روايات خالدة
العطر
الإندونيسي
ريادة حداثية في جنوب شرق آسيا

ترجمة : رشا المالح*
أثارت حركة العطر
الإندونيسي اهتماما إعلاميا واسعا ليس فقط في إندونيسيا بل على نطاق العالم حيث
اهتم الكثير من الصحفيين برائدات تلك الحركة التي تمثلها أديبات شابات يتمتعن
إلى جانب جمالهن بالذكاء وبالقدرة على الإبداع الأدبي وكذلك الجرأة في طرح
قضايا مجتمعهن وتقديم رؤى جديدة للشباب تتجاوز كل مخلفات المجتمع التقليدي
المتناقض.
كما يشاع بأن البادئة بتلك الحركة الكاتبة الشابة أيو أوتامي التي فازت بجائزة
مركز جاكارتا للفنون لأول رواية، كان لها دور في تسريع سقوط نظام الدكتاتور
سوهارتو. ويجدر القول بأن الكتب الأولى لهؤلاء الكاتبات حققت أعلى مبيعات لدى
طرحها في الأسواق ونفذت الطبعات بعد أسابيع معدودة.
كما يذكر المحرر الرسمي نيروان ديرواني لمجلة كلام العريقة، من أهم ميزات حركة
العطر الإندونيسي، أنها تدفع الناس نحو الأدب. والدليل على ذلك العدد الكبير من
النساء اللواتي يتدافعن للحصول على توقيع أوتامي على نسخهن من كتابها.
نشأة الحركة
فوجئت الأوساط الأدبية في إندونيسيا في عام 1998 بنشر رواية كتبتها فتاة شابة
تدعى أيو أوتامي، قدمت روايتها تلك للمشاركة في مسابقة كتابة الرواية التي
نظمها مجلس فن جاكارتا، وخلال عام واحد أعيد طبع تلك الرواية عشر مرات.
تميز أسلوب كتابة أيو أوتامي في روايتها الفائزة «سامان»، بالمباشرة والذكاء مع
التحدث عن حياة شباب لديهم رؤية منفتحة على العالم، ويملكون ما يكفي من الشجاعة
لتكوين مثل جديدة للجيل المعاصر.
قدم هذا العمل نهجا جديدا لكتابة الرواية في إندونيسيا، ورغم أن هذه الرواية
تعتبر حسبما صرحت مؤلفتها الجزء الأول من أجزاء لاحقة، إلا أن الناس ما زالوا
ينتظرون التتمة حتى الآن!
وسرعان ما تبع أوتامي عدد من الكاتبات وكل منهن تكسر حواجز من سبقتها. فرواية «سوبرنوفا»
للكاتبة ديوي ليستاري حققت شهرة واسعة، إذ حادت شخوص روايتها عن المسار المألوف
لأعراف المجتمع التقليدي.
كما تناولت الكاتبة دجنار ميسا أيوا في كتابها الذي فاز بجائزة
القصة القصيرة موضوع انتهاك براءة الطفولة وخفايا المجتمع الأخلاقية. وكذلك
الأمر بالنسبة للكاتبة دينار رامايو، التي استقالت من عملها كمدرسة كيمياء
للمرحلة الثانوية بعدما أصبح كتابها ضمن قائمة الكتب العشرة الأكثر مبيعا في
إندونيسيا.
وتذكر سورايا كوسمانا، الأكاديمية والكاتبة والناشرة بأن هؤلاء الكاتبات يسلطن
الضوء على سلبيات مجتمعهن التقليدي المحافظ ظاهريا والحافل بالفساد الاجتماعي،
حيث تذكر بأن مجتمعهم يعاني من انفصام حقيقي بين التاريخ والقيم الشرقية.
وتذكر بأن هذه الشيزوفرينيا أو الانفصام قد وصل أوجه خلال حكم سوهارتو الطويل
من عام 1966 وحتى 1998، حيث قام الدكتاتور بقمع كل أشكال النقد والتفكير
الإبداعي في بداية السبعينيات. كما تقول، «خلال الخمسة وعشرين عاما الأخيرة ضاع
جيل كامل على صعيد الأدب الإندونيسي. ومع الانفتاح استعاد الجيل الجديد صوته».
هذا الصوت لم يعد مهددا بالإسكات أو القمع. وقد تغاضت المؤسسات الدينية عن
مجموعة العطر الإندونيسي لكونها لا تشكل خطرا إعلاميا كبيرا، وذلك لأن الغالبية
العظمى في إندونيسيا لا تميل إلى قراءة الأدب أو الاهتمام بالفن.
وهكذا انضم إلى أوتامي العديد من الكاتبات الجديدات اللواتي شكلن معا تلك
الحركة أو الظاهرة غير المألوفة في مجتمعهن ومن هؤلاء الكاتبات الجديدات كما
ذكرنا دبوي ليساري المغنية التي ولدت في عام 1976، ونشرت روايتها الأولى «سوبرنوفا»
في عام 2001، وقد أعيدت طباعتها خمس مرات خلال ستة أشهر فقط.
وتحمل روايتها رؤيا روحية جديدة، تعتمد في أساسها على عدة ابتكارات في العلم
الحديث خلال القرن العشرين. ونص وحبكة القصة مألوفان وشبيهان بقصص المسلسلات
التلفزيونية التي تركز على علاقات الحب وفشلها في أوساط مشاهير مجتمع جاكارتا،
غير أن المؤلفة تسعى من خلال المألوف إلى إظهار حقيقة رؤيتها الروحية الجديدة
ضمن الفوضى القائمة والتقلبات والاحتمالات والدين وغير ذلك.
