كنا
ننتظر الحافلة التي عادة ما تتأخر،كنت أنظر إلى داخل ذاتي، مسترجعا بعض اللحظاتالجميلة التي قضيتها مع حنان الصيف الماضي، وأ حاول أيضا أن
أفهم . لما أنا مخدرالأحاسيس هكذا ؟ يندفع صديقي ليـوقظني بثرثرته الفارغة
. ـ لقد كان أبي . . . وأخي . . . كما أن عمي . .
أحاول تتبع بعض التفاهات التي يلفظها، راسما على شفتي ابتسامة اعتدت على رسمها
كلما اضطررت لسماع ثرثرة هذا الصديق ـ مرغماـ لأن القدر يشاء أن ننتظر . معا
حافلة تأتي أو لا تأتى أعود إلى شرودي وملا مح حنان تداعب مخيلتي ، أطارد خيوط
قصيدة تلوح في الأفق
. . أجمع كلماتها . . أركبها. . أحاول إمساكها في ذاكرتي كلوحة زجاجية ، :
فيهشمها صديقي فجأة
ـ رشيد لماذا لا تنصت لي ؟
. ـ أنا أنصت تابع ما كنت تقول
. ـ نعم . . قلت لك بأني سوف . . . و سأفعل . . . و سأسافر . .
أعود مرة أخرى إلى شرودي و أ لملم شظايا قصيدتي التي تناثرت . . أحس بألم في
رأسي . . وبأني ما عدت أطيق قصف هذا الصديق لذاكرتي بكلماته الفارغة . كنت
كتمثال ، نحت عليه صانعه ابتسامة زائفة . . يتشوش ذهني و أستيقظ . . أجد كلمات
هذا الصديق تحاصرني ، أحس بالاختناق . . بالرغبة في هواء نقي . . أقوم من مكاني
و أعتذر له بأني أريد المشي قليلا ، فيلحق بي وتلا حقني كلماته التي ما عدت
أستطيع تمييزها ، وما عدت أدري كيف أرسم ابتسامة على شفتي ، أرغب في إسكات هذا
الصديق الذي يطلق قذائف صوتية يرتج لها رأسي . . ولكني
أجد نفسي محرجا . . فأعود إلى الجلوس ممسكا رأسي بين راحتي وأنا أحسه يكاد .
ينفجر
تأتي الحافلة أخيرا ، نركب متجاورين , وأمني نفسي بالوصول إلى المنزل , حيث
سينتهي هذا القصف ، وأرتاح من ثرثرة صديقي . . طوال الطريق كنت أجد صعوبة : في
استجماع خلاصة لما يقوله صديقي ، فإذا توقف أسارع للقول :
ـ نعم وماذا أيضا . . و ماذا بعد ؟
و أنا أحوج ما أكون لأقول له :
ـ يكفي لا تضف حرفا آخر !
ولكني كنت مضطرا لأ شعره بأني أتابع حديثه ، تصل الحافلة أخيرا ، أودعه وأصعد
درجات السلم متثاقلا . . أرمي أمتعتي وأستلقي على السرير ، أحس براحة كبيرة
، أفتح التلفاز :
ـ وقع زلزال . . نشبت حرب . . اندلع حريق . .
أغير المحطة تلو المحطة ، كلها تقول :
ـ بلا بلا بلا . .
أفتح المذياع :
ـ بلا بلا بلا . .
أرى صورة صديقي وصوته في مقدم نشرة الأخبار . . في المغني . . وحتى في المغنية
، صارت الأصوات تثير جرسا حادا في دماغي . . أغلق التلفاز . . أغلق المذياع . .
و أغلق النافذة لأن الشارع مليء بضجيج السيارات ، و أغلق أذني بالقطن لأن جاري
يطلق أنغاما صاخبة . . أدس رأسي تحت الوسادة ، وأحس أخيرا بأني ارتحت من
الضجيج و الثرثرة ، وفجأة يرن ـ تحت وسادتي ـ هاتفي النقال .
أفتحه :
ـ بلا بلا بلا . .
أحس بالدوار وأحس بالاختناق . . أغلق الهاتف دون أن أدري من المتصل و لا ماذا
كان يقول ، أقوم من فراشي وأتجه إلى الحمام , وأصب ماءا باردا على رأسي الذي
وصل حد الانفجار . . كان الصمت مطبقا و أنفاسي تتلاحق تحت الصنبور. . يرن جرس
الباب ، أفتح وفجأة أسقط مغشيا علي . . لقد كان الطارق . . صديقي الثرثار