أدب

صفحات خاصة

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

العمارة الاسلامية في الاندلس

المئذنة العروس رمز لإبداع معماري شامخ، أول أمر لعبد الرحمن الثالث بعد تولي الخلافة توسيع جامع قرطبة

تأليف :ماريان باروكاند و أتشيم بيدنورز

عرض ومناقشة

رشا المالح

 

        شكلت بلاد الأندلس بمآثرها العلمية والعمرانية والفنية، مركز اشعاع مستديم للحضارة الاسلامية منذ أن توطدت دعائم الحكم الاسلامي فيها. وفي عهد عبد الرحمن الداخل بدأ فن العمارة يتلمس طريقه في الأبنية الدينية والمدنية، لتأخذ عناصره المعمارية والزخرفية التي كونت البذور الأولى للفن الأندلسي في الانتشار في المشرق والمغرب. وهذا العهد الذي يمتد لما يقارب ثمانية قرون يشف عن جوهر واحد من أروع أمثلة فن العمارة الاسلامية التي اشتهرت على نطاق عالمي حتى يومنا هذا.

وقد ذكر مؤلفا كتاب العمارة الإسلامية في الأندلس الذي نناقشه هنا وهما ماريان باروكاند واتشيم بيدنورز في مقدمة كتابهما أن كلمة الأندلس هي تعريب لكلمة الفن القوطي الغربي «لانداهلوتس». ولم يستلهم المسلمون من اسبانيا اسمها فقط بل أسس فنها أيضا، حيث امتزج وانصهر الفن الاسلامي المتأثر بفن العمارة في الشام في عهد الأمويين في البداية بالفن القوطي والروماني الأيبيري والروماني والبيزنطي.

ونتج عن التقاء ذلك مع عبقرية الفنان المسلم الفن الأندلسي الفريد والمستقل الذي بدوره ألهم مسار واتجاه الفنانين الآخرين. وهذا الكتاب الصادر من دار نشر تاشين من القطع الكبير ويضم 221 صفحة، يتميز بكونه يستعرض فن العمارة الاسلامية في الأندلس وتطورها حتى نهاية عهد الحكم الاسلامي في القرن الرابع عشر، مع أمثلة لأهم الأبنية والمساجد التي تشهد على كل مرحلة زمنية.

ومقدمة الكتاب تعطي موجزا تاريخيا لوضع المنطقة قبل الفتح الاسلامي، كما تم تقديم العرض تبعا للمراحل التاريخية والزمنية التي شهدتها البلاد سواء خلال ازدهارها في عهد بني أمية في القرن الثامن (710 ـ 910)، ومن ثم في القرن العاشر حيث تم تشييد مدينة الزهراء وتوسيع الجامع الأكبر في قرطبة والانشاءات الأخرى، أو في مرحلة انحدارها المتمثلة في عهد الفتنة أو انتشار دويلات الطوائف (1091 ـ 1031)، وأيضا مرحلة المرابطون والموحدون وما تميزت به العمارة في عهدهما، ووصولا الى أوج ازدهار فن العمارة في عهد بني الأحمر.

وقد أصبحت قرطبة تحت ظل حكم الأمير عبدالرحمن الداخل (الأول) عاصمة الأندلس في شهر مايو عام 756، حيث أمر الأمير باعادة بناء أسوار المدينة وتشييد العديد من الجوامع الصغيرة الى جانب الجامع الكبير في قرطبة. وفي عامي 784 و785 بنى قصرا جديدا له سمي «دار الامارة» وبعد عام بنى الى شمال غرب قرطبة قصرا صيفيا محاطا بالحدائق وسماه «قصر الرصافة» تيمنا بقصر بني أمية في تدمر بسوريا.

وقد بني الجامع الكبير في غضون عام واحد فقط وذلك نظرا لتوفر الفنيين واليد العاملة من سكان البلاد وممن استدعاهم من موطنه بالشام.ويعد المسجد من أروع ما خلفته الدولة الأموية، فهو يمثل مرحلة من مراحل النضج المعماري والفني للطراز العربي الاسلامي من حيث التخطيط وأساليب البناء وظهور عدة عناصر معمارية وزخرفية تجمع بين الفن الغربي والشرقي الاسلامي.