كما وعدت ديوي أيضا بإصدار روايات لاحقة من الروحية الجديدة. ربما يتساءل
القارئ بدهشة كيف يمكن لكاتبة شابة تفوز روايتها الأولى بجائزة مجلس جاكارتا
للفن، أن تحدث فرقاً في تاريخ أندونيسيا؟ وقد يعتقد بأن في هذا القول شيء من
المبالغة الإعلامية لصالح ترويج كتابها.
إلا أن الإجابة على هذا التساؤل نجدها في مقال مارشال كلارك الأسترالي الجنسية
الذي قدم أطروحته للدكتوراه في الأدب الأندونيسي. ومقاله يدحض الشك في التسويق
التجاري ويعطينا الإجابة المنطقية المتمثلة في الحقيقة التاريخية لتلك المرحلة
الهامة في أندونيسيا، علما بأن المقال نشر في ديسمبر 1998.
في مساء يوم 13 مايو 1998، حيث كانت الرطوبة شديدة وقبل ثورة جاكارتا يوم «الخميس
الأسود»، شارك الكاتب الوطني براموديا أنانتا توير الذي أمضى العشرين عاما
الأخيرة من حياته تحت الإقامة الجبرية في منزله، في ما يمكن أن يدعى في العشاء
الأخيرة لحقبة سوهارتو.
كانت المناسبة، هي حفل فوز الصحفية أيو أوتامي بجائزة المجلس عن روايتها الأولى
«سامان» استقطب الحفل جموعا كبيرة من الطلبة والكتاب ونقاد الأدب وغيرهم من
المهتمين. كانت نسخ الرواية قد نفذت من الأسواق خلال الأسبوعين الأولين من
طبعها. وقيل الكثير من الإشاعات حول تلك الرواية، مفادها بأن جرأتها في مواجهة
سياسية القمع أدت إلى سقوط النظام الجديد لحكم سوهارتو.
كان لحضور براموديا رغم أنه كان يعاني من صعوبة السمع وعدم رغبته في قراءة
الأعمال الأدبية، إلى جانب مخاطرته الشخصية في خرق إقامته الجبرية، تأثيرا
بالغا عزز أهمية الحدث. كان وجوده يمثل إلى جانب تقديره واحترامه الكبير لأيو
أوتامي، تحديا علنيا لقوة النظام الجديد. قرأ الشاعر سيتوك سرينجينغ في أول
الحفل عريضة احتجاج وقعها عددا من الكتاب الرواد والشعراء، كانت العريضة تحتج
على قتل الجيش لستة طلبة من جامعة تيساكتي في اليوم السابق.
تلا ذلك إلقاء بعض الأناشيد من قبل الطلبة والجموع، وتحولت الساعات بعدها إلى
تآزر عام مع أيو تم خلالها تجنب الحوارات السياسية التي استنزفت البلاد لعدة
أشهر. وتركز النقاش في تلك الأمسية وحتى ساعة متأخرة من الليل حول الأدب واللغة
والفن في جو ودي.
وجدير بالذكر أن الإعلام كان يعاني خلال الأشهر التي سبقت هذا التجمع الأدبي من
الرقابة الصارمة، علما بأنه يمكن القول بأن الفن كان يحترق منذ منتصف الستينيات.
قبيل ظهور رواية أوتامي، كان مئات الفنانين بكافة فئاتهم قد اتحدوا تحت راية «تطهير
الأرض 98».
كانت «تطهير الأرض 98» حركة ثقافية هدفها شفاء مرارة حزن الأمة وانكسار روحها.
سعت تلك الحركة لأن تكون وسيطا للتحرير ولإعادة إحياء الوعي الإندونيسي الذي
قمع وضرب بقسوة من قبل سياسة النظام الجديد، وهي بخلاف الحركة الصينية «حمى
الثقافة» التي رافقت الحركة الديمقراطية في الصين في أواخر 1980.
وفي غضون شهر واحد، ما بين أول ابريل وبداية مايو، ظهر ما يزيد عن 170 فنانا
وممثلا في كل المدن تقريبا. أدى هؤلاء الفنانون عروضا مختلفة، كالدراما
والمسرحيات وإلقاء الشعر وعرض أفلام فيديو ومشاهد إيمائية وموسيقى وصلوات ومسرح
عرائس الظل والرقص. نظمت هذه الثورة الثقافية من قبل عدد من اللجان الإقليمية
التي كانت تتواصل عبر الشبكة الإلكترونية (الإنترنت).
وكما لعب الإعلام دورا بارزا في تحطيم جدار برلين، فإن الإنترنت قد أثبتت بأنها
هبة من الله لإندونيسيا، حيث كان التواصل والتحليل السياسي والنقد والتحرك
الثقافي يتم عبر آلاف الرسائل الإلكترونية. تم كل ذلك أمام عجز السلطة السياسية
في التقصي والتحري عن أصول ومنابع أي مصدر كان.
وقد أعلن عن حركة «تطهير الأرض 98» من خلال الإنترنت والرسائل الإلكترونية.
كانت أداة ما بعد الحداثة هذه، تساهم في التحرك بخطوات متقدمة نحو الحلم الكبير.
ومن إيجابيات تلك الحركة أنها رفضت جميع أنواع الإيديولوجيات التي أثقلت كاهل
الشعب الإندونيسي وفرقت بينه، سواء بالدين أو العرق وغير ذلك، فقد سعت جهودها
إلى تحرير الطاقة الحيوية للأفراد والمجتمع.
===============
رشا المالح
rmaleh57@hotmail.com