.
بقلم : فاطمة المزروعي
falmazroui2@hotmail.com
كانت صرختها
الأولى مرتبطة بسقوط المطر..
لا يمكنني أن أنسى هذه اللحظة ، كلما هطل المطر ، عادت صرخاتها الحادة الصغيرة
تقتحمني اقتحاما ، تعود إلي صرخاتها من جديد ، فأنهض من سريري ، والتصق
بالنافذة ، أتابع حبات المطر وهي تنزلق بعفوية على سطح الزجاج ، لا تزال
صرخاتها ترتفع أكثر فأكثر ، أغمض عيني وأتساءل هل حقا هي موجودة ؟ أم صدى الصوت
الآتي من بعيد؟ من حيث المطر القادم من السماء؟
كنت أستغرب من وجودها في منزلنا ، رغم أنه لا يوجد بيننا أية صلة قربى ، وكنتُ
أسأل أمي مرارا عنها ، ولكنها لا تجيبني ، تظل صامته قليلا ، تبحث عن أي إجابة
، ثم تغير الموضوع ، فاستغرب منها ، وتظل نظراتي متعلقة بها ، وهي تدور في
أنحاء البيت ، تعمل بصمت دون أن تتحدث ، وكلما تحدثت أخرجت صفيرا مكتوما ،
ذكرني بصرخاتها العالية ، التي دوما تلازم سقوط المطر.
كنتُ أسمعه كلما مشت على درجات السلم ، وكان لوقع أقدامها صوتا شبيها به ، كان
يصل إلى غرفتي التي في العلية ، ويجتاز الممرات والغرف وحتى الأثاث ، وكنت أشعر
بأن هذا الصوت لن يفارق منزلنا مادامت على قيد الحياة ، أيام تمر علي كنت أخفي
رأسي تحت الوسادة ، حتى لا يصل الصوتُ إلي ، ولكنه رغم ذلك يتعمق في ويجتاز
حياتي ..
ما إن تقترب مني ، حتى تلفني سكينة غريبة ، فأظل أرمق عيونها البلورية ، فأشعر
بأنها تريد الولوج في داخلي كساحرة من العصور الوسطى ، أحاول الفرار أو الهروب
، فتعجز ساقي عن الحركة ، فأظل أحملق فيها..
تضايقني لحظات سقوط المطر، لأنه يذكرني بصراخها أو العكس ، أحيانا تطاول
المخيلات ذاكرتي فألمح من خلف زجاج نافذتي زوجا من العيون البلورية ، يرمقني
بحزن ، تتكاثر العيون حتى تملأ النافذة ، وهي تلتصق بها ، أرى حزنا غريبا
ودموعا غزيرة ، فأتذكرها نفس العيون ونفس الحزن الغريب..
في الصباح تعود إلى عملها المعتاد ، تنظف ، وتمسح الأرضيات الباردة بخشوع ثم
تذهب للسوق تشتري ملزمات المنزل ، تعود فتجهز طعام الغداء ، نجلس معا كأفراد
عائلة تقدس العادات والتقاليد وتنظر إلينا بشيء من البرود ، لها الحق في ذلك
فهي ليست لها عائلة ، ولا تشعر بالحب أو العطف ، تبدو أمامي وكأنها مجردة من
الشعور، وميتة في الداخل ، لا أعضاء ، لا أمعاء أو كبد أو حتى مخ أو لسان ..
أضحك من تخيلاتي ، فيستغرب الجميع من ضحكاتي العالية ، وأعود إلى النظر إليها
هذه المرة ، كانت ذرات المطر قد بدأت في التساقط، والصوت بدا في التناغم مع
المطر، كان الصوت عاليا ، وقد شعرت بالصرخات تجتاز عقلي ، وكياني ، وكنت في
لحظة أريد الاختباء منها ، ومن زوج العيون البلورية الذي يراقبني في هذا اليوم
الماطر..
بقلم : فاطمة المزروعي
قاصة إماراتية