الصورة الغريبة
قصة قصيرة
مسعود غراب*
صـراخ ، حرائـق ، ألـسـن اللهـب
تتصـاعد ، أججتهـا ريـاح الشمال…
رذاذ ماء ساخن ، كما هو حر الشمس الصيفية ، في القر نفس الرذاذ ينزل
كأنه برد و سلام، توافق بديع بين الطبيعة و فطرة الأشياء…
ذرات الرماد ، رائحة العفونة. على الضفة الاخرى عواء الذئاب
الملوحة بأنيابها،
الدخان يكتسح فضاء المدينة ، و لما تصاعد ، بقايا من الجرحى و الجثث
الهامدة ،و أوراق تعبث بها الريح…
في عتمة الشارع ، أفرك عيني لعلي آنس قبسا يهديني . فانوس
أمي الذي كنت أحتفظ به تكسر…
تدافعت في ذهني كلمات مبعثرة: التيه، العبث ، الفتنة،
الجنون ، القرية المجنونة،…
عند عتبة باب الدار و تحت ضوء خفيف ، جلسنا ، في وقت غير
بعيد لم يكن متاحا لنا مثل هذا الجلوس.
عندما تحاصر الأجساد . تختنق الأرواح أو تنحرف .
نستحضر تلك الصورة الجميلة التي ارتسمت بذاكرتنا عن الحب و
الحياة ، بالصفاء الذي سرى فينا قبل الفطام . مازالت بمسامعنا ترانيم
العصافير الطليقة ، و ما جفت دموع الحب من مآقينا، ها هي تذرف لكل صورة
نفيض بالصدق .. بعدما تناثرت الصور المشوهة .
استحضرت أنين صديقي ، و أنا على مكتبي أحاول رسم صورة
كاريكاتورية عن يوم الحساب . في نفس اللحظة تراءت لي صورالشباب و هم
على مدرجات الملاعب، و في زوايا المقاهي ، و بين طبقات الملاهي البعيدة
..، وعلى دروب الثانويات ، و تحت شرفات المباني و العمارات .. استحضرت
كذالك بعض الوجوه قليلة الظهور ، و المتميزة بالبطون المنتفخة ،
والوجنات الحمر ، والنظارات السود . وتذكرت ذات صباح كيف ساقتني
الأقدار لأن أتخذ لي مكانا غير بعيد عن أحدهم، ورحت أنظر إلى نفسي من
خلال نظارته العاكسة ، وأنا أرتب شعري المشعث ، و أعدل قميصي الذي
تخالفت أزراره ، ولما أطلت التعديل والترتيب ، حسبني أحدق فيه ، وأدبر
له أمرا وأنوي له شرا ، فقال وهو ينزع نظاراته ويضعها على الطاولة
بإمتعاض وغضب شديد ، وصراخ ملأ المكان :
أنا اللص الذي أختلس ، والسكير الذي أختمر، وماذا بعد ؟.. ، وراح يتهدد
، ويتوعد ، مت بغيضك ، أيها المسكين ، ولو أجدك أمامي سأدوسك بقدمي.
هل كنت أبدو في نظره كالحشرة لاتستحق الحياة . ربما ، ولولا حماقتي ،
وسـوء ظنـه بـي لما أنتبه إلـي . ورحت كالذليل أعتذر إليه ، سيدي
المعذرة ، لم أقصد إزعاجك ، كل ما في الأمر أني تفاجأت بصورة وجهي
المبعثرة ، على مرآة نظارتك ، ولو كنت أعلم أن نظري يؤذيك إلى هذا الحد
، ما تجرأت على ذلك ، أنا آسف ، المعذرة ، المعذرة
…
رفعت رأسي وإذا بين يدي صورة غريبة ، لم أدرك لها معنى ،
خليط من الحبر الأسود يرق ويتكاثف على ورقة بيضاء ، تظهر بعد التمعن
كهيئة رجل مهمل ، ملقى على الأرض بثياب مهترئة ، والدم يتسايل من
منخريه وفيه، وبجانب قدميه الممدودتين زجاجات منكسرة
…
أعدت النظر ، فبدت لي هيئة أخرى ، حيوان غريب يركب ظهر إنسان
ضاحك.
مسعود
غراب - الجزائر*