قصة قصيرة بقلم :
صالح أحمد
المرايا
أبو سالم
أنظري
يا أم
سالم؛ هذه الأغنام لنا... نعم لنا
وحدنا... لي ولك ولابننا الغالي
.. اليوم فقط اكتملت فرحتي...
ثلاث سنوات مرت منذ زواجنا... لم أذق بها
طعم الفرحة الحقيقية!
واعذريني يا زوجتي الحبيبة! نعم... فرحت لزواجنا،
وفرحت يوم رزقت ببكرنا
سالم... ولكن فرحتي لم تكن كاملة... لم أشعر
أنها من حقي... كان الهم
يحاصر فرحتي... يخنقها.. ينكرها عليّ...
يجعلني لا أغفل للحظة عن
التفكير بالديون المتراكمة عليّ... تلك الديون
التي ظننتني اشتري الفرحة بها
وأنا أجهز لزواجنا... ولكنها سرعان ما
تحولت الى طوق يخنقني...
ويسرق الفرحة من قلبي... لا تفارقني في ليلي
ولا في نهاري ... في صحوي وفي
حلمي ... تحاصر أيامي وتمتلك مشاعري
..
أحبك يا زوجتي... وأحب ولدي،
أنتما عمري ونور كياني... ولكن
اليوم... اليوم فقط أشعر أنني
أحبكما أكثر... اليوم أشعر أن قلبي وفكري
وحياتي لكما وحدكما
.
أنظري.. اسمعي !! هذه الأغنام
لنا... لنا
وحدنا... لا أحد يشاركني فيها... لا
دَين ولا دائن... أخيرا يا حبيبتي
... أخيرا منَّ الله علي ...
فسددت جميع ديوني.. ودفعت ثمن هذه
الأغنام... لتكون لي ... لنا
... ولنكون أحرارا سعداء...
كم هو لذيذ
أن يشعر الإنسان أنه حر... لا
هم؛ ولا غم، ولا دَينَ، ولا دائنين...
الحرية شيء لذيذ... الله ...
برضاي عليك يا حبيبتي ... جهزي لي أفخر
ثيابي! أريد ان أخرج للدنيا..
أن أباهي كل شيء بسعادتي... أنا منذ
اليوم ملك نفسي؛ لن يضايقني
شيء... لن يربض على صدري هم...
أم سالم
كان
يكلمني... وفي
عينيه بريق يلمع... والفرحة
تطل من كل قسمات وجهه ... وكنت معه بكل
جوارحي... وكياني... كل شيء
فيَّ كان يصغي إليه، ويتأمله بشغف! لست أدري! كان الخوف يمتزج
بشغفي وسعادتي به... نعم... يومها... لحظتها...
لست أدري كيف أصف شعوري... أو
كيف تسلل الخوف إلي من خلال زهوي به
... وسعادتي ولهفتي عليه؟!!
وأنا أتأمله يرتدي ثيابه بسعادة وفرح... وأنا
أتأمل خطواته الواثقة ومشيته
المتشامخة...
خرج من البيت ... ولكنه
لم يغب عن حسي ووعيي وشعوري
رمشة عين..
أصدقاء
أبي سالم..
من
اللحظة الأولى... وعندما
رأيناه داخلا علينا؛ أحسسنا
أنه إنسان جديد... لم نره في حياته فرحا
منشرحا هكذا! كل شيء فيه كان
ينطق بالسعادة والزهو... جبلا وقف أمامنا!
شامخا، مزهوا، سعيدا...
- اسمعوا! "هتف من صميم
نفسه... وبصوت كله زهو وسعادة..." لا
أريدكم الليلة أن تتحدثوا إلا عن السعادة، النجاح،
العز... أخوكم سعيد... لأول
مرة أتذوق معنى السعادة الكاملة... والحرية
الحقيقية... الحرية التي تعني
الحياة .
قضينا ليلتنا بهذا الحديث،
لم يسمح لأحد أن يخرجنا من جو
السعادة والانبساط ، حتى افترقنا؛ وهو
يقول: " كان بودي لو تستمر
سهرتنا هذه العمر كله... ولكن وراءنا أشغال
تنتظرنا في الصباح".
ولأول مرة لم يكن بذكر
الأشغال من منغص... بل
على العكس... شعرناها جزءا من
حديتنا السعيد المرح... وجزءا من كياننا المنطلق المنشرح بحرية
وسعادة...
أم
سالم
جلست
أنتظره... وصورته تسيطر على كل كياني...
وفرحته تغمر نفسي... وتملك
علي شعوري... أراقب عقارب الساعة أمامي...
وأحدق في وجه طفلنا... فألمح
في ملامحة سعادة أبيه وزهوه... فيبتسم
قلبي في صدري... وفي خاطري
ترتسم صورته وهو يغادرني والأرض لا تكاد
تحتمل خطوته ... والدنيا لا
تكاد تتسع لفرحته ..
عاد بعد منتصف
الليل... والسعادة لا تزال
تملأ كيانه... حيّاني ببسمته الصافية
العذبة... انحنى... وقبل
طفلنا بكل سكينة... رفع ذراعيه... شدهما إلى
أعلى بكل قوه... ثم ارتخى إلى
الأرض!!!
أسرعت إليه... ضممته...
حركته... فركت صدره... صدره
كقطعة من نار... فركته... صرخت صرخت...
اجتمع إخوته... الجيران...
أخذوه من ذراعي بالقوة... كان آخر شيء
سمعته... لا حول ولا قوة إلا
بالله...