والمسجد المربع الشكل بطول 74 مترا، نصفه مسقوف ونصفه الآخر صحن ممتد، ويتألف النصف المسقوف من تسع بلاطات عمودية على جدار القبلة تمتد على اثني عشر قوسا تقوم على أعمدة من الرخام. والعقود السفلى تشبه تيجان بعض الأعمدة في العمارة القوطية، وذلك لأن أغلبها نقل من أماكن قديمة. وتيجان الأعمدة ذات أصل روماني من النوع الكورنثي المركب، وقد تطورت مع الزمن الى أشكال تجريدية من ابتكار خيال المعماريين الأندلسيين.

كما كان يحيط بالفناء المكشوف من الجهة الشمالية أروقة ذات عقود، ويوجد في الجهة الجنوبية رواق القبلة الذي يضم تسع بلاطات أيضا. ويلاحظ أن عقود الأعمدة متعاقدة مع جدار القبلة حيث اتخذت العقد هيئة حدوة الحصان وهي مقتبسة من العمارة القوطية الغربية. ويواجه الداخل الى المسجد غابة من الأعمدة حيث تقوده الممرات وترشده الى القبلة وينيرها ضوء شاحب يتسلل من الصحن ومن شبكات الواجهات.

ونظرا لضيق مساحة المصلى وعدم تناسب الارتفاع مع المساحة، فقد طلب الأمير بناء طابق ثان، وذلك من خلال عقد أقواس الأعمدة فيما بينها ومن ثم اقامة أعمدة أخرى فوق الأعمدة الأولى وعقد أقواسها ثانية لاقامة السقف. وهذا الابتكار لا يخلو من جرأة وحسابات دقيقة لقوة احتمال الأعمدة الأولى ثم أوزان الأعمدة الثانية وأقواسها والسقف فوقها.

العصر الذهبي

تمثل هذا العصر في فترة حكم عبدالرحمن الثالث الذي كان في الحادية والعشرين من عمره عندما ولي الحكم، وتميز بالذكاء والجرأة والحنكة والاستقامة والثقافة وحسن الادارة وموازنته بين الحزم والرأفة. ويقال بأنه تسلم الأندلس حينما كانت جمرة متوهجة.

كان هدفه الأول منذ البداية تحقيق الوحدة الداخلية، وقد تطلب تحقيق هذا الأمر عشرين عاما حيث استطاع أخيرا السيطرة أسوة بعبد الرحمن الداخل على المتمردين حتى لم يتبق عدو واحد له في البلد، كما حافظ على السلام مع الولايات المحيطة به التي كانت تدفع جزيتها بانتظام ورضا.

ولدى ازدياد قوة الفاطميين في شمال أفريقيا، ومع تنصيب عبيدالله قائد الحركة نفسه خليفة عام 909، كان عبدالرحمن الثالث من الحكمة والحنكة بحيث حافظ على صلاته الطيبة بهم. غير أنه سعيا للحفاظ على ميزان القوة منح نفسه لقب خليفة أيضا. وقد خلفه ابنه الحكم الثاني حينما كان في السادسة والأربعين من عمره ودام حكمة مدة 15 عاما فقط.

وكان شبيها بأبيه مثقفا ومسالما وكريما ومحبا للفنون سيما الأعمال المعتقة والأثرية ومتدينا ومتمكنا من الفقه، وقد تابع نهج حكم والده في السياسة الخارجية والداخلية، وارتبط اسمه ببناء مدينة الزهراء مع توسيع وتجميل الجامع الأكبر في قرطبة. وقد كانت وفاته ايذانا بانتهاء العصر الذهبي حيث خلفه ابنه هشام الذي كان طفلا في الحادية عشر من عمره.

كان هشام ألعوبة بيد والدته وحاشيتها وتحت سيطرة الوصي عليه ابن أبي الأمير، الذي اتخذ لنفسه منصب الحاجب وهو المنصب الأعلى في الدولة بعد الخليفة. ونظرا لحبه في الحكم والنفوذ فقد نقل عام 1981 مركز الحكومة الى قصره الجديد في مدينة الزهراء. وقد تمكن من توريث منصبه الى ابنه عبدالملك الذي حكم لمدة 8 سنوات فقط، وبعدها خلفه أخوه الأصغر عبدالرحمن الذي لم يكن يتسم بصفات القادة وسرعان ما قتل في عام 1008.

