛ وكذا بين اللعبة الحكائيّة لدى كُتّاب الواقعيّة السحريّة، كغبريال
غارسيا ماركيز، وبين ما وقع في "الغيمة الرصاصيّة". وكأنّ الكاتب كان يُلقي
مهمّة بناء نصّه وكتابته على القارئ! بيد أن تلك في النهاية هي (القصيدة-
الرواية)، بطبيعتها الشعريّة التهويميّة الغالبة، لا بواقعيّتها السرديّة
واتساقها المنطقي، ولعلّ ما قد يبدو معيبًا في بنية السرد الروائيّ قد
يُعدّ خاصيّة بنائيّة في نصٍّ كهذا.
إلاّ أنه، مهما قيل بأهميّة القارئ في علاقته بالنصّ، فمسؤليّة الكاتب
مقدَّمة دائمًا؛ لا يمكن التخلّي عنها وإيكالها إلى القارئ، إلاّ بمعنى
تأويليّ لا بنائيّ. ذلك أن قارئ "الغيمة الرصاصيّة" سيجد نفسه أمام ما يشبه
بيادق شطرنج نوقلت بشكل غريب ثم طُلب إليه أن يصل بها إلى تركيبٍ جديد
ينتهي إلى الفوز بالمعنى. وهي فوضويّة لا تخل