الصورة
ذات الإطار الأسود
أحمد مصطفى
المجمعة
كان يتجول في
شارع خال من المارة , يسرق النظر إلى بوابة بيضاء كبيرة على جانب الطريق , يمشي
بخطى صغيرة .. بطيئة ..عله يحاول قهر الوقت .على الرغم من البرد القارس , وكل
الظروف السيئة التي تحيط به ,بقي صامداً .وبقي يتمشى ويراقب البوابة .
عند دقات التاسعة خرجت من تلك البوابة أميرته المنتظرة .. تلف شعرها حول رأسها
,تلبس فستانها الأسود الذي لا يحبه .
عندما شعرت بوجوده نظرت أمامها .. وكأنها لا تريده أن يرى عينيها ..أخذت تطأ
الأرض ببطء حتى ظن أنها تريد آت تحرمه حتى من رنة قدميها على الأرض .
وقف بصمت ينظر إليها وفي فمه آلاف الكلمات تنتظر الخروج . مرت بجانبه ! كأنه
غير موجود , التفت إليها واستمر بمراقبتها إلى أن غابت عن عينيه . انتابه حزن
ويأس وعجز فوق طاقته , لم يكن أمامه سوى مغادرة المكان المشئوم والعودة إلى
البيت .
بدا له أنه نسي الطريق , فلم يعد قادراً على التركيز .. جلس على الرصيف , بكى
وبكى وبكى .. وبعد وقت قصير استجمع قليلاً من قواه العقلية _ كانت كفيلة أن
توصله للمنزل .
_ فتح باب غرفته .. نظر إلى الساعة .. فوجدها لا تزال التاسعة ( حتى هذه تريد
أن تسخر منه )
استلقى على سريره .. متعباً ..فاقداً أي قوة , غلا قوة دموعه التي تنهمر بنشاط
وقوة عينيه اللتين تحدقان في صورتها الكبيرة ذات الإطار الأسود المعلقة على
الحائط أمامه .
استيقظ في اليوم التالي وعلامات اليأس والحزن ما زالت ترافقه , وبشيء من
الغرابة أحس بالوقت يمضي بسرعة ... فما لبث إن جاء المساء , وجاء معه موعده
اليومي . ذهب غلى نفس المكان البائس , يمشي بنفس الخطوات , يراقب نفس البوابة
منتظراً خروجها .
وما إن اقتربت الساعة من التاسعة حتى ظهرت , لكنها .. تتصرف على غير عادة , فهي
ترفع رأسها , تبتسم ابتسامة رقيقة _ والأهم من هذا كله .. أنها تنظر إليه , بل
وتمشي نحوه بسرعة .
تجمد بمكانه , وأصابه ذهول شديد ,التفت حوله فلم يجد أحداً
أخذ قلبه يخفق بسرعة , وغزته رعشة هزت جسده بأكمله . استمرت بالاقتراب منه إلى
أن وقفت أمامه .. نظرت إليه بدفء وشوق .
تدارك الموقف هو أيضاً فاقترب قليلاً , أحس بالفرح لأول مرة منذ أشهر طويلة
,وتناسى معها كل كلمات العتاب واللوم , وكأن همه الوحيد الآن هو أن يبقى قريباً
منها .
مضت دقائق قليلة حين امتلكته رغبة قوية لرؤية عينيها اللتين حرم من النظر
إليهما لزمن طويل . أبعدها قليلاً عنه , نظر إلى عينيها , لكنه أحس أنه لا
يراهما جيداً , وعلى الفور انتابه قلق شديد .
أغمض عينيه قليلاً ثم فتحهما , فما كان من الملامح إلا أن زاد تداخلها , ثم
أعاد الكرة وأغمض عينيه بقوة هذه المرة ,أنتظر قليلاً ثم فتحهما بقوة أيضاً ...
دقق جيداً .. ثم ابتسم بحزن عندما اتضحت له ملامح تلك الصورة الكبيرة ذات
الإطار الأسود المعلقة أمامه .