ومع تنحي هشام عن الحكم عام 1009، دخلت البلاد في فوضى عارمة حتى عام 1031 حيث تم تأسيس مجلس للحكم. ومعروف للكافة أن الأندلس في القرن العاشر كانت متقدمة على أوربا اقتصاديا وفكريا بمراحل، وثروتها المزدهرة كانت تعتمد على نظم الري والسقاية التي وصلت لكافة الأقاليم الى جانب التجارة والصناعات. وقد ساهم هذا الرخاء الاقتصادي في استتباب الأمن في البلاد.

مدينة الزهراء

قرر عبدالرحمن الثالث عام 936 بناء عاصمة جديدة دعاها مدينة الزهراء، وتبعد 5 كيلومترات شمال غرب قرطبة. وفي 947 نقل الحكومة من قرطبة الى المدينة الجديدة واستمرت أعمال البناء فيها حتى بعد وفاته في عام 961.

وقد استهلك البناء ما يقارب من ثلث ميزانية العائدات السنوية للحكومة وجهد عشرة آلاف عامل واستقرق زمن البناء 40 عاما. والى جانب حفر الأساسات والرصف كان يتم يوميا تصنيع 6000 طابوقه، مع ما مجموعه 4324 عامود رخامي تم استيراد معظمها من تونس، مع أحواض رخامية بيزنطية وسورية، وثماني منحوتات ذهبية مرصعة باللؤلؤ استوردها الأمير من سوريا لغرفة نومه.

ويحيط بالمدينة جدارا بطول 1500 متر وسماكة 5,2 متر، مع ابراج للمراقبة كل 13 و14 مترا. ولكون المدينة بنيت على هضبة فقد كانت مقسمة الى ثلاثة مستويات منفصلة يبدأ كل مستوى بجدار استنادي للمستوى السابق. وكان مقر اقامة الخليفة يطل على المشهد الكامل للشمال في المستوى الأعلى من المدينة. أما القسم المتوسط فضم مكاتب الحكومة وبيوت كبار الموظفين في البلاط.

أما القسم السفلي فكان للعامة والجيش حيث يقام الجامع العام والأسواق والحمامات، علما بأن الحدائق وبرك المياه كانت جزءاً رئيسياً في كافة المستويات. ويكفي تقدير مساحتها وعددها من خلال عدد الأرغفة التي كانت تطعم لأسماك بحيرات القصر يوميا والتي تقارب من 18000 رغيف خبز. وأهم ما ميز تلك المدينة هو توريد المياه اليها من جبال السييرا في الشمال حيث كانت تجمع المياه برج، ومن هناك تجري الى حوض رخامي ومنه الى أنابيب من الرصاص التي تمثل نظام توزيع المياه في المدينة، اضافة الى خزانات لتجميع مياه المطر.

وللمدينة أربع بوابات على الأقل، والبوابة الرئيسية في منتصف الجدار الجنوبي وتدعى باب القبة وفي الجدار الشرقي بوابة الشمس، وبوابة الجبال في الجدار الشمالي، الى جانب باب الصد داخل المدينة شمال باب القبة الذي يقود مباشرة الى قصر الخليفة.

ولمدينة الزهراء أهمية كبيرة في تاريخ الفن، وذلك لكونها تمثل نمطا أندلسيا فريدا ومتميزا عن المدن الأخرى، سواء في أسلوب البناء وتداخل المنازل ومساحتها، أو في الحدائق وتقاطعها، أو في صالات الاستقبال والغرف التي بنيت حول ساحة مركزية تتوسطها بركة واسعة تعكس مياهها أشجار الحديقة والأقواس المحيطة من الخارج بالغرف. وقد استخدم في زخرفة وتزيين القاعات الحجر الرملي والرخام والزجاج الملون العربسة، مع زخارف نباتية وأشكال هندسية وكتابات كوفيه، تبدو للناظر كأنها سجادة برسوماتها الكثيفة والمنمقة والدقيقة.

المئذنة العروس

تابع عبدالرحمن الثالث توسيع الجامع الكبير في قرطبة وتجديده مع بناء المئذنة شمال الجامع. وقد زودت المئذنة المزخرفة بالنوافذ والأقواس، بدرجين متوازيين يفصل بينهما الجدار الشمالي الجنوبي. وتبعا لوصف المؤرخ المقري، فقد تم زخرفة أعلى الجدران بتفاحة من الفضة واثنتان من الذهب مع غصن معدني لتتوج القمة برمانة ذهبية.

وباتت هذه المئذنة التي عرفت باسم «العروس» رمزا للعاصمة وفخرا لبني أمية وسماها الاسبان بالاسم نفسه بلغتهم «لاخيرالدا»وقد وسع عبدالرحمن الثالث الجامع الأكبر باتجاه الشمال بطول 60 مترا وأضاف له من الجهات الثلاث صالة بعمق 7 امتار، وتبعا للطراز البيزنطي فقد كانت مدعمة بقواعد وأعمدة وعقود.

وأعظم عمل يحسب للخليفة الحاكم كان أمره في 17 أكتوبر عام 961بتوسيع بيت الصلاة، وذلك بعد تتويجه بيوم واحد فقط، وهو أول أمر يوقعه بعد توليه الحكم، مما يؤكد اهتمامه وتفكيره المسبق بهذا الأمر. وقد بدأت أعمال التوسعة في يوليو 962 وانجزت في صيف 966. وأسوة بعبدالرحمن الثاني، فقد قام بهدم جدار القبلة واعادة بنائه ببعد اضافي يقارب من 12 ذراعاً، وبذا أصبح طول ردهة المصلين 104 أمتار من الأمام الى الخلف.

وجدير بالذكر أن الاقواس التي كانت تدعم القبب الأربعة للجامع صنعت من الحجارة المنحوتة التي كانت تكسى وتزخرف بالموزاييك والألوان قبل وضعها في مكانها وكانت تشابه الأقواس الأصلية للبناء.

وفي حكم ابن أبي الأمير الذي لقب نفسه بـ «المنصور»، ونظرا لزيادة عدد سكان قرطبة تم توسيع الجامع الكبير مجددا وذلك من جهة الشرق. وتبعا لطلبه فقد أضيفت ثماني ردهات على طول القاعة مع زيادة مساحة الصحن أيضا. وبذا أصبحت مساحة الجامع طولا 178 مترا بعرض 128 مترا، مما جعله ثالث أكبر جامع في العالم الاسلامي بعد الجامع العباسي الأكبر وجامع سامراء.

وخلال ذلك العهد بني العديد من الجوامع الصغيرة في مختلف مدن الأندلس مثل الجامع الرئيسي في مرية الذي بني في عهد عبدالرحمن الثالث وتم توسيعه مرتين في القرن الحادي عشر، وجامع المنتصر في كور ويظهر فيه تأثير الفن الروماني والقوطي وان اتخذ طراز الجامع الأكبر في مخططه العام والمحراب والأقواس والردهات وهو مبني من الآجر والحجر الخشن.

كما بنيت الحصون والجسور الموزعة في الداخل وعلى حدود الأقاليم الخارجية في القرن العاشر. وكانت تلك الحصون تساهم في حماية البلاد وفرض سيطرتها الداخلية وضمان سلطة الحكومة المركزية، حيث يمكن للناس اللجوء اليها لدى الحاجة.

ومعظم الجسور المبنية تعود الى العهد القوطي وبني أمية، وأهمها الجسر فوق الوادي الكبير في قرطبة وأيضا جسر مرية وأشهرها جسر القنطرة في طليطلة. وكذلك الجسر الحجري قرب قرطبة ويتميز بأقواسه الثلاثة التي لها شكل حدوة الحصان وبجانبه كاسرات للمياه.

ومن أشهر المدن أيضا مدينة فاسكوس التي أسست في القرن العاشر من قبل قبيلة البرابرة، ويعود ازدهارها الى مناجم الفضة فيها، وقد هجرت المدينة بعد هجمات الفرنجة في القرن الثاني عشر.كما اشتهر الأندلسيون ببناء الحمامات ذات الطراز الروماني التي لم تكن تضم حينها الغرف المبردة، وأبدوا اهتماما بنقش أحواضها الرخامية وزخرفتها واعتنوا بتصميم القبب التي كانت تدخل النور لتمثل اضاءة طبيعية.

عهد الفتنة

يعتبر هذا العهد من 1021 الى 1031 من أسوأ الحقب في صفحات تاريخ الأندلس، حيث سادت الفتنة والتفكك والاضطرابات، وقد هيمن على تلك الفترة ثلاثة قوى هي البرابرة والصقالبة والعرب.والصقالبة في الأصل من السلافيين الذين قدموا من شرق أوروبا، أما البرابرة فقد أتوا الى الأندلس في منتصف القرن العاشر من قبائل في شمال أفريقيا، ولم ينتموا الى البرابرة السابقين الذين قدموا الى الأندلس مابين القرن الثامن وبداية العاشر.

ومع سقوط الامارة، بدأت كل مدينة تشهد ظهور قائد يبحث عن الثروة والنفوذ، وكان يسعى لتحقيق ذلك من خلال استئجاره للجنود المرتزقة.تصارع القادة حول الثروة، ولم يتردد أي منهم في غزو مدينة الآخر، وكان لليهود نصيبهم أيضا سيما في قرطبة، حيث لعبوا دورا بارزا، وهيمنوا عليها لما يقارب من عشرين عاما، وذلك من خلال وزيرهم صاموئيل بن ناغريلة الذي تميز بالقيادة العامة والادارة المدنية.

وفي منتصف القرن الحادي عشر ازدادت عائلة العبابدة في اشبيلية قوة ونفوذا وذلك تحت قيادة حاكمها القاضي محمد بن عباد (1013 ـ 1043)، حيث نجح في السيطرة على طليطلة وسراقوسة.وتميزت مرحلة حكمه رغم الحروب والصراعات، بانتشار التعليم والثقافة وازدهار الفن. وقد حافظت المدن في القرن الحادي عشر على اللغتين العربية والرومانية.

ونظرا لأن معظم قادة أو حكام الطوائف كانوا يتبعون نهج الخلفاء تمثلا بقوتهم، قفد ازدهرت العمارة وبرز العديد من الابتكارات في مجال تقنيات الزراعة والري والصناعة، مثل ساعة مياه طليطلة التي ابتكرها الزركال وأهداها للحاكم المحلي. كما شجعوا الشعراء والفنانين والباحثين من خلال الوعود بالفائدة والمراكز.

وقد أدت تلك المصروفات الى ارتفاع الضرائب على السكان الذين بدأوا بالتذمر واثارة القلاقل، في حين نجح الفرنجة في الأقاليم المستقلة في فرض الجزية على حكام الطوائف بعد أن كانوا بدفعونها لهم، وهكذا اعتمدت كل من طليطلة واشبيليا على قوة الملك الفونسو السادس.وكان لاهتمام حكام الطوائف بفن العمارة عاملا في تطوير أساليب محلية خاصة بفنهم الذي يعكس في المحصلة تميزهم.

ومن أشهر القصور في تلك المرحلة قصر الجعفرية في سراقوسة، وهو قصر المقتدر بالله الذي كان يرى نفسه كشاعر وشيده في النصف الثاني من القرن الحادي عشر، وكان من أقوى الحكام الى جانب كونه عالم فلك ورياضيات مع ترحيبه واستقباله للفنانين والعلماء. والقصر محاط بجدران سميكة من الحجارة مع أبراج دائرية في الزوايا، وأجنحة للاقامة والاستقبال في الشمال الجنوبي ولها مداخل الى وسط الساحة المستطيلة الواسعة التي تتوسطها بركة ماء تعكس مياهها الاقواس.

ويوجد شمال شرق القصر مسجد مربع مكون من دورين وعلى طراز الجامع الأكبر. أهم ما يميز هذا القصر هو نظام تداخل الأقواس وتقاطعها في اشكال وتصاميم تبلغ درجة هائلة من التعقيد والزخرفة والنقش المتناهي في الدقة. وتبدو الأقواس المضاعفة والصماء منها كأنها قد حررت نفسها من أية دعامات، لتأخذ نمطا في التمازج وتتراوح قياساتها من أقواس واسعة الى صفين في اطار زخرفة الأعمدة.

أما الزخارف النباتية فقد ابتعدت عن التناظر والواقعية واعتمدت أكثر على البراعم وأكواز الصنوبر وأوراق الشجر الأكثر رشاقة ودقة، وباتت الرسومات النباتية أقرب الى التجريد والى الأشكال الهندسية ذات الطابع العربي.

المرابطون والموحدون

المرابطون القادمون من الرباط هم فئة أقرب الى الصوفية، وكانت الطبقة العليا في الأندلس تنظر اليهم بدونية وتصفهم بالمتوحشين غير المتعلمين. وقد شهدت الثقافة في عهدهم تراجعا ملحوظا لعدم اهتمامهم بالعلم والفنون بصورة عامة، وتميزوا بتدينهم وتقشفهم و محاربتهم للفرنجة واليهود مع ترحيل معظمهم الى شمال أفريقيا.

وقد حكموا الأندلس في عام 1170، وأهم حكامهم كان أبو يوسف يعقوب «المنصور» الذي استمر حكمه من 1184 وحتى 1199، واختلف عن جماعته بكونه محبا لفن العمارة. وقد حقق انتصارات على أعدائه في الجوار وهم من الموحدين. وتوالى على الحكم كل من ابنه محمد الناصر ليخلفه في عام 1213 ابنه أبو يعقوب يوسف الثاني وكان في الخامسة عشرة من عمره ولم يكن مؤهلا لحكم الامبراطورية، وسجل بوفاته في عام 1224 نهاية حكم عائلته.

وعلى الرغم من شهرة المرابطين في بناء وتشييد المدن في شمال أفريقيا الا أنهم لم تتاح لهم الفرصة في الأندلس وذلك بسبب دخولهم المتأخر وكذلك نبذهم من قبل حكام الطوائف.

أما فيما يتعلق بحركة الموحدين التي أسسها المهدي المنتظر واسمه محمد بن تومرت فقد أصبحت اشبيلية عاصمتهم في الأندلس، وما زالت مئذنة جامع المهدي الرئيسي التي شيدوها لتكون رمزا لقوتهم منارة في فن العمارة الاسلامية، وهي على ارتفاع 70 مترا مربعة الشكل وبطول وعرض 85,14 وتتكون من سبع غرف تكون في مجملها سبعة أدوار.

والواجهة مقسمة الى ثلاث مساحات، المساحة السفلية ناعمة الملمس والمساحتان العلويتان تتميزان بالزخرفة والآجر الملون المشوي، والمساحة المركزية تضم نوافذ من الجهتين مع أقواس مضاعفة صماء. كما بنوا عددا من الجوامع المميزة في غرب اشبيليا، وتميزوا بالعمارة الدينية مع غنى في الزخارف والنوافير الى جانب بناء الحصون وترميمها.وتعتبر مرحلة الموحدين المرحلة الأخيرة في تاريخ الأندلس التي تسعى الى تكريس الحكم الاسلامي في اسبانيا.

عهد بني الأحمر

مع انهيار حكم الموحدين، نجح محمد بن يوسف النصري المعروف بابن الأحمر في بسط نفوذه بداية على أرجونا قرب جاين عام 1232 ليهيمن بعدها على اشبيلية وغرناطة ومن بعدهما المرية ومالقا، وليؤسس سلطنته في عام 1238 والتي دامت حتى عام 1429. عاشت غرناطة عصر ازدهارها في القرن الرابع عشر تحت حكم السلطان يوسف الأول (1353 ـ 1354) ومحمد السلطان (1135 ـ 1159) و(1362 ـ 1391).

حيث ساعدت صلات حكامها الجيدة مع كل من ملوك الفرنجة في الجوار والمغرب في التغلب على الاضطرابات الداخلية. كما شهدت ازدهارا في الاقتصاد والزراعة والصناعة مع تجارة واسعة أسست قاعدة متينة للحكم وللشعب، كما بنيت فيها القصور الجميلة.وسبب ضعف السلطنة وانهيارها، أن الحكام الذين تعاقبوا على الحكم انحصر اهتمامهم في العرش والطموحات والنوازع الشخصية، وذلك تزامنا مع تنامي قوة الفرنجة في الجوار.

بنيت مدينة الحمراء على تلة مرتفعة تعلو مدينة غرناطة، وهي عبارة عن قلعة لها شكل سفينة ضخمة رست بين الجبال. وتشغل مساحة بقياس 720 مترا طولا و220 مترا عرضا. وتضم جدرانها 23 برجا وأربع بوابات تغلق على سبعة قصور وبيوت لكافة الفئات مع مكاتب وجوامع خاصة وعامة وورش عمل وحمامات وحدائق مع نظام بناء دفاعي وسكن صيفي. وتضم الحمراء مدينة عليا في الجنوب الشرقي، ومدينة منخفضة في الشمال الغربي، والاثنتان متصلتان بمداخل طولية.

والخطوة الأولى التي قام بها محمد الأول، هي تشييد نظام توريد المياه وبناء جدار نصف دائري للمدينة. وأتم وريثه ابنه محمد الثاني أعمال انشاء الجدار الخارجي، وبناء برجي القلعة «برج النساء» و«برج المعركة»، كما بنى محمد الثالث الجامع الرئيسي وحمام للعامة.ومن أهم حكام بني الأحمر محمد الخامس الذي كان مسئولا عن تشييد معظم أبنتيها، ومن أشهرها القصر الذي اشتهر بقاعاته وقبابه المزينة بالمقرنصات.

وفي مقدمة القصر قاعة البركة وأيضا قاعة السفراء وهي مدخل لقاعة مفتوحة على البلاط الشمالي، ويعرف باسم بلاط البركة، حيث تشغل معظم مساحته بركة مياه طويلة قياسها 7,34 متراً بعرض 5,7 أمتار. وفي الجانب الشرقي حمام يوسف وهو متصل بقصر محمد الخامس.وفي منتصف القصر توجد قاعة الأسود وفيها بركة محروسة باثني عشر أسدا حجريا وفي كل جانب يقع جناح مع بركته ونوافيره الداخلية التي تجري لتصب جميعها في البركة في الوسط.

وأهم ما في القصر الجناحان الواقعان في الجنوب والشمال. ويدعى الأول «ابن سراج» وله بركة مركزية، ويدعى الثاني «بيت عائشة» وهي مربعة الشكل وتتمركز حول صالة الأختين التي تقود الى غرفة واسعة. والغرف مكسية بالخشب ذي الزخارف النباتية، والسقوف أو القبب مزينة بالمقرنصات المنقوشة المتناهية في الدقة والصغر لدى الوصول الى مركز القبة.

وقد بني القصر الصيفي الخاص على طول مجرى المياه الرئيسي على المنحدر فوق الحمراء، مع حدائق عديدة ومختلفة في تصميمها وعلى جانبي مجرى المياه وبمستويات متفاوتة ساهمت في تصميم شلال مياه. وقد سميت حدائق القصر الصيفي بجنات العريف. وزائر الحدائق لا تطأ قدمه التراب أو العشب مطلقا، فهناك ممر رخامي خاص على جانبيه العشب الأخضر والمنخفض ليحتفظ بعبق الورود وزهور البرتقال التي لا يمكن أن تطالها اليد.

ويتميز هذا القصر الى جانب كونه حصنا للدفاع عن المدينة، بالطابع الخاص في الربط بين القاعات من خلال برك المياه، التي معظمها له شكل المستطيل، وغالبا ما تتدفق المياه من صحن دائري مسطح الى البركة أسفله التي تتوزع بدورها الى بقية الغرف.وأتت نهاية الحكم الاسلامي في الأندلس لدى خروج آخر بني السلطان أبوعبدالله محمد من مدينة الحمراء في يناير 1492، الا أن فن العمارة المغربي في الأندلس يبقى الأثر الفني الأكبر حتى يومنا هذا. 

===============

رشا المالح

rmaleh57@hotmail